تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 6 أكتوبر 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

عن الرؤية الأمريكية للتسوية في السودان

24 سبتمبر, 2026
الصورة
عن الرؤية الأمريكية للتسوية في السودان
Share

كثرت منذ بداية هذا العام الضغوط الدولية والإقليمية، التي كانت تحاول دفع الحكومة في الخرطوم لإنجاز تسوية مع الجنرال المنشق محمد حمدان دقلو"حميدتي"، وذلك إنطلاقاً من مبدأ يكاد يكون موضع اتفاق بين كثير من المتداخلين في الشأن السوداني، وهو أن الحرب لن تقود لإنهاء الصراع الدائر منذ أواسط العام 2023.

الضغوط، التي تتخذ شكل مبادرات ودعوات لحث الأطراف على الجلوس للتفاوض والذهاب لوقف دائم لإطلاق النار، كثيرة ومتعددة، لكن أهمها هو ما تمارسه الولايات المتحدة، التي تتخذ رؤيتها أهميتها من كون أن صاحبتها هي الدولة الأكبر والأكثر قدرة على فرض ما تريد، ليس فقط على الأطراف الداخلية، وإنما حتى على الرعاة والمنسقين الدوليين.

من هنا تأتي أهمية التساؤل عن ملامح هذه التسوية، التي يحاول الأمريكيون أن يدفعوا الجميع تجاهها، وهنا تفصيل لغوي يجب علينا أن تقف عنده، وهو أن التسوية هي شيء مختلف تماماً عن الحل. هذا التفصيل مهم لأنه يلخّص بشكل جيد المراد الأمريكي والخلاصات، التي يجب أن يقود كل تفاوض وتفاهم إليها، وفق منظور واشنطن.

بتتبع التصريحات والأوراق والتعليقات الأمريكية على الحدث السوداني، التي تم نشرها خلال الفترة السابقة يمكن أن نخلص إلى أنه، وبالنسبة للأمريكيين، فليس هناك جانب طيب وآخر شرير في هذه الحرب.

الطرفان، وفق هذا المنظور، هما شريران، وهما يتقاتلان بحثاً عن النفوذ الشخصي دون اهتمام بمصلحة الملايين من المدنيين، الذين يقعون ضحية لهذه الحرب وينالون النصيب الأكبر من الانتهاكات، التي تشترك فيها الأطراف المتحاربة.

التسوية هي شيء مختلف تماماً عن الحل. هذا التفصيل مهم لأنه يلخّص بشكل جيد المراد الأمريكي والخلاصات، التي يجب أن يقود كل تفاوض وتفاهم إليها، وفق منظور واشنطن

القارىء المتابع ربما يكون قد ذكره هذا الكلام بكلام الكتلة المدنية اليسارية المعارضة، المعروفة باسم "صمود"، والتي يتمحور موقفها حول نزع الشرعية من جميع الأطراف العسكرية واعتبار أنه لا توجد أي سلطة محل اتفاق في الخرطوم.

ربما تكون التصريحات الأمريكية الناقدة لسلوك جنود حميدتي، خاصة بعد توثيق انتهاكات ترقى للاتهام بتنفيذ إبادات جماعية، مضللة وغير معبرة بشكل مكتمل عن الرؤية الأمريكية للصراع. صحيح أن الأمريكيين اتخذوا خطوات أظهروا فيها الغضب والإدانة، بل مضوا أكثر من ذلك لإعلان عقوبات وملاحقة بحق أفراد من دائرة حميدتي المقربة، لكن أمراً آخر لا يمكن تجاهله حدث، وهو حديث الأمريكيين المتكرر عن انتهاكات الجيش وتعمد مساواته بالميليشيا المتمردة عليه. الأمر لم يتوقف هنا، فكما كان الأمر مع "الدعم السريع" لم يتأخر الأمريكيون في فرض عقوبات على شخصيات عسكرية وأمنية تابعة للجيش السوداني.

هذا يعيدنا مرة أخرى لكلمة التسوية. إذا كان المطلوب هو نهاية منطقية للصراع يحاصر فيها الطرف الآثم ويُعان فيها الطرف المحق حتى يحقق الانتصار، الذي يرجوه، فهذا أمر مختلف تماماً عما تبحث عنه واشنطن.

واشنطن تعتبر أن سيطرة "الدعم السريع" على بلد كبير مثل السودان خطير، لكن بالمقابل فإن سيطرة الجيش، الذي تعتبره حاملاً لسرديات عدائية، والذي ظلت تسعى منذ سنوات لإضعافه وتفكيكه، لا يقل خطورة وتهديداً لمصالحها.

المطلوب أمريكياً أن تنجح الحرب في تصفية نفوذ وقوة القوتين المتحاربتين عبر تكبيدهما خسائر مالية وبشرية لا تعوض، ثم إجبارهما على الجلوس إلى التفاوض برعاية دولية وخلق نموذج يكون أقرب لإئتلاف الضعف تكون الأطراف العسكرية فيه جميعها ممثلة.

بالنسبة للأمريكيين، فليس هناك جانب طيب وآخر شرير في هذه الحرب. الطرفان، وفق هذا المنظور، هما شريران، وهما يتقاتلان بحثاً عن النفوذ الشخصي دون اهتمام بمصلحة الملايين من المدنيين

بالنسبة لواشنطن فإن الطرفين العسكريين غير جديرين بالثقة. هذا يفسّر المقترحات المتعلقة بالدعوة لمشاركة دولية وإسناد أممي لتسطير عمليات الانسحاب العسكرية، التي ستكون محدودة ولن تتعلق، كما فهم البعض، بانسحاب كامل لقوات حميدتي. هذه الآلية الدولية المقترحة سوف يكون مطلوباً منها أن تشرف أيضاً على الهدنة في الوقت الراهن، وأن تنظم لاحقاً ما تبقى من الفترة الانتقالية.

