الاثنين 7 سبتمبر 2026
تواجه آلاف الأسر في منطقة الوادي المتصدع وسط كينيا أزمة إنسانية وبيئية متفاقمة مع استمرار الارتفاع غير المسبوق في منسوب مياه بحيرة بارينغو وبحيرة بوغوريا، وهو ارتفاع استمر لأشهر بعد عدة سنوات من الأمطار التي تجاوزت معدلاتها الطبيعية في مختلف أنحاء الوادي المتصدع. وقد أدى تمدد المياه إلى غمر منازل ومزارع وطرق ومدارس ومرافق سياحية، في وقت يؤكد فيه السكان أن حجم الخسائر تجاوز قدرتهم على التكيف مع الأزمة. ونقلت صحيفة الغارديان عن أحد السكان قوله: "تحركت البحيرة حتى دخلت منزلي"، في تعبير يلخص حجم التحول الذي شهدته المنطقة بعد أن ابتلعت المياه أحياء كاملة كانت قبل سنوات بعيدة عن الشاطئ.
يؤكد السكان المحليون أن الارتفاع المستمر في مستوى البحيرتين غيّر المشهد الطبيعي والاقتصادي بصورة جذرية. فقد غمرت المياه آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية، ونفقت أعداد كبيرة من الماشية، كما اضطر كثير من السكان إلى هجر منازلهم بعد أن أصبحت غير صالحة للسكن. وتعرضت الفنادق والنزل السياحية المنتشرة حول البحيرتين لخسائر كبيرة نتيجة غمر المباني وتراجع أعداد الزوار، وهو ما أثر بصورة مباشرة على مصادر الدخل الرئيسية في المنطقة. ووفقاً لتقرير الغارديان، فإن بعض القرى أصبحت محاطة بالمياه من جميع الجهات، بينما انتقلت خطوط الشاطئ مئات الأمتار داخل اليابسة مقارنة بما كانت عليه قبل أعوام قليلة.
يربط خبراء البيئة هذه الظاهرة بسلسلة من المواسم المطيرة الاستثنائية التي شهدتها كينيا منذ عام 2023، نتيجة التفاعل بين ظاهرتي إل نينيو والنينيا والتغيرات المناخية العالمية، وهو ما أدى إلى ارتفاع تدفقات الأنهار المغذية للبحيرات المغلقة في الوادي المتصدع. وتشير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) إلى أن شرق أفريقيا تشهد تزايداً في شدة الظواهر المناخية المتطرفة، بما في ذلك الأمطار الغزيرة والفيضانات، الأمر الذي يزيد من مخاطر النزوح وفقدان سبل العيش في المناطق المنخفضة.
أثرت الفيضانات أيضاً على النظام البيئي الفريد للمنطقة، إذ غمرت المياه أجزاء من محمية بحيرة بوغوريا الوطنية، المعروفة عالمياً باستقبالها أعداداً ضخمة من طيور الفلامنغو، كما امتدت المياه إلى الينابيع الحارة والمناطق الرطبة المحيطة، وهو ما أثار مخاوف علماء البيئة من حدوث تغيرات طويلة الأمد في التوازن البيئي للبحيرة. وأوضحت هيئة الحياة البرية الكينية (KWS) في تقارير سابقة أن استمرار ارتفاع مستويات المياه يفرض تحديات جديدة أمام إدارة المحميات الطبيعية وحماية التنوع الحيوي في الوادي المتصدع.
تقول السلطات المحلية إن الحكومة نفذت عدداً من برامج الإغاثة وإعادة التوطين، وشملت تقديم مساعدات غذائية وخيام ومخصصات مالية لبعض الأسر المتضررة، إلا أن المجتمعات المحلية ترى أن هذه الإجراءات لم ترتق إلى حجم الأزمة، خاصة مع استمرار تقدم المياه وعدم وجود مؤشرات على تراجعها خلال المدى القريب. كما يطالب السكان بوضع خطة وطنية لإعادة توطين المتضررين وتعويض أصحاب الأراضي والمنشآت التي فقدت بالكامل، إلى جانب إنشاء بنية تحتية أكثر قدرة على التكيف مع التغيرات المناخية. وأشارت الهيئة الوطنية لإدارة الجفاف في كينيا (NDMA) إلى أن التغيرات المناخية باتت تتطلب استراتيجيات طويلة الأجل تتجاوز الاستجابة الطارئة إلى التخطيط المستدام للمناطق المعرضة للمخاطر.
يرى مختصون أن أزمة بحيرتي بارينغو وبوغوريا أصبحت نموذجاً واضحاً لتأثيرات التغير المناخي على المجتمعات المحلية في شرق أفريقيا، حيث لم تعد الفيضانات حدثاً موسمياً عابراً، وإنما تحولت إلى تغير جغرافي دائم يعيد رسم الحدود الطبيعية للبحيرات ويغير أنماط الاستقرار البشري والأنشطة الاقتصادية. ويحذر الخبراء من أن استمرار الاتجاهات المناخية الحالية قد يدفع المزيد من المجتمعات في الوادي المتصدع إلى النزوح، ويزيد الضغوط على الحكومة الكينية في مجالات الإسكان، والزراعة، وإدارة الموارد الطبيعية، في وقت تتوقع فيه المؤسسات الدولية استمرار ارتفاع معدلات الظواهر المناخية المتطرفة في المنطقة خلال السنوات المقبلة.