تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 8 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
راهن

نذر الحرب على ضفاف نهر تيكيزي في الشمال الإثيوبي

29 يناير, 2026
الصورة
نذر الحرب على ضفاف نهر تيكيزي في الشمال الإثيوبي
Share

تشهد الحدود الفاصلة بين إقليمي تيغراي وأمهرا في شمال إثيوبيا، وتحديدًا على امتداد نهر تيكيزي، حالة توتر عسكري متصاعد منذ نحو شهرين، في ظل تحشيد متبادل للقوات وانتقال المنطقة من وضع الترقب الحذر إلى مواجهات مسلحة متقطعة خلال اليومين 24 و25 من الشهر الجاري. هذا التطور يعكس هشاشة الترتيبات الأمنية التي أعقبت اتفاق بريتوريا للسلام الموقع في نوفمبر/تشرين الأول 2022، ويعيد إلى الواجهة واحدة من أكثر بؤر الخلاف تعقيدًا في المشهد الإثيوبي المعاصر.

خلال الأسابيع الماضية، دفعت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية بوحدات عسكرية إضافية إلى مناطق قريبة من الضفة الجنوبية لنهر تغازي، شملت قوات مشاة مدعومة بآليات عسكرية، مع تعزيز نقاط المراقبة والتحصينات الميدانية. في المقابل، عززت قوات إقليم تيغراي وجودها العسكري على الضفة المقابلة، مع إعادة انتشار وحدات كانت قد انسحبت جزئيًا بعد اتفاق السلام. هذا التحشيد المتوازي جرى في مناخ مشحون بانعدام الثقة، خصوصًا مع غياب آليات واضحة وفاعلة لمراقبة خطوط التماس أو الفصل بين القوات.

وخلال يومي 24 و25، سجلت المنطقة اشتباكات مسلحة محدودة النطاق، تمثلت في تبادل إطلاق نار واستخدام أسلحة خفيفة ومتوسطة في بعض القطاعات الحدودية. ورغم أن المواجهات لم تتطور إلى معارك واسعة أو استخدام كثيف للسلاح الثقيل، إلا أنها شكلت أول احتكاك مباشر بهذا المستوى منذ فترة، وأشارت إلى أن الوضع الميداني بات أقرب إلى الانفجار منه إلى الاحتواء. ولم تصدر بيانات رسمية مفصلة من الطرفين حول حصيلة الاشتباكات، غير أن مصادر محلية تحدثت عن وقوع إصابات محدودة وتعليق مؤقت لحركة المدنيين في بعض القرى القريبة من النهر.

تعود جذور هذا التوتر إلى الخلافات الحدودية التاريخية بين إقليمي تيغراي وأمهرا، خاصة حول مناطق متنازع عليها مثل ويلكيت وتسغيدي وأجزاء من إقليم الرايا، وهي مناطق ظلت موضع شد وجذب سياسي وإداري لعقود، قبل أن تتحول خلال حرب 2020–2022 إلى ساحات قتال وسيطرة متبدلة. اتفاق بريتوريا أنهى الحرب رسميًا بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيغراي، لكنه ترك ملف الحدود الداخلية معلقًا، مع إحالة معالجته إلى ترتيبات دستورية وسياسية لاحقة لم ترَ النور حتى الآن.

إلى جانب الخلافات الحدودية، يمثل بطء تنفيذ بنود اتفاق السلام عاملًا رئيسيًا في إعادة إنتاج التوتر. فعملية نزع السلاح وإعادة دمج القوات لم تكتمل بصورة متوازنة، كما أن مسألة انتشار القوات الفيدرالية وإعادة بسط سلطة الدولة في بعض المناطق لا تزال محل خلاف وتفسيرات متباينة. يضاف إلى ذلك تصاعد المخاوف لدى الأطراف المحلية من تغييرات أحادية على الأرض، سواء عبر إعادة انتشار عسكري أو ترتيبات إدارية جديدة، ما يدفع كل طرف إلى التحسب الأسوأ وتعزيز مواقعه.

المشهد يزداد تعقيدًا بفعل الانقسامات الداخلية داخل إقليم تيغراي نفسه، حيث تواجه الإدارة الإقليمية ضغوطًا سياسية وأمنية متعددة، إلى جانب تحديات إعادة الإعمار وعودة النازحين. هذه العوامل تجعل أي تصعيد عسكري، حتى لو كان محدودًا، ذا تأثير مضاعف على الاستقرار الهش في الإقليم وعلى العلاقة مع الحكومة الفيدرالية.

فيما يتعلق بمستقبل المواجهات، تبدو السيناريوهات مفتوحة على أكثر من احتمال. استمرار التحشيد دون تدخل سياسي أو وساطة فعالة قد يؤدي إلى توسع الاشتباكات وتحولها إلى مواجهات أوسع نطاقًا، خاصة إذا وقع حادث ميداني كبير أو سقط عدد ملحوظ من الضحايا. في المقابل، قد يسعى الطرفان إلى احتواء التصعيد والإبقاء على الاشتباكات في حدودها الدنيا، تفاديًا لكلفة حرب جديدة لا يبدو أي منهما مستعدًا لتحملها في الظرف الراهن. كما يظل خيار التدخل الدبلوماسي، سواء عبر الاتحاد الأفريقي أو وسطاء إقليميين، قائمًا للضغط باتجاه خفض التصعيد وإعادة فتح ملف الخلافات الحدودية ضمن مسار سياسي منظم.

بصورة عامة، تعكس التطورات الأخيرة على حدود نهر تغازي أن السلام في شمال إثيوبيا لا يزال سلامًا هشًا، قائمًا على توازنات ميدانية أكثر منه على تسوية سياسية شاملة. ومع غياب حلول جذرية لقضايا الأرض والسلطة والترتيبات الأمنية، يبقى خطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع حاضرًا، حتى وإن بدأت الاشتباكات بشكل محدود ومتقطع.