تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 17 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

عنف الندرة يضرب بعنف.. كيف نبقى أحياء لا كيف نعيش فقط؟

6 أبريل, 2026
الصورة
عنف الندرة يضرب بعنف.. كيف نبقى أحياء لا كيف نعيش فقط؟
Share

منذ لحظة شرارة حرب أبريل قبل ثلاث سنوات، لم يعّد السودان مجرد بلدٍ تتنازعه جبهات قتال ضروس، إنما صار مكاناً يُعاد تشكيله قسراً، يوماً بعد يوم، تحت وطأة العنف والانهيار والتخريب. منذ صبيحتها، لم تعّد الحرب صوت الرصاص وحده، إنما صارت حضوراً ثقيلاً في تفاصيل الحياة اليومية للناس: في الخبز الذي اختفى، في الدواء الذي لم يعد يُنال، في القلق الذي يسكن كل بيت، والفقد الذي أقام في كل روح.

قبل تلك اللحظة، ورغم كل ما كان يعتري الاقتصاد من اختلالات موجعة – من تضخم ينهش ما تبقى من الدخل، وأجور بالكاد تُبقي الناس على قيد الاحتمال - ظل هناك خيط رفيع من اليقين. كان الناس يعرفون، ولو بقدر ضئيل، كيف يمرّ يومهم: دخل محدود، نعم، لكنه موجود؛ وأسواق مختلة، لكنها تعمل؛ وخدمات ضعيفة، لكنها لم تختفِ تماماً. فكانت الأزمة قاسية، لكنها مفهومة - أزمة تكلفة، لا أزمة وجود.

ثم جاءت الماساة، وقطعت هذا الخيط الرفيع. مع ارتفاع لهيب المدافع عنان المدن أولاً قبل الفيافي، انهار كل شيء دفعةً واحدة، كما لو أن الأرض انسحبت من تحت أقدام الجميع. لم يعدّ الاقتصاد يعاني من خلل يمكن إصلاحه، إنما من تفكّك شامل. توقفت سلاسل الإمداد وتلاشت الأسواق، فقدت العملة قيمتها، وغابت الدولة أو انكفأت إلى حد العجز. في لحظة، تغيّر السؤال الذي يحكم حياة الناس: لم يعد "كيف نعيش؟" بل "كيف نبقى أحياء؟".

إكراهاً هكذا، وُلد ما يمكن تسميته بـ"اقتصاد البقاء القسري" - اقتصاد لا مكان فيه للتخطيط أو الادخار، إنما للنجاة فقط. اقتصاد تحكمه الندرة والخوف، وتديره حسابات المخاطر اليومية، ما جعل النجاح لا يُقاس بما تكسبه، بل بما تنجو به. ففي هذا السياق الجديد، تغيّرت الأشياء في جوهرها. لم يعدّ الغذاء مجرد سلعة تُشترى، إنما صار شريان حياة نادراً، خاضعاً للمساومة والاحتكار.

ولم يعدّ الدواء حقاً أو خدمة إنسانية جليلة، إنما امتيازاً هشّاً، لا يُمنح إلا لمن يملك القدرة على الوصول أو الحركة أو النفوذ. حتى الماء كأبسط مقومات الحياة، تحوّل بغتةً، في أغلب بقاع البلاد إلى أداة ضغط، يُستخدم كما تُستخدم بقية أدوات الصراع. والسوق نفسها لم تعدّ سوقاً، إنما ساحة مواجهة صامتة. هناك، يُمارَس العنف بشكل آخر: عنف الأسعار وعنف الندرة وعنف الإقصاء. كل معاملة تحمل في طياتها صراعاً خفياً، وكل سلعة تعبر عن قصة معاناةٍ غير مرئية. هكذا، لقد أعادت هذه الحرب تعريف العلاقة بين الإنسان وكل ما يحتاجه ليعيش، وجعلت البقاء معركة يومية، والكرامة رفاهية نادرة، والمستقبل فكرة بعيدة يصعب تصورها.

الانهيار الخطير للاقتصاد الإنتاجي

لقد مثّلت حرب أبريل منذ يومها، لحظة انكسار بنيوي أطاحت بالأسس التي كان يقوم عليها "اقتصاد المعاش"، وحوّلت الاختلالات المزمنة إلى انهيار واسع متعدد المستويات. فالأرقام لا تعكس فقط حجم الخسارة، بل تكشف عن طبيعة التحوّل نفسه: من اقتصاد يعاني من التشوّه إلى اقتصاد فقد قدرته على العمل أصلاً، ولاسيما في إقليمي دارفور وكردفان.

تشير التقديرات إلى خسارة تُقارب 15 مليار دولار بنهاية عام 2023، أي ما يعادل نحو 48٪ من الناتج الإجمالي القومي، وهي نسبة لا تعبّر فقط عن انكماش اقتصادي، إنما عن تفكّك في البنية الإنتاجية الهشة من الأساس. فتراجع مساهمة القطاعات الرئيسية - الصناعة بنسبة 70٪، والخدمات بنسبة 49٪، والزراعة بنسبة 21٪ - يعني عملياً أن الاقتصاد لم يفقد توازنه فحسب، إنما فقد محركاته الأساسية.

الصناعة التي تمثل العمود الفقري لأي عملية إنتاج، انهارت تحت وطأة تدمير البنية التحتية، وانقطاع سلاسل التوريد. قطاع الخدمات، الذي كان يستوعب الكتلة الأكبر من العمالة الحضرية، شُلّ بفعل انهيار المؤسسات والأسواق. أما الزراعة، وهي الملاذ التقليدي في أوقات الأزمات، فقد تضررت بدورها نتيجة النزوح، وانعدام الأمن، وتعطّل المواسم الزراعية، هذا ناهيك عن قطاع الثروة الحيوانة.

في هذا المشهد، تغيّر موقع المواطن جذرياً. لم يعد جزءاً من اقتصاد تنظمه الدولة، إنما صار عالقاً داخل شبكة من القوى المسلحة، يدفع تكلفة البقاء كل يوم. لم تعدّ العلاقة التزاماً قانونياً، بل خضوعاً مستمراً

غير أن المؤشر الأكثر دلالة على هذا التحول الجذري لا يكمن في الناتج الإجمالي، إنما في سوق العمل نفسه. فقدان نحو نصف القوى العاملة (5.2 ملايين شخص) لوظائفهم لا يعني مجرد ارتفاع معدلات البطالة، بل يشير إلى تفكك العلاقة بين العمل والدخل كلياً. فحين يفقد ملايين الأفراد مصادر رزقهم دفعة واحدة، لا يعود الأمر متعلقاً بدورة اقتصادية هابطة يمكن تصحيحها، إنما بانهيار في منظومة الكسب ذاتها.

التوزيع القطاعي لفقدان الوظائف يعمّق الفهم بشكل مخيف؛ 2.7 مليون وظيفة مفقودة في قطاع الخدمات تعكس شللاً شبه كامل للحياة الحضرية حيث من التجارة الصغيرة إلى النقل والتعليم والصحة والطاقة. فقدان 2 مليون وظيفة في القطاع الصناعي يشير إلى توقف شبه تام للإنتاج، وتآكل رأس المال المادي والبشري. أما فقدان 400 ألف وظيفة في الزراعة، فرغم أنه يبدو أقل نسبياً، إلا أنه يحمل دلالات خطيرة، إذ يضرب آخر خطوط الدفاع الاقتصادية، ويقوّض قدرة البلاد على تأمين غذائها لفترة أطول مما ينبغي.

هذا الانهيار في سوق العمل انعكس مباشرة على بنية الدخل، حيث انخفاض دخل الأسر الحضرية بنسبة 51٪ لا يعني فقط تراجع القدرة الشرائية، إنما انهيار أنماط الحياة القائمة على الأجر المنتظم. في المدن، حيث يعتمد السكان بشكل شبه كلي على السوق، يتحول فقدان الدخل إلى تهديد مباشر للبقاء. أما في الريف، فرغم الانخفاض الأقل نسبياً (44٪)، فإن أثره لا يقل حدة، نظراً لاعتماد الأسر على مزيج هش من الإنتاج الذاتي والدخل النقدي، وكلاهما تضرر بشدة.

إن تراجع الدخل العام بنسبة 48.3٪ مقارنة بعام 2021، يعكس انكماشاً حاداً في الكتلة النقدية المتداولة داخل الاقتصاد الحقيقي، ما يؤدي إلى دوامة انكماشية: انخفاض الدخل يقلّل الطلب، ما يؤدي إلى مزيد من إغلاق الأنشطة، وبالتالي مزيد من فقدان الوظائف. إنها حلقة مفرغة من الانهيار الذاتي. الإشكالية لم تعدّ في مستوى الدخل، إنما في غيابه. إذ لم يعدّ هناك اقتصاد يعمل ليُعاد ضبطه، إنما فراغ اقتصادي تُملؤه تدريجياً آليات بديلة، غير رسمية، وهشّة، وغالباً عنيفة، لإنتاج الدخل.

عندما تصبح الفوضى مربحة

في قلب هذا الانهيار الواسع، لم تختفِ الموارد، إنما تغيّر مسارها. لم تعدّ تُدار بقواعد القانون، إنما بمنطق العنف. وهكذا وُلد "اقتصاد الحرب"؛ حيث لا تُقاس القيمة بما يُنتَج، إنما بما يمكن السيطرة عليه، وحيث تحوّل الفوضى نفسها إلى مورد قابل للاستغلال. ومع تراجع دور الدولة وانكفاء مؤسساتها، تمددّت أسواق موازية بلا ضوابط. الأسعار لم تعدّ انعكاساً للعرض والطلب، إنما للندرة والخوف وكلفة العبور عبر الجبهات. كل طريق صار مخاطرة، وكل سلعة تحمل في ثمنها أثقال الحرب.

لكن هذا الاقتصاد لا يعيش على هامش الصراع، إنما في صميمه. فالأطراف المتحاربة ولاسيما قوات الدعم السريع لا تكتفي بالقتال، بل تبني شبكات لاستخراج الربح من الفوضى. سيطرتها على العديد من مناجم الذهب في إقليم دارفور إلى جانب تجارة الكبتاغون، مثلاً، لم تعد مجرد نفوذ جغرافي، إنما مصدر سيولة سريع، يُغذّي معركتها رفقة التمويل الذي يأتيها من الخارج ويُطيل عمرها.

على الطرق، يتكرّس هذا الواقع يومياً. الممرات التي كانت تنقل البضائع، تحوّلت إلى نقاط جباية. من نيالا إلى الضعين أو الفاشر إلى الدبة، لا تعبر الشاحنات مرة واحدة، بل تدفع مراراً. كل نقطة تفتيش هي سلطة قائمة بذاتها، وكل عبور صفقة قسرية جديدة. وهكذا تحوّلت الحركة إلى سلسلة من الابتزاز المتكرر، تتراكم كلفته على الجميع.

لقد أعادت هذه الحرب تعريف العلاقة بين الإنسان وكل ما يحتاجه ليعيش، وجعلت البقاء معركة يومية، والكرامة رفاهية نادرة، والمستقبل فكرة بعيدة يصعب تصورها

