السبت 14 مارس 2026
كان الرحّالة الأوروبيون، في أواخر القرن التاسع عشر، يتهامسون باسمٍ غامض:"إبيرونغا"؛ وهي إشارةً إلى سلسلة البراكين الخامدة والناشطة التي تشكّل الأفق في فضاءٍ ما زال مجهولًا إلى حدّ كبير، يضمّ رواندا التي دخلها الألمان حديثًا، وشرق الكونغو الذي منحه مؤتمر برلين لبلجيكا، وأوغندا التي عُدّت "لؤلؤة" التاج البريطاني. انطلق الولع بهذه المنطقة البركانية حين أقدم النقيب روبرت فان بيرينغه من الجيش الاستعماري في شرق أفريقيا على قتل غوريلا جبلية فوق منحدرات بركان سابينيو، ثم أرسل إحدى الجثتين إلى «متحف برلين لعلم الحيوان».
توضح المؤرخة باتريسيا فان شويلنبيرخ، في دراسةٍ ضمن كتاب صدر بمناسبة مئوية متنزّه فيرونغا، أنّ هذه الجبال أشعلت منذ البداية حماسة القوى الاستعمارية وفضول المتاحف الغربية. وبعد أن أوصى الملك البلجيكي ليوبولد الثاني عام 1908 بممتلكاته الخاصة في الكونغو إلى الدولة البلجيكية لتديرها وزارة المستعمرات، انهالت الطلبات على بروكسل للحصول على تراخيص صيد فريدة، قد تتيح العودة بغنائم غريبة. جاءت تلك الطلبات من مؤسسات علمية عريقة، أغلبها أميركي، ومن بيوت ملكية أوروبية.
تمكّن فريق بقيادة الأمير السويدي فيلهلم، في عام 1921، من انتزاع أربعة عشر ترخيصًا للصيد، الأمر الذي أثار انتقاداتٍ حادّة، إلى درجة أنّ المستفيد نفسه نبّه القصر البلجيكي إلى ضرورة صون التنوع الطبيعي المتميّز في المنطقة. وفي السياق ذاته، عاد كارل أكلي، مبعوث «المتحف الأميركي للتاريخ الطبيعي»، محمّلًا ببقايا عدّة غوريلات عبر الأطلسي، قبل أن يدرك لاحقًا أنّ هذه الحيوانات مهدّدة بالانقراض، فيحلم بإنشاء "ملاذ" لها عند سفوح براكين ميكينو وكاريسيمبي وفيسوكي.
وجدت بروكسل في هذه الدعوات ما ينسجم مع تطلّعاتها، إذ كان الملك البلجيكي ألبير الأوّل - خليفة ليوبولد الثاني والمحتفى بمقاومته الألمان خلال الحرب العالمية الأولى (1914-1918) - يرى في حماية الغوريلات وسائر النباتات والحيوانات واجبًا أخلاقيًا ورمزًا للقوة الناعمة. وهكذا أُعلن عام 1925، أي عاما قبل إنشاء «متنزّه كروغر» في جنوب أفريقيا، عن تأسيس «متنزّه ألبير الوطني»، الذي سيُعرف لاحقًا باسم «متنزّه فيرونغا الوطني».
بحلول عام 1929، امتدّ متنزّه ألبير الوطني على مساحة 200 ألف هكتار، من السفوح الشرقية لجبال روانزوري في أوغندا وصولًا إلى الغابة الاستوائية التي تُشكّل موطن حيوان الأوكابي. أما اليوم، فيغطي المتنزّه مساحة قدرها 7,800 كلم مربع، بطول 300 كلم وعرض 23 كلم. تُعدّ المتنزّهات الوطنية في الكونغو "إرثًا مشتركًا للبشرية"، وقد خُصّصت رسميًا للبحث العلمي وحماية النباتات والحيوانات، مع السماح بالسياحة على أمل أن تساهم بدورها في دعم الجهد العلمي.
غير أنّ الحاكم العام للكونغو نبّه، من غير جدوى، صانعي القرار في بلجيكا إلى حاجة السكان المحليين إلى أراضٍ صالحة للزراعة. ومع ذلك، اتُّخذ القرار بإخلاء منطقة البراكين بأكملها من أي وجود بشري. ومