الأربعاء 12 أغسطس 2026
انصبّ جانب كبير من الاهتمام بانتهاكات حقوق الإنسان خلال الحرب على الفظائع التي ارتكبتها القوات الإثيوبية، إلى جانب حلفائها الإريتريين والأمهريين، في أثناء محاولتهم سحق التمرد الذي قادته «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي»، و«قوات دفاع تيغراي» التي تشكّلت للدفاع عن المنطقة.
غير أن إنصاف نساء تيغراي يقتضي أيضا تسليط الضوء على العنف الجنسي الذي ارتكبه بعض ضباط «قوات دفاع تيغراي» بحق زميلاتهم في السلاح. والمفارقة أن كثيرات من هؤلاء النساء التحقن بالقوات بحثًا عن الحماية من الانتهاكات التي عاينّها منذ اندلاع الحرب.
ولا يقتصر أثر الاعتراف بهذه التجارب على موقع النساء في مجتمع تيغراي اليوم، بل يمتد إلى مسار العدالة الانتقالية الذي تأخر طويلا، ويواجه خطر التعطل مجددا في ظل تصاعد احتمالات اندلاع نزاع جديد قد تنخرط فيه الحكومة الفيدرالية وإريتريا.
ولاستجلاء حجم هذه الانتهاكات، تحدثتا إلى نحو 24 من المقاتلين والمقاتلات السابقين في «قوات دفاع تيغراي». وكشفنا شهاداتهم مدى انتشار العنف الجنسي خلال النزاع الذي امتد بين عامي 2020 و2022، وكيف تجاهلت القيادة العليا تلك الانتهاكات إلى حد بعيد، خشية أن يؤدي الإقرار بها إلى تقويض المجهود الحربي؟
كانت ترهاس (اسم مستعار) تتدرب على التمريض في ميكيلي، عاصمة تيغراي، عندما اندلعت الحرب في نوفمبر/تشرين الثاني 2020. لكن مشاهد الوحشية التي عاينتها خلال الأسابيع الأولى من النزاع دفعتها إلى التخلي عن دراستها، والانضمام إلى «قوات دفاع تيغراي».
تقول مستعيدة تلك الأيام: "رأيت جثث نساء مسنات وقد ذُبحت حناجرهن، وكان واضحًا أنهن تعرضن للاغتصاب. لم أعرف وطنًا قط سوى تيغراي. فهل كان عليّ أن أهرب الآن؟ وإلى أين أذهب؟".
مضت الأشهر الأولى من التدريب على وتيرة رتيبة، إلى أن استُدعيت ترهاس، ذات يوم، برفقة مجموعة من المجندات إلى اجتماع عُقد خارج قاعدة فوجها في ضواحي ميكيلي. كانت القاعة تعج بالنساء، وكان عددهن أكبر بكثير مما كانت تظن أنه يخدم ضمن الفوج، فيما لم يكن بين الحاضرين من الرجال سوى قائدين رفيعي الرتبة.
أُبلغت المجندات بأن الاجتماع يهدف إلى إتاحة المجال للمقاتلات للحديث عن العقبات التي يواجهنها داخل «قوات دفاع تيغراي». وتركزت معظم الشكاوى على نقص الإمدادات والقصور التنظيمي، إلى أن وقفت امرأة في نهاية الاجتماع، وكان الارتجاف ظاهرًا عليها.
أخبرت الحاضرات بأن عقيدا كان يجند النساء في الفوج، لكنه بدلا من إخضاعهن للتدريب، كان يخدّرهن ويغتصبهن. وقالت إن أعمار بعض ضحاياه لم تتجاوز 12 عاما، بينما كانت أخريات في سن والدتها. وما إن أنهت شهادتها حتى خيّم الصمت على القاعة. وأضافت أن العقيد كان يعيد الجريحات أحيانا إلى وحداتهن قبل استكمال علاجهن، خشية أن يبلّغن عنه.
رأيت جثث نساء مسنات وقد ذُبحت حناجرهن، وكان واضحًا أنهن تعرضن للاغتصاب. لم أعرف وطنا قط سوى تيغراي. فهل كان عليّ أن أهرب الآن؟ وإلى أين أذهب؟
عقب الاجتماع، تقرر تكليف فريق الارتباط المعني بقضايا النوع الاجتماعي في الفوج بالتحقيق في هذه الاتهامات. وكان الفريق جزءا من آلية قائمة في مختلف وحدات «قوات دفاع تيغراي»، مهمتها نقل قضايا النساء وشواغلهن عبر التسلسل القيادي. وطُلب من ترهاس أن تكون ضمن فريق التحقيق.