سوف يذكّر هذا مرة أخرى برؤية "صمود"، التي تتشارك مع الأمريكيين في اعتبار أن الجيش هو مجرد ذراع عسكري للإسلاميين أو لجماعة "الأخوان المسلمين" الخطرة على الأمن الإقليمي، والتي تربطها علاقات متشابكة مع أعداء أمريكا. هذا مبرر كافٍ لجعل كثير من صقور السياسة في واشنطن يتبنون خططاً تقضي بمحاصرة الجيش أكثر ومنعه من السلاح والسعي لتفكيكه، ولو على طريقة مد الميليشيا الخارجة عليه بالعتاد والأسلحة النوعية متى ما تقدم "أكثر من اللازم".

التضليل الأمريكي، الذي تعتبر بيانات الممثل الرفيع مسعد بولوس أوضح صورة له، يشتغل على أكثر من اتجاه، فمن ناحية تنكر هذه البيانات أن تكون لأمريكا، التي تقدم نفسها كمجرد وسيط، رؤية خاصة لتسوية الصراع بما يخدم مصالحها. هذا يفسّر لماذا وجود كيان "صمود" مهم، ولماذا يتم تسهيل تنقلهم بين العواصم والاعتراف بهم كممثل للمواطنين والمدنيين السودانيين. تريد الولايات المتحدة أن تتستر خلف هذا الكيان من أجل القول إنها لا تدعم إلا ما يطلبه المدنيون، وأن الحل النهائي يجب أن يضعه ويصممه السودانيون دون تدخل خارجي.

الاتجاه الآخر، الذي يعمل عليه المبعوث والوسطاء الأمريكيون يتمثل في التركيز على النقاط، التي يظنون أن بإمكانها أن تكون جاذبة للاهتمام أو تكون محل اتفاق.

من أمثلة النقاط المقصودة الحديث الفضفاض عن الهدنة لأغراض إنسانية، التي لا يستطيع أحد التحفظ عليها، وكذلك التركيز على وحدة السودان ووحدة الجيش.

المطلوب أمريكيا أن تنجح الحرب في تصفية نفوذ وقوة القوتين المتحاربتين عبر تكبيدهما خسائر مالية وبشرية لا تعوض، ثم إجبارهما على الجلوس إلى التفاوض برعاية دولية وخلق نموذج يكون أقرب لإئتلاف الضعف تكون الأطراف العسكرية فيه جميعها ممثلة

للأمريكيين قدرة يحسدون عليها حينما يتعلق الأمر بالتلاعب، فحينما يكون عنوان أي مبادرة أو أي ورقة مطروحة للحل مرتبطاً بعنوان جذاب مثل "الهدنة الإنسانية"، التي تنهي معاناة الملايين من السودانيين وتسمح بإيصال السلاح والغذاء والدواء لهم يصبح الحديث عن رفضها من قبل أحد الأطراف، كما يحدث حين يتحدث مسعد بولس عن رفض جانب الجيش لها، مسيئاً، لأنه يضع الطرف الرافض في موضع الذي لا يكترث لتكلفة الحرب ولآثارها على الناس.

في سبيل وضع حكومة الخرطوم في هذه الزاوية المحرجة سوف يتم التعامي على حقيقة التزامها بجميع الاتفاقات الإنسانية وعلى قيامها بما في وسعها في سبيل تسهيل إيصال المساعدات وعلى سعيها لتعزيز احترام اتفاق جدة، الذي يلزم قوات حميدتي بالخروج من المدن والأعيان المدنية قبل الجلوس إلى أي تفاوض.

العنوان البراق الآخر، الذي يتم تداوله في البيانات الأمريكية والغربية يتعلق بوحدة السودان. الحقيقة هي أن لا أحد من مصلحته تكريس الانقسام في الوقت الحالي، وليس لدى أي طرف مصلحة في حكم جزء منفصل من أجزاء السودان، بما في ذلك حميدتي نفسه، الذي لا يبدو راضياً بالإكتفاء بحكم دارفور، والذي ما يزال يحلم بالعودة إلى الخرطوم.

بجانب الحديث الغامض، الذي يهرب من تقديم تعريف، والذي يتحدث عن الاستماع "للمدنيين" وعن استبعاد "المتطرفين"، تبقى نقطة أخرى متعلقة بالجيش الواحد. توحيد الجيش هو مطلب جميع الأطراف الداخلية والخارجية بلا استثناء، لكن تعريف وتكوين هذا الجيش الواحد هو الذي يختلف بحسب المتحدثين، ففيما ترى الحكومة أن الجيش بشكله وهيكله الحالي هو أهم مؤسسات الدولة، وأنه ما يزال يعمل بكفاءة تؤهله للسماح بإندماج والتحاق من يرغب ضمن مؤسساته وفق الاشتراطات التي يضعها، لا ينظر إليه الأمريكيون إلا على أساس أنه مجرد فصيل عسكري ضمن فصائل كثيرة أخرى موجودة في البلاد عليها أن تتحد وتتوافق وتندمج فيما بينها بشكل متساوٍ، بما يشمل ما سيبقى من "الدعم السريع" نفسه.