تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأربعاء 15 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

عندما لا تكون الإبادة قابلة للتسويق: التعليم في السودان ونفاق المساعدات

23 مايو, 2025
الصورة
التعليم في السودان ونفاق المساعدات
Share

في السودان، وفي الوقت الذي بلغ عدد الأطفال المحرومين من التعليم 19 مليونًا، وأٌغلقت نحو 10 آلاف مدرسة بسبب الحرب؛ تواجه الدولة واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في عصرنا الحديث. ليس التعليم العام وحده الذي ينهار، فقد نال التعليم العالي نصيبه من الدمار، فما يزيد عن 80٪ من طلاب الجامعات خارج المنظومة التعليمية، معلمون بلا رواتب ومؤسسات مدمرة، وجامعات هُجرت إلى أجل غير مسمى. 

رغم هول الكارثة، كان رد فعل المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية باهتًا وصادمًا في برودِه. يُذبح المدنيون وتُدمر المدن، ويُهجّر المواطنون، ويُحرم الملايين من الأطفال والشباب من التعليم دون أن يحظى السودان بالاهتمام والتمويل الذي تحظى به صراعات أخرى. نستعرض في هذا المقال أسباب عدم "قابلية" الإبادة الجماعية في السودان للتسويق ضمن "صناعة المساعدات العالمية"، وكيف يفضح هذا الواقع ازدواجية معايير المجتمع الدولي حيال قضايا مثل التعليم في أثناء الحروب. 

بداية، ينظُر العديد إلى الأزمة السودانية باعتباره صراعا داخليا محدودا لا يُهدد الأمن العالمي، بخلاف حروب أخرى يُنظر إليها بكونها تهديد مباشر؛ لذا لم يُحرّك السودان دوائر التدخل العاجل أو ضخ التمويل، فهو لا يملك تأثيرًا اقتصاديًا يُذكر؛ فموارده من ذهب وغيرها تستمر في التصدير سواء عن طريق مؤسسات الدولة أو عبر التهريب. لكن، حتى وإن توقف تصدير هذه الموارد تمامًا، فإنّها لا تؤثّر كثيرًا على الاقتصاد العالمي، وفي كثير من الأحيان لا تدخل هذه الموارد بصورة كبيرة ضمن سلاسل التوريد العالمية.

أيضًا، السودان لم يُصدّر تهديدًا إرهابيًا عابرًا للحدود، كما حدث في مناطق أخرى استدعت تدخلًا دوليًا، باسم مكافحة الإرهاب. وبالرغم من موقع السودان الحيوي، إلا أنّ التركيز انصبّ مؤخرًا على ليبيا ودول الساحل لمنع هجرة اللاجئين، وتدفّقهم في الدول الأوروبية.  
أضف إلى ذلك أن اللاجئ السوداني لا يُشكّل ضغطًا سكانيًا أو أمنيًا يُثير قلق الدول المستقبِلة له. فلا توجد تغييرات ديموغرافية كبيرة، أو أعمال عنف مؤثرة من اللاجئين القادمين من السودان، ولا حتّى تطرّف يُذكر. لذلك، لا يُولِّد ملف اللجوء السوداني ذلك النوع من التعاطف القلِق الذي يستوجب فتح صناديق التمويل.

السودان لم يُصدر تهديدًا إرهابيًا ولا يُحدث تدفقًا مقلقًا للاجئين، لذا لا يُنظر لأزمته كأولوية عاجلة، رغم أن ملايين الأطفال حُرموا من التعليم

الأهم من ذلك، أنه وعلى المستوى الجيوسياسي، تهيمن الصراعات في فلسطين وأوكرانيا على الاهتمام الدولي، نظرًا لارتباطها بمصالح القوى الكبرى، وتأثيرها المباشر على الأمن العالمي وموازين القوى. في ظل تراجع الموارد المخصصة للمساعدات الإنسانية، يتم تصنيف السودان بكونه حالة "ضعيفة التأثير"، ما يضعه في أسفل قائمة الأولويات الدولية. حيث يزداد التنافس العالمي على الموارد الإنسانية بين فلسطين وأوكرانيا واليمن وإثيوبيا... كلها تُنافس السودان على نفس "الكعكة" المتقلّصة. ومع توجّه المانحين نحو أولوياتهم السياسية وأزماتهم الداخلية، تُترك الدول الهشّة خلف قاطرة المساعدات، ويكون التعليم أول ما يُستبعد عندما تُشدّ الأحزمة.