بمشاركة اثنتين من زميلاتها، استمعت ترهاس إلى شهادات الناجيات، وبدأت في جمع الأدلة. وتوصل الفريق إلى أن العقيد اعتدى جنسيًا على ما لا يقل عن تسع نساء وفتيات.كما كشفت التحقيقات أن امرأة رفضت مراوداته، وهددت بالإبلاغ عنه، تعرضت لمضايقات متكررة، كان من بينها احتجاز ابنها أياما عدة. وأكد الفريق أيضا أن الجريحات كن يُعَدن أحيانًا إلى وحداتهن قبل إتمام العلاج، لأن العقيد كان يخشى أن يفضحن أمره.
ووفقًا لترهاس، لم يكن العقيد يتصرف بمفرده، بل كان يستند إلى شبكة من السائقين والحراس وضباط الخدمات اللوجستية، تولت حمايته وساعدته في ترهيب فريق التحقيق. وقالت: "رقّى أشخاصا غير مؤهلين، فكانوا بدورهم يحمونه".
كانت العلاقات العاطفية والجنسية مسموحا بها في بعض وحدات «قوات دفاع تيغراي»، بشرط أن تقوم على الرضا المتبادل. غير أن بعض الضباط دأبوا على تجاهل هذا الشرط، ونادرا ما تعرضوا للمحاسبة، حتى عندما كانت سلوكياتهم موضع بلاغات رسمية.
تراوحت إساءة استغلال السلطة بين التلميحات الجنسية والإكراه الصريح. ويوضح أويت، وهو جندي شاب في «قوات دفاع تيغراي»، أن كبار الضباط كانوا يعرضون على الشابات عادة مهام أكثر راحة، كالعمل «مشغلاتٍ لأجهزة اللاسلكي» أو «سكرتيرات»، مقابل ممارسة الجنس. ووصف هذا النمط بأنه كان «واسع الانتشار» في مختلف تشكيلات القوات.
كان هذا الاستغلال أشد إثارة للسخط لأن كثيرا من النساء التحقن بـ«قوات دفاع تيغراي» أصلا بحثا عن الحماية من العنف الجنسي خلال الحرب. فقد شكّلت النساء نحو 30٪ من قوام القوات، ما جعلها واحدة من أكثر القوات المسلحة تمثيلا للنساء في العالم. لكن هذا الحضور العددي الواسع لم يحل دون عملهن في «بيئة عدائية»، وفق ما تقر به رهوا، وهي إحدى القيادات النسائية البارزة في القوات.
كانت الفتيات اللواتي يُنظر إليهن بوصفهن الأجمل يُكلّفن دائما بمهام إدارية، ويعملن إلى جانب قائد الوحدة
عندما سُئلت رهوا عن أبرز الصعوبات التي واجهتها المقاتلات، وضعت التحرش الجنسي في مقدمتها، إلى جانب العنف الجنسي الذي ارتكبته قوات العدو، ونقص مستلزمات النظافة الخاصة بالدورة الشهرية، والتمييز في الترقيات. وأوضحت أن الاعتداءات الجسدية المباشرة لم تكن شائعة، لكن بعض القادة كانوا يعاقبون النساء اللواتي يرفضن مراوداتهم، بتكليفهن بمهام شاقة وغير مرغوبة.
قالت ضابطة سابقة رفيعة الرتبة: "كانت الفتيات اللواتي يُنظر إليهن بوصفهن الأجمل يُكلّفن دائما بمهام إدارية، ويعملن إلى جانب قائد الوحدة". ووصفت البيئة السائدة داخل القوات بأنها سامة، مضيفة: "قال لي أحد الضباط إن عقدي جلسات خاصة مع النساء [للاستماع إلى شكاويهن] كان تصرفا غير مسؤول. وقال لي: فكري فيما قد يفعلونه بهن عندما تقع أيديهم عليهن في الجبهة، وأنتِ لستِ هناك لمساعدتهن".
على الورق، كانت لدى «قوات دفاع تيغراي» ضوابط يفترض أن تحول دون وقوع مثل هذه الانتهاكات. ففي أغسطس/آب 2021، اعتُمد نظام «منسقي شؤون النوع الاجتماعي»، الذي نصّ على تعيين منسق واحد على الأقل في كل مستوى من مستويات التشكيل العسكري.
كان يُفترض بهؤلاء المنسقين عقد اجتماعات دورية مع المقاتلات، والاستماع إلى شكاويهن، ثم نقلها عبر التسلسل القيادي إلى القيادة المركزية للقوات. لكن النظام افتقر، في الممارسة العملية، إلى المركزية والفاعلية، وظل مرتهنا إلى حد بعيد لاجتهادات الأفراد. كما ترددت روايات عن تعرض بعض المنسقين للانتقام إذا أصروا على متابعة شكاوى التحرش الجنسي.
وزادت ظروف العمل على خطوط المواجهة من صعوبة أداء هذه الآلية. وقال أحد ممثلي المنسقين: "كنا في ساحات القتال خلال معظم هذين العامين، ولم يكن لدينا وقت فعلي للاجتماع وتنظيم أنفسنا وتوحيد صوتنا".
