تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 13 فبراير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

عناوين قاتلة: كيف تُقوّض الصور النمطية فرص الأعمال في أفريقيا؟

9 يوليو, 2025
الصورة
عناوين قاتلة: كيف تُقوّض الصور النمطية فرص الأعمال في أفريقيا؟
Share

في إحدى القصص الواقعية التي تلخص معاناة واسعة، رُفض طلب منح قرض لصديقة رائدة أعمال نيجيرية لتوسيع نشاطها ما لم تقبل بشرط رهن منزلها، رغم أن قيمته تفوق المبلغ المطلوب. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ طلب البنك أيضًا دفعة نقدية بنسبة 30٪. مع محدودية السيولة، وجدت نفسها مجبرة على اللجوء إلى تسهيلات مصرفية بفائدة تصل إلى 33٪، لتتخلى بعدها كليًا عن فكرة التوسع.

تُجسّد هذه الحكاية، رغم طابعها الفردي، واقعًا أوسع يُعاني فيه أصحاب المشاريع في أفريقيا من نظام مالي لا يعكس حقيقة أوضاعهم، بل يتأثر بصورة نمطية سلبية تُكرّسها وسائل الإعلام العالمية. وقد كشف تقرير صادر مؤخرًا عن "أفريكا نو فيلتر" (Africa No Filter) بالتعاون مع "أفريكا براكتِس" بعنوان "كلفة الصور النمطية في الإعلام" (The Cost of Media Stereotypes)، عن أن الدول الأفريقية تدفع ما يصل إلى 4.2 مليارات دولار سنويًا فوائد إضافية يمكن تجنبها، نتيجة الصورة السلبية للقارة في الإعلام الدولي.

فخلال الفترات الانتخابية مثلًا، أظهرت الدراسة أن 88٪ من التغطيات الإعلامية الدولية عن كينيا كانت ذات طابع سلبي، وكذلك 69٪ من التغطيات عن نيجيريا، مقارنة بـ48٪ فقط في حالة ماليزيا، رغم أن المخاطر السياسية متشابهة. هذا التشويه الإعلامي لا يؤثر على السمعة فقط، بل يرفع أيضًا كلفة الاقتراض، سواء للحكومات أو للشركات. غير أن التقرير لم يتناول جانبًا لا يقل أهمية: تأثير هذه التصورات السلبية على رواد الأعمال المحليين، الذين يُفترض أن يكونوا محرك النمو والتوظيف والتنمية في القارة.

إن الدول الأفريقية تدفع ما يصل إلى 4.2 مليارات دولار سنويًا فوائد إضافية يمكن تجنبها، نتيجة الصورة السلبية للقارة في الإعلام الدولي

في الواقع، يُعاني أصحاب الشركات الصغيرة والمتوسطة من عبء ما يُعرف بـ"علاوة المخاطر الأفريقية"، وهي تكلفة إضافية تُفرض على القروض والاستثمارات نتيجة تصور أن العمل في أفريقيا محفوف بالمخاطر. هذه الصورة مبنية غالبًا على روايات قديمة ومتحيزة، تروّج لمشاهد الصراع والفساد وعدم الاستقرار، وهو ما يدفع المستثمرين والممولين إلى رفع تكلفة التمويل.

تنعكس هذه التكلفة على القروض المحلية، إذ تنقل المصارف كلفة رأس المال المرتفعة إلى عملائها. ونتيجة لذلك، يحصل أصحاب المشاريع الصغيرة في أفريقيا على قروض بفوائد تتراوح بين 15٪ و30٪، في حين أن نظراءهم في أوروبا أو الولايات المتحدة، حيث تبلغ معدلات الفائدة نحو 4٪ فقط، وفقًا للاحتياطي الفيدرالي  (Federal Reserve)  يحصلون على تمويل أرخص بكثير.

هذا التفاوت الصارخ يخلق فجوة تنافسية كبيرة، ويُصعّب على الشركات الأفريقية التوسع أو دخول أسواق جديدة. ولا عجب أن تقرير "براند أفريكا 100" لعام 2025 كشف أن 11 علامة تجارية فقط من بين أكثر 100 علامة تجارية شعبية في أفريقيا هي علامات محلية.

هذا التشويه الإعلامي لا يؤثر على السمعة فقط، بل يرفع أيضًا كلفة الاقتراض، سواء للحكومات أو للشركات

لا يقتصر التأثير على الأفراد فقط، بل يمتد إلى قطاعات واعدة بأكملها. فمثلًا، قطاع الهيدروجين الأخضر الذي يُنظر إليه باعتباره أحد محركات المستقبل للطاقة في أفريقيا، يواجه عراقيل تمويلية كبيرة رغم اهتمام المستثمرين. ففي دول مثل: ناميبيا وجنوب أفريقيا، يُعاد النظر حاليًا في مشاريع عدة لأن تكلفتها التمويلية باتت مرتفعة للغاية.

تُظهر هذه المفارقة أن أفريقيا – رغم غناها بالفرص – تظل فقيرة من حيث القدرة على الاستفادة منها. فكيف يمكن بناء صناعات تنافس عالميًا بينما تنطلق الشركات من نقطة ضعف تمويلية بهذا الحجم؟

يُعاني أصحاب الشركات الصغيرة والمتوسطة من عبء ما يُعرف بـ"علاوة المخاطر الأفريقية"، وهي تكلفة إضافية تُفرض على القروض والاستثمارات نتيجة تصور أن العمل في أفريقيا محفوف بالمخاطر

إحدى الخطوات الأساسية هي الدعوة إلى قدر أكبر من الشفافية في تقييم وتصنيف المخاطر. فوكالات التصنيف الائتماني العالمية، رغم تبنيها لمعايير "موضوعية"، لا تزال تعتمد على مؤشرات مشوبة بالتحيّز، غالبًا ما تتأثر بالخطاب الإعلامي لا بالبيانات الفعلية. وقدّر تقرير صادر عن الأمم المتحدة أن التصنيفات الائتمانية المجحفة تكلّف القارة نحو 75 مليار دولار سنويًا.

وعلى الرغم من الانتقادات الموجهة إلى مبادرات مثل "وكالة تصنيف المخاصر الأفريقية" فإن وجود مؤسسات تصنيف محلية يُعدّ خطوة ضرورية نحو حلول يقودها الأفارقة لتقييم واقعهم بشفافية واستقلالية. غير أن التحدي الأكبر، وربما الأكثر تجاهلًا، يكمن في تغيير السردية عن القارة. فبدون استثمار حقيقي في الإعلام وسرد القصص، تظل صورة أفريقيا محكومة بخطاب الخطر والعجز، لا التقدم والفرص.

تغيير السردية لا يعني التجميل أو الإنكار، بل إبراز نماذج النجاح والابتكار والتنمية، من خلال دعم صُنّاع المحتوى والمنصات الإعلامية القادرة على تقديم صورة متوازنة وعادلة للقارة. إنه رهان اقتصادي بالدرجة الأولى. فحتى تتمكن الشركات الأفريقية من النمو وتوفير فرص العمل والخروج من دائرة البقاء إلى آفاق الريادة، فإن الوصول إلى تمويل ميسّر هو ضرورة، وليس خيارًا. ولن يتحقق ذلك، ما لم نُغيّر القصة التي تُروى عن أفريقيا.