بالموازاة مع ذلك، فشلت النخبة السودانية في الداخل والخارج في تشكيل لوبي "جماعات ضغط" مؤثر، في دوائر صناعة القرار الدولية على مستوى المؤسسات. فخلافا للجاليات السورية أو الفلسطينية مثلًا، يفتقر السودانيون إلى حضور إعلامي منظّم، وضغط دبلوماسي مستمر، وتحالفات تضامنية تُحرّك السياسات والتمويل.

إذ يلعب الإعلام دورًا مركزيًا في توجيه التمويل، والسودان غائب عن المشهد تمامًا. فلا يوجد مراسلون دوليون، ولا منصات إعلامية محلية، تملك قدرة على إيصال الصوت السوداني عالميًا. 

كما أن السردية السودانية لم تنجح في استقطاب دعم فعال من المؤسسات العالمية، لأسباب تتعلق بكيفية عرض القضية على الساحة الدولية. إذ لم يستطع السودانيون تسمية ثنائيات واضحة، يمكن تسويقها وتصديرها إعلاميًا لتُحرك الرأي العام الدولي. 

في الحالة السودانية، تعقدت الصورة بسبب أن طرفي النزاع "الجيش والدعم السريع"، كانا شريكين في الحكم لفترة طويلة قبل اندلاع الحرب، وبالتالي زادت صعوبة معرفة من المعتدي ومن المُعتدى عليه. كما أسمهت سرديات أخرى، مثل وصف الصراع بأنه حرب وكالة مدعومة خارجيا (ولاسيما من الإمارات)، في تعقيد السردية العامة، وإضعاف القدرة على كسب التعاطف الدولي، وبالتالي تقليص فرص استقطاب الدعم من المانحين.  

على الرغم من الأمل الذي منحته ثورة ديسمبر/كانون الأول 2019 في بناء شبكات تضامن دولية، دمّر انقلاب عام 2021 والحرب عام 2023 الزخم العالمي. وفي ظل غياب حملات إعلامية مستمرّة أو رموز النضال العالمي، يبقى السودان مُغيبًا عن طاولة القرار.

فشل السودانيون في تقديم سردية موحّدة تُحرّك الرأي العام، فغياب ثنائيات واضحة بين ظالم ومظلوم عقّد المشهد وأضعف قدرة القضية على التسويق في دوائر صنع القرار

لا شك أنّ هذا التجاهل يعكس خللاً واضحًا في منظومة الاستجابة العالمية، حيث تُمنح الأولوية للصراعات ذات الزخم الإعلامي والسياسي، على حساب الأزمات الإنسانية التي لا تحظى بتمثيل كافٍ في دوائر صنع القرار.

يعتمد المانحون، في البلدان المتأثرة بالنزاع، على وجود مؤسسات حكومية أو منظمات محلية تُنسّق وتُراقب وتُقدم بيانات. وهذا ما لا نجده في السودان، فهذه المؤسسات إما منهارة أو ضعيفة أو مُسيسة مُنحازة أو حتى غائبة تمامًا. فلا توجد بيانات دقيقة عن النزوح ووضع التعليم، ولا عن رواتب المعلمين، أو دمار البنية التحتية. ما يصد المانحيين فهو لا يستطيعون العمل في الظلام.