مع أن وجود آلية للإبلاغ يعكس إدراك القيادة المركزية لوقوع الانتهاكات، فإن أويت يشير إلى أن «قوات دفاع تيغراي» كانت تعمل وفق هيكل قيادي هرمي شديد المركزية، تصدر فيه الأوامر من الأعلى إلى الأسفل. وقد انتهى الأمر بهذا الهيكل إلى التغاضي عن تلك السلوكيات وحماية الضباط المتورطين فيها.
لم نول هذه القضية ما تستحقه من اهتمام، لأننا كنا نخشى أن يؤدي ذلك إلى التقليل من فداحة ما كان العدو يرتكبه
ووصف ساري، وهو مسؤول بارز سابق في «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي»، ذلك بأنه ثقافة قوامها «حماية حمقاء». ويقر ساري بأنه كان ينبغي تشكيل «لجنة خاصة للتحقيق في هذه الادعاءات». لكن «قوات دفاع تيغراي» كانت خلال الحرب «مهووسة بالحفاظ على مظهر من الوحدة»، وهو ما جعل سلامة النساء ورفاههن مسألة ثانوية.
تعترف رهوا بدورها بإخفاقات قيادة القوات، قائلة: "لم نولِ هذه القضية ما تستحقه من اهتمام، لأننا كنا نخشى أن يؤدي ذلك إلى التقليل من فداحة ما كان العدو يرتكبه".
كما ثنى الخوف من الانتقام أو الوصمة بعض النساء عن الإبلاغ عما تعرضن له، إلى جانب شعورهن بالولاء لـ«قوات دفاع تيغراي». وقالت لوان، وهي مقاتلة سابقة في القوات: "المحزن أن ضغط العمل كان هائلا إلى حد أننا لم نسمع بهذه المشكلة إلا بعد توقف الحرب". وترى أن بعض النساء ربما آثرن الصمت لأن اهتمامهن كان منصبا على كسب الحرب، لا على سلامتهن الشخصية.
مع ذلك، حقق نظام منسقي شؤون النوع الاجتماعي نجاحًا واحدًا على الأقل. فقد أحالت ترهاس وزميلاتها قضية العقيد المعتدي إلى المدعين العسكريين في «قوات دفاع تيغراي»، كما عرضنها على جنرال رفيع الرتبة دفع بالإجراءات إلى مستويات أعلى، ما انتهى بإلقاء القبض على العقيد والمتواطئين معه.
وما إن أُبعد هؤلاء الرجال عن مواقع القيادة حتى تحسنت الأوضاع، ولو لفترة وجيزة. وقالت ترهاس: "أصبح الرجال والنساء أكثر وعيًا بعد ذلك، وصارت الحدود بين المقاتلين والمقاتلات داخل الوحدة أكثر وضوحا".
غير أن ترهاس وزميلاتها سرعان ما أصبحن هدفا لتهديدات بدا أنها تُدبّر من داخل السجن. وبلغ الأمر حدّ أن ترهاس نُصحت بعدم السير بمفردها، قبل أن يتدخل كبار الضباط ويحذروا من أن كل من يطلق مثل هذه التهديدات سيتعرض للاعتقال أيضا.
أُطلق سراح العقيد قبل الأوان، بعدما بدا أن البلدة التي كان محتجزا فيها على وشك السقوط، لكنه لم يعد إلى صفوف «قوات دفاع تيغراي».
ازدادت أوضاع النساء سوءًا في أعقاب توقيع اتفاق بريتوريا للسلام عام 2022. فقد أدى عدم تنفيذ خطة السلام بالكامل إلى حرمان قرابة مليون شخص في تيغراي من العودة إلى منازلهم، بينهم عدد كبير من النساء اللواتي يعِلن أسرهن ويواجهن خطر الاستغلال.
في ظل تفاقم الانقسامات الداخلية والتشظي داخل حكومة تيغراي المؤقتة، تتزايد المخاوف من تحول هذه الخلافات إلى صراع مفتوح قد يجر الحكومة الفيدرالية إلى المواجهة ويشعل حربًا إقليمية أوسع.
في ظل أزمات انعدام الأمن والبطالة وارتفاع تكاليف المعيشة، الآخذة في التراكم والتفاقم، لا يكاد يتبقى مجال لمناقشة قضايا حقوق النساء خلال الحرب، فضلًا عن معالجة التحديات المرتبطة بها، والتي لا تزال قائمة حتى اليوم.
وقالت ناشطة نسوية في ميكيلي، طلبت عدم الكشف عن هويتها: «لا أحد يريد إثارة قضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي علنًا، إلا حين تُستخدم لمهاجمة [خصومه السياسيين]». لكن تحقيق العدالة والمساءلة في تيغراي يقتضي مواجهة جميع العوامل التي تجعل النساء عرضة للانتهاك، حتى حين تقع بعض تلك الانتهاكات على أيدي رفاقهن في السلاح.
ملاحظة: استُخدمت أسماء مستعارة لحماية هويات المتحدثين وتمكينهم من الحديث بحرية.