في هذا المشهد، تغيّر موقع المواطن جذرياً. لم يعد جزءاً من اقتصاد تنظمه الدولة، إنما صار عالقاً داخل شبكة من القوى المسلحة، يدفع تكلفة البقاء كل يوم. لم تعدّ العلاقة التزاماً قانونياً، بل خضوعاً مستمراً. ومع هذا التحوّل، تلاشى دور الدولة، وظهرت بدلاً عنها منظومة مرنة، بلا مساءلة، عالية الربح، تتقاطع فيها مصالح السلاح والتجارة حول شيء واحد: استمرار الفوضى. إلى جانب ذلك، اتسع اقتصاد النهب المنظم. البنوك، المخازن، وحتى المرافق الصحية، لم تسلم. لم يعد النهب فعلاً عابراً، إنما آلية لإعادة توزيع الثروة بالقوة: تحويل الأصول إلى سيولة، ودفعها من جديد داخل الأسواق الموازية. دورة مغلقة، تُغذّي نفسها بنفسها. هكذا يتشكّل اقتصاد كامل، لا رغم الفوضى بل منها. اقتصاد يُراكم عبر السيطرة، ويُعيد التوزيع بالإكراه. وفي ظله، لا يبدو السلام خلاصاً فقط، بل تهديداً حقيقياً لمصالح ترسّخت، ونمت، وازدهرت، لأن الحرب لم تكن عائقاً لها، بل شرط وجودها.

التكيف القسري؛ حِيَل البقاء في زمن الحرب

في سياق هذا الانهيار البنيوي، لم يعدّ التكيّف مجرد استجابة للأزمة، إنما أصبح البنية الحاكمة للحياة اليومية. فمع تفكك الاقتصاد الرسمي وانحسار الدولة، انتقل المواطنين من موقع الفاعل الاقتصادي إلى موقع الناجي. لم يعدّ العمل مساراً مستقراً أو متدرجاً، إنما سلسلة من الأفعال المؤقتة، المتقطعة، والمحفوفة بالمخاطر، تُمارَس في بيئة يختلط فيها الاقتصادي بالأمني، والمعيشي بالعسكري. مما يؤدي إلى إعادة تعريف القيمة لا عبر الإنتاج، إنما عبر القدرة على الاستمرار.

في المدن المحاصرة مثل الفاشر حتى سقطت في يد المليشيات، تتكثّف هذه التحوّلات في أكثر صورها قسوة. حيث لم يعد الوصول إلى الغذاء محكوماً بالسعر أو العرض، إنما بإمكانية اختراق الحصار ذاته. أي حركة تقوم بها النساء سواء في السوق، خارج المدينة، لأجل الوصول إلى الغذاء، ليست نشاطاً اقتصادياً عادياً، إنما عمليات عبور في فضاء عدائي، حيث يتحوّل الطريق إلى تهديد دائم، وتصبح الحياة نفسها جزءاً من تكلفة الحصول على الطعام وقد وصل الانهيار الغذائي إلى أن بات يُستهلك "الأمباز"، بوصفه بديلاً قسرياً، دلالةً على انزلاق المجتمع إلى حافة العوز البيولوجي.

في قلب هذا الانهيار الواسع، لم تختفِ الموارد، إنما تغيّر مسارها، هكذا وُلد "اقتصاد الحرب"؛ حيث لا تُقاس القيمة بما يُنتَج، إنما بما يمكن السيطرة عليه، وحيث تحوّل الفوضى نفسها إلى مورد قابل للاستغلال

بالتوازي، يتفكك المسار المهني بوصفه إطاراً منظماً للحياة الاقتصادية. لم يعدّ الأفراد ينتقلون بين وظائف داخل سوق، إنما يقفزون بين أنشطة متباعدة وفق ما تتيحه لحظة الحرب. التحوّل من تجارة الأجهزة الإلكترونية إلى تهريب الوقود عبر الصحراء لا يعكس مرونة، إنما قطيعة مع الاقتصاد المنظم. النشاط هنا يُعاد تعريفه بوصفه قدرة على الحركة داخل فضاء متشظٍ: عبور حدود ودفع إتاوات واستئجار حماية. إنّه اقتصاد قائم على "إدارة المخاطر" أكثر من كونه إنتاجاً للقيمة، حيث يُقاس النجاح بمدى النجاة لا بحجم الربح.

ومع انهيار البنية التحتية، ظهرت أنماط بديلة من النشاط لا بوصفها ابتكاراً، إنما كاستجابة لفراغ قاتل. تقديم خدمات الإنترنت عبر Starlink يمثّل نموذجاً دالاً على ذلك: فالاتصال لم يعد خدمة عامة، إنما سلعة نادرة تُدار ضمن اقتصاد الإتاوات. الاستثمار في هذا المجال، رغم كلفته العالية، يظل رهينة لشبكات السيطرة المسلحة، حيث يُعاد اقتطاع جزء من العائد بشكل قسري. وهكذا، يتحوّل الابتكار نفسه إلى نشاط هش، مشروط بالامتثال لقواعد غير رسمية، ومتقلب تبعاً لموازين القوة والعنف.

في السياق ذاته، يعكس الانتشار المتسارع للطاقة الشمسية نمطاً من "إعادة تركيب البنية التحتية من الأسفل". استهداف الكهرباء لم يؤدِّ فقط إلى انقطاع الخدمة، إنما خلق سوقاً بديلة تُدار خارج أي تخطيط مركزي. غير أن هذه السوق، رغم ما تتيحه من فرص محدودة، تظل محكومة بشروط الحرب: تكلفة مرتفعة، إمدادات غير مستقرة، ورسوم مفروضة. إنها بنية هشّة، تعيد إنتاج اللامساواة، حيث أصبح الوصول إلى الطاقة امتيازاً لمن يستطيع تحمّل الكلفة، لا حقاً عاماً.

وحشية انهيار الخدمات

لا يقوم اقتصاد البقاء على الغذاء وحده، بل على تلك الشبكة الخفية التي تُبقي الحياة ممكنة: ماء نظيف، رعاية صحية، صرف صحي، وطرق تصل الناس بما يحتاجون. مع اندلاع الحرب، لم تتعطل هذه الشبكة فقط، إنما تفككت بعنف، تاركةً فراغاً مفتوحاً على المرض والموت. هنا، لا يأتي الوباء كحادث عابر، إنما كحصيلة مباشرة لانهيار شروط الحياة نفسها. ظهر ذلك جلياً في تفشي الكوليرا خلال 2024–2025. لم يكن المرض سوى الوجه الظاهر لأزمة أعمق: مياه ملوثة، أنظمة منهارة، وبيئة فقدت قدرتها على الحماية. تحوّل الماء كأبسط مقومات البقاء، إلى ناقل للعدوى، ومع امتداد الوباء عبر معظم الولايات، لم يعد الأمر تفشياً محدوداً، بل واقعاً وبائياً كاملاً، يتغذى على الغياب شبه التام للدولة.

الأرقام التي ملئت البيانات، لم تكن مجرد إحصاءات، إنما شهادة على عجز منظومة كاملة عن أداء أبسط واجباتها: حماية الحياة. نظام صحي هشّ أصلاً، تلقّى ضربة قاصمة: مستشفيات خارج الخدمة، كوادر مشتتة أو منهكة، وإمدادات دوائية انقطعت. وفي المخيمات المكتظة في دارفور وشرق تشاد، حيث تتكدس الهشاشة، وجد المرض بيئته المثالية: ازدحام، شح مياه، وغياب للصرف الصحي.

في هذا المنحى تغيّر تلقائياً معنى الأشياء. لم تعدّ الصحة حقاً، إنما فرصة نادرة. ولم يعدّ الماء متاحاً للجميع، إنما مورداً شحيحاً. أما الوقاية، فأصبحت رفاهية بعيدة. ولم يعد المرض مجرد حالة طبية، إنما انعكاساً صارخاً لعدم المساواة في القدرة على النجاة. وما يزيد القسوة أن انعدام الأمن لا يكتفي بتغذية الأزمة، إنما يعرقل حتى محاولات احتوائها، ويتحوّل الممكن احتواؤه إلى كارثة ممتدة. بهذا المعنى، لا يبدو انهيار الخدمات أثراً جانبياً للحرب، إنما أحد وجوهها الخفية. فعندما تسقط أنظمة الماء والصحة، لا يغيب الدعم فقط، إنما يتغيّر معنى الحياة نفسها: من حق تُنظّمه مؤسسات الدولة، إلى معركة فردية يومية، يحكمها الموقع، والحظ، والقدرة على الوصول.