تحفظ ذاكرة كرة القدم مراوغات مارادونا وميسي، وأهداف رونالدو ومبابي وهاري كين وغيرهم، لكنها -في الوقت نفسه- نادرًا ما تحفظ أسماء الأطباء والمعالجين الذين يعيدون ترميم أجساد اللاعبين، أو الأشهر الطويلة التي قضوها في غرف العلاج، محاصرين بالألم. نتذكر لحظة المجد، ولحظة الفوز ورفع الكأس، وننسى غالبًا الثمن الذي سبقها. وربما لهذا السبب تبقى الأهداف حاضرة في الذاكرة أكثر من الإصابات، رغم أن الأخيرة كانت وما تزال جزءًا من القصة نفسها.
خلال مباراة قطر وكندا الأخيرة، وبينما كانت الأنظار تتجه إلى الأهداف المتتالية والنتيجة الكبيرة التي انتهت بفوز المنتخب الكندي بستة أهداف دون رد، غادر إسماعيل كونيه، لاعب منتخب كندا، أرض الملعب متأثرًا بإصابة بدت مؤلمة. كانت لحظة عابرة بالنسبة إلى كثيرين، فالمباراة استؤنفت بعد دقائق وعادت الكاميرات إلى متابعة الكرة، لكن تلك اللقطة أعادت إلى الواجهة الوجه الآخر لكرة القدم؛ ذلك الوجه الذي لا يظهر في ملخصات المباريات ولا في صور التتويج.
تبقى الأهداف حاضرة في الذاكرة أكثر من الإصابات، رغم أن الأخيرة كانت وما تزال جزءًا من القصة نفسها
منذ نشأتها الأولى، قُدمت كرة القدم بوصفها لعبة للمتعة والشغف والانتصارات. غير أن هذه الصورة لا تكتمل من دون الاعتراف بأنها أيضًا مساحة للألم والخسارة والحزن. فكل لاعب يدخل الملعب يعرف، في مكان ما من وعيه، أن حلم النجومية قد يتوقف بسبب التحام واحد، أو حركة خاطئة، أو لحظة سوء حظ.
في كأس العالم 2014، عاش البرازيليون واحدة من أكثر اللحظات قسوة عندما تعرض نيمار لإصابة في الظهر خلال مواجهة كولومبيا في ربع النهائي. لم تكن الإصابة مجرد خبر رياضي، بل صدمة وطنية لبلد كان يعلّق آماله على نجمه الأول. وبعد أيام قليلة، جاءت الهزيمة التاريخية أمام ألمانيا لتمنح تلك الإصابة معنى أكبر من مجرد حادثة داخل الملعب.
كل لاعب يدخل الملعب يعرف، في مكان ما من وعيه، أن حلم النجومية قد يتوقف بسبب التحام واحد، أو حركة خاطئة، أو لحظة سوء حظ
قبل ذلك بثماني سنوات، انتهى مشوار المهاجم الإنجليزي مايكل أوين في مونديال 2006 بعد إصابة خطيرة في الركبة، انعكست لاحقًا على مسيرته الكروية. وفي حالات أخرى كثيرة، لم تكتفِ الإصابات بحرمان اللاعبين من بطولة أو موسم، بل غيّرت علاقتهم باللعبة كلها.
وربما تكمن فرادة كرة القدم في هذا التناقض العجيب. فهي تمنح الجماهير لحظات من السعادة الخالصة، لكنها لا تخفي حقيقة أن هذه المتعة تقوم أحيانًا على قدر من المعاناة والدموع. وبينما يحتفل المشجع بهدف في الدقيقة الأخيرة، قد يكون اللاعب الذي سجله أو صنعه قد أمضى شهورًا طويلة في التعافي من إصابة أو تجاوز أزمة بدنية أو نفسية.
تمنح الجماهير لحظات من السعادة الخالصة، لكنها لا تخفي حقيقة أن هذه المتعة تقوم أحيانا على قدر من المعاناة والدموع
الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه رأى أن الإنسان لا يكتشف قوته إلا عبر مواجهة الألم وتجاوزه. وفي كرة القدم تبدو هذه الفكرة حاضرة بوضوح. فالأهمية الحقيقية للانتصار لا تكمن في لحظة الفوز ورفع الكأس فحسب، بل في الطريق الطويل الذي قاد إليها، بما فيه من سقوط ونهوض، وخيبات وانكسارات، وإصابات غير متوقعة.
لهذا نتذكر الأهداف أكثر مما نتذكر الأثمان التي دفعها اللاعبون على أرض الملعب. فالأهداف تمثل النهاية السعيدة التي يتطلع إليها المشجعون، بينما تذكرنا الإصابات بهشاشة الإنسان وحدوده. لكن الحقيقة أن الصورة لا تكتمل إلا بهما معًا. فخلف كل هدف خالد، هناك ألم لم نشاهده، وصرخة أكلها الصمت، وخلف كل لحظة مجد، هناك ثمن دفعه أحدهم بعيدًا عن أعين الجماهير.