تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 12 ديسمبر 2025

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
فن

عن الجسد وحكاياته: لوحات نجاح هارون في كشف المستور

19 يوليو, 2025
الصورة
عن الجسد وحكاياته: لوحات نجاح هارون في كشف المستور
Share
يتكشّف الجسد في أعمال الفنانة التشكيلية، نجاح هارون، كموضوعٍ فنيّ من زاوية نادرة، تتقاطع فيها الذات مع الصمت، ويتداخل فيها التمثيل الجندري مع مساءلة النظرة الذكورية. لا يقتصر هذا الاشتباك البصري على تفكيك القوالب السائدة في الفن الصومالي، بل يتجاوزها ليعيد تشكيله من الداخل، بأسلوب ينطلق من تجربة ذاتية جذرية تقاوم التنميط وتعيد للجسد أنسَنته. تقول هارون: "كان عليّ أن أتعلم كيف أُحوّل هذا الجسد إلى شيء أملكه وحدي".

مشهد الأستوديو الخاص بها يحمل دلالات لا تقل شاعرية عن أعمالها نفسها؛ طاولة يعلوها صمت الكتب الثقيل، وأخرى تتراقص فوقها إبرة مشغّل أسطوانات كلاسيكي، وثالثة تحفل بالألوان والفرش ولوحات في طور التكوّن، كأنها تنتظر شرارة الحياة. الجدران تحتضن لوحات شاهقة، شخوصها تحدّق من الزوايا كما لو كانت حراسًا لبوح لا يُقال، فيما تفترش الأرض مساحات قماشية بيضاء، في فوضى لا تفتقر إلى الجمال. وفي مركز هذا الكون الحي، تتنقّل بخفّة ودأب بين "سوبرانو"- مشغّلها المفضّل - وأعمالها الفنية، تتأرجح بين عالم الشعر والرسم، في ممارسة لا تعرف الفصل بين الكلمة واللون، ولا بين الذات والوسيط.

وُلدت نجاح هارون ونشأت في هرجيسا، في صوماليلاند ما بعد الحرب؛ مدينة أنهكتها التحولات السياسية والعنف، ويكاد حضور الفنون البصرية فيها هامشي، حيث يقتصر على رسومات المحال التجارية وبعض البورتريهات المرتجلة. ثمة حصار لمخيلة المدينة الفنية، تتعثر في قيد الواقعية الضيقة. تقول هارون: "كنا عالقين، لا نعرف من أين نبدأ، لكنني كنت أريد أكثر."

منذ طفولتها، شعرت بنوع من الانفصال الهادئ عن محيطها، كانت الطفلة التي تسأل كثيرًا، والتي لا تأخذ الأمور على علاتها. عندما قال أحد معلميها: "إن مكان المرأة الطبيعي هو المطبخ والمنزل"، تقول: "لم تشعر بالغضب، بل بالارتباك"، ومع التقدم في العمر، اتسعت الفجوة. فُرضت عليها حياة لم تُشرح لها، بل قُدّمت كقواعد نهائية لا تقبل النقاش. تصف شعورها آنذاك بعبارة دقيقة: "شعرت وكأني طفلة صغيرة حُبست في جسد امرأة."

من هذا التصدّع الداخلي، نشأت حاجتها إلى الخلق. صحيح أن والدها الذي فنان أيضًا، قدّم لها مدخلًا إلى عوالم الفنون البصرية. لكن ما دفعها للرسم لم يكن تقليدًا ولا متابعة لخطى أحد، بل كان حاجة داخلية ملحّة لاحتواء الدهشة والاغتراب، وتشوّش الهوية. تقول: "بدأت أفعل هذا لأن لا أحد غيري كان يفعله. ولو كان ثمة من يفعل، ربما كنت سلكت طريقًا آخر."

ما لا تلامسه القصيدة، تبرزه اللوحة، وما لا تقوله اللوحة، تحتويه الكلمة أو الوسائط الأخرى

كتبت الشعر قبل أن تجد في اللون وسيلة تعبيرها الأولى. بالنسبة لها، الألوان والأشكال ليست إلا أشكالًا سائلة وصلبة للشعر، كما عبر بذلك بلوتارخ. أحيانًا تولد اللوحة من قصيدة، وأحيانًا تسبقها الصورة وتلحق بها الكلمات. كما كتب بلوتارخ منذ قرون: "الرسم شعر صامت، والشعر رسم ناطق". هذه السيولة بين اللغة والبصري، بين الشعر والتشكيل، هي ما يميز مشروعها الفني، مشروع لا يعترف بالفصل بين الحواس، بل يصوغ من تعددها لغة شخصية حرة، ومتجذرة في الشعور.

لا ترى هارون في الرسم غايتها النهائية، بل تعتبره جزءًا من تجربة تعبيرية أوسع، تتكامل فيها الكلمة مع الصورة، ويتجاوز فيها الفن وسائطه التقليدية. تقول: "ما لا تلامسه القصيدة، تبرزه اللوحة، وما لا تقوله اللوحة، تحتويه الكلمة أو الوسائط الأخرى". هذا التداخل بين النص والبصري ليس خيارًا شكليًا لديها، بل ضرورة فنية وشخصية، تنبع من إيمانها بأن اللغة وحدها لا تكفي، وبأن الفن لا يجب أن يُختزل في وسيلة تعبيرية واحدة.

في هذا السياق، توجّه نقدًا واضحًا لمشهد الفن الصومالي، الذي ظلّ لفترة طويلة أسيرًا للقصيدة المقفّاة، حيث حاصر الأشكال التعبيرية الأخرى، وأقصى الفنانين الذين حاولوا الخروج عن هذا القالب. هذا الانغلاق، برأيها، لم يُقصِ فقط التجارب المختلفة، بل قتل أيضًا إمكانيات التعاون بين الفنانين. تقول: "كأننا نحاول إشعال النار، كلٌّ بمفرده. نار كان يمكن لها أن تضيء أكثر، وأن تدفئنا أطول، لو أشعلناها معًا". وهنا يمكن استدعاء كلمات كريشنامورتي: "التقليد يمنحنا الأمان، لكن حين تصبح عقولنا آمنة، تبدأ في التآكل".

من بين الثيمات الأساسية والمتكررة في أعمالها، تبرز مسألة النظرة الذكورية بوصفها بنية داخلية متجذّرة في الوعي الجمعي الصومالي. لا تتحدث عنها بوصفها سلوكًا ذكوريًا فحسب، بل كوعي مستبطن لدى النساء أيضًا. تقول: "ليست نظرة الرجال فقط، حتى النساء الصوماليات حملنها داخلهن، حتى في غياب الرجل."

يتصدّى فن هارون لهذه النظرة من الداخل. ولا يتيح للجسد الأنثوي أن يُعاد إنتاجه كرمز مثالي، أو كموضوع جنسي أو شهواني. بل يعيده إلى حالته الأصلية، جسد بشري، لا أكثر. تقول: "إنه جسد بشري، وفقط". ومع ذلك، لا تحاول استعادته كما لو كان نقّيًا أو بريئًا، بل تقدّمه مجروحًا، مثقلاً بأثر الفقد، فاقدًا للمرونة، وخاليًا من السمات التعريفية الصريحة. لا أسماء، ولا ملامح. لأن الامتياز في أن تُرى كإنسان، كما تقول، ليس مكفولًا للنساء الصوماليات. وتضيف: "وأنا أريد أن أُربك هذا."

"أريدك أن تشعر بالصمت ذاته الذي تشعر به حين تقف أمام مرآة." صمت لا يخلو من التوتر، ولا من كشف داخلي

لكن هارون لا تُربك المتلقي عبر الصدمة أو المواجهة المباشرة، ولا تلجأ إلى الفجاجة كأداة استفزاز، بل تذهب في اتجاه معاكس تمامًا نحو الصمت، ذلك الصمت البصري العميق الذي يحضر لوحاتها دون ضجيج. شخوصها لا تصرخ، لا تُغري، ولا تحمل تلك "الحكمة" المتوقعة التي كثيرًا ما يبحث عنها المتلقي الصومالي في العمل الفني. بل تقف في اللوحة بصمت، تنظر، تهمس، ثم تبدأ، ببطء، في كشف ما هو مألوف لدرجة النسيان. كأن ستارة تُسحب عن أشياء نعرفها جيدًا، لكنها فقدت معناها في زحمة التكرار.

هكذا تعود أعمالها إلى قضايا نسينا أنها قضايا، وإلى أجساد لم نعد نراها كأجساد، بل رموزا أو قوالب. وفي مواجهة تلك الوجوه الخالية من الملامح، نشعر، بطريقة يصعب تفسيرها، بأنها تطرح علينا سؤالًا واحدًا، مقلقًا: "ماذا ترى، إذا كانت عيناك تخدعك؟".

في أحد المعارض، وضعت هارون مرآة إلى جانب إحدى لوحاتها، منقوشًا عليها هذا السؤال ذاته. لم يكن ذلك تفصيلًا زخرفيًا، بل امتدادًا صريحًا لموقفها الفني. تقول: "أريدك أن تشعر بالصمت ذاته الذي تشعر به حين تقف أمام مرآة". صمت لا يخلو من التوتر، ولا من كشف داخلي.

تبلور هذا المنظور في مشروعها الأحدث "Hagoogtir"، وتعني "الكشف" باللغة الصومالية، حيث تسعى من خلاله إلى إزالة الحُجب الثقافية التي اختزلت الإنسان، والمرأة على وجه الخصوص، في أدوار محددة مسبقًا. عبر التواءات الجسد، واستطالة الأطراف، واستخدام ألوان نابضة ومضطربة، تستدعي أعمالها طبقات من الذاكرة المكبوتة، تلك التي ترسّبت تحت وطأة الترويض الاجتماعي، وتُوقظها لتظهر على السطح من جديد.