قطاع التعليم تحديدًا بلا وزارة/مؤسسات فاعلة في مناطق شاسعة، كما أنّ التنسيق بين المنظمات والمجتمع المحلي والسلطات -من جانبي الجيش والدعم السريع- ضعيف. ونتيجة لذلك، يتم تهميش التعليم في خطط الاستجابة العاجلة. يفضّل المانحون القطاعات التي يمكن قياسها بوضوح (الغذاء والإيواء والمياه)، والتي تملك قدرة تنفيذ محلية سريعة إلى حد ما. ولا ننسى ضعف مقدرات العاملين في الوزارة، وضعف قدرتهم على المناصرة والمحاسبة. 

أيضا، بالرغم من وجود المؤسسات الدولية في السودان لعقود، لم يتمكّن العديد منها من تطوير فهم عميق لتعقيدات السياق السوداني، سواء من حيث التنوع الثقافي والاجتماعي أو الديناميكيات السياسية والاقتصادية المتغيرة. وغالبًا ما اعتمدت هذه المؤسسات على نماذج جاهزة ومقاربة موحّدة للمناطق المتأثرة بالنزاع، متجاهلة الخصوصية السودانية، وتاريخ الدولة المتقلّب منذ الاستقلال. هذا القصور في الفهم، قاد إلى تدخلات سطحية لم تُحدث الأثر المنشود، بل ساهمت أحيانًا في تكريس التهميش بدلاً من معالجته.

لقد جرى التغاضي عن الفجوة بين المركز والهامش، وتُركت مناطق كاملة دون دعم كافٍ، تحت ذريعة ضعف الوصول أو انعدام الأمن. فضلا عن عدم الاستثمار الجدي في البنية التحتية التعليمية المحلية أو تدريب الكوادر الوطنية بشكل مستدام، ما جعل هذه المشاريع هشّة، وغير قادرة على الصمود، عند أول اختبار حقيقي في زمن الحرب.

فشل المؤسسات الدولية في فهم السياق السوداني المعقد قاد إلى تدخلات سطحية، لم تُعالج التهميش بل ساهمت في تعميقه

مع اندلاع الحرب، فشلت المؤسسات الدولية في تسويق قضية التعليم في السودان باعتبارها أولوية إنسانية عاجلة، في وضع مُختلف تمامًا عن النزاعات السابقة. غاب الخطاب الذي يفرق بين التدخّل في التعليم خلال هذه الحرب وبين التدخل خلال ما قبلها من أزمات. ولم تُقدَّم سردية مقنعة للمانحين، توضّح أنّ الاستثمار في التعليم الآن أهم من الماضي أو المستقبل، مما يحقّق استقرار الإقليم. نتيجة لذلك، تراجع التمويل بصورة كبيرة، ووجد ملايين الأطفال أنفسهم خارج النظام التعليمي دون أن يلقى ذلك الاهتمام الكافي من المجتمع الدولي. ورغم فداحة الأرقام وخطورة الوضع، إلّا أنّ الطبيعة الدائرية للأزمات تولّد شعورًا بالإحباط: لماذا نموّل مستقبلًا يبدو مستحيلًا؟ 

سواء كانت الأسباب المؤدية لضعف التمويل في ظل هذه الحرب، ضعف التمثيل الخارجي وغياب اللوبي السوداني، أو ضعف مؤسسات السودان المحلية، أو حتى تعقيد الأزمة وعدم إعطائها الأولوية من بين غيرها من الأزمات العالمية- إلا أن أزمة السودان الحالية تكشف عن حقيقة مهمة. هذه الحقيقة تتمثل في أن التعليم ليس أولوية عالمية، إلا عندما يكون مفيدًا سياسيًا أو جذابًا إعلاميًا أو يخدم مصالح المانحين. عندما تغيب هذه الشروط، فإن الإبادة وحدها لا تكفي. 

إذا كان العالم يؤمن حقًا بحق التعليم وأهميته، فعليه أن يتعامل مع السودان بنفس الجدية التي تُعامل بها الدول الأخرى المتضرّرة من الحروب. فلا يمكن استمرار الانتقائية، والشعب السوداني يستحق أكثر من الصمت. يستحق فصولًا دراسية وجامعات ومعلمين وطلابًا حاضرين وأملًا.