الألوان في أعمال هارون ليس خيارًا جماليًا أو تزيينيًا، بل هو بئر الذاكرة الحيّة. الأحمر في لوحاتها ليس مجرد لون، بل يتحدث عن الدم والعصيان. الأخضر لا يستحضر الطبيعة فحسب، بل يلمّح إلى رايات التصوّف الأولى التي طبعت الروح الصومالية في بداياتها. أما البرتقالي، فهو شمس لاهبة، لا تتوقف عن الاحتراق عبر الأجيال. حتى عندما تميل إلى التجريد، وتبتعد عن التمثيل المباشر، تبقى أعمالها مشبعة بهوية محلية لا تخطئها العين، على الرغم من الأصوات التي تصفها أحيانًا بـ"المُغربة" أو "المؤمركة".

 

في لوحتها "Fresh Meat"، تستلقي امرأة بجوار قطعة لحم نيئة، جسد قرب جسد. لا تحتاج اللوحة إلى شرح، فثيمات الاستهلاك والتسليع تحوم بكثافة، لكن من دون إجابات نهائية. هل هذه المرأة فريسة؟ أم شكل من أشكال الاحتجاج الصامت؟ لا تطرح نجاح أجوبة، بل تقدّم صمتًا مشحونًا، يستفز المُشاهد ويدفعه للتأمل.

استعارت هارون الفكرة من تشابه لطالما رأته بين قيادة البشر وقيادة الحمير، لتقدّم نقدًا هادئًا ومُرًا لفكرة "الطريق المستقيم" حين تتحوّل من قيمة إلى قيد، ومن مبدأ إلى لجام

وفي لوحة "Straight Path"، نرى مشهدًا بصريًا محمّلًا بالرمز: حمار يغطي عينيّ إنسان منهك، معلق بخط مستقيم في فضاء داكن. استعارت هارون الفكرة من تشابه لطالما رأته بين قيادة البشر وقيادة الحمير، لتقدّم نقدًا هادئًا ومُرًا لفكرة "الطريق المستقيم" حين تتحوّل من قيمة إلى قيد، ومن مبدأ إلى لجام.

أما في لوحة "Don’t Tell Hooyo" فتظهر هيئة بنفسجية، جسدها مقلوب، مكشوف، ممسك بتفاحة، رمز قديم للعصيان والمعرفة، في وضعية تحدٍ وانكشاف كامل. ورغم هذا التمرد البصري، فإن العينين القلقتين تهمسان بتحفّظ وحيد: "لا تخبروا أمي".  تقول هارون: "أنا بلا اعتذار أمام العالم، إلا أمام أمي"، في صدى داخلي يلتقي مع قصيدة محمود درويش، لا تعتذر إلا لأمك.

ورغم أن أعمالها وجدت طريقها إلى مؤسسات دولية، من معهد غوته، إلى معرض كاتينكا تاباكارو في رومانيا، ومن المتحف الوطني في مقديشو، إلى صالات العرض في كينيا ونيويورك ومراكش، فإن حضورها داخل بلدها لا يزال محدودًا. في هذا السياق تقول: "لا أبحث عن مصادقة من جمهور معين، لكن من المحزن ألّا تصل أعمالك إلى من تعنيهم فعلًا. لذلك، نعم، أود أن أُقيم معرضًا في هرجيسا يومًا ما."

لوحاتها الأولى، التي أنجزتها على الكفن، ذلك القماش الأبيض المستخدم في لفّ الموتى، لم تكن مجرّد خيار رمزي، بل كانت نتيجة لندرة الخامات وتحديًا للإمكانات. ومع ذلك، فهي اليوم تُقرأ كعلامة مبكرة على ما يحرّك فنّها: عنادٌ هادئ، وشغف لا يعرف التراجع، واستعداد لمواجهة المحدوديات بوسائط مملوءة بالمعنى.

اليوم، تُعدّ هارون صوتًا واضحًا ومُلهمًا في أوساط الشباب الصومالي. لا يرون فيها فنانة فقط، بل إمكانية جديدة لما يمكن أن يكون عليه الفن حين يُصبح صادقًا وحميميًا، ومتوترًا بقلق التجربة الشخصية. تُشارك في مبادرة Fankeena، وهي مساحة ثقافية في هرجيسا تهتم بالمهرجانات والمكتبات والمعارض، والإرشاد الفني. هناك، لا تكتفي نجاح بالإلهام، بل تبذل جهدها في التشجيع والدعم.

تذكّرنا لوحات هارون، أننا نعيش في مجتمع تهيمن عليه الكلمة المنطوقة، إلى حد أننا قد نكون فقدنا حساسيتنا تجاهها. في مقابل ذلك، تقدّم لوحاتها كشفًا صامتًا، وسردًا بصريًا لا يقل عمقًا عن الشعر، بل يتجاوزه أحيانًا في قدرته على بعث الأسئلة. أعمالها ليست بيانات، بل دعوات مفتوحة للتأمل، دعوة لرؤية ما لم نعد نراه، واختيار ما نريد أن نحتفظ به، وما يجب أن نحطّمه. وكما بدأت رحلتها بالسؤال، تعود لتطرحه مرة أخرى: "ماذا ترى حقًا، إذا كانت عيناك تخدعك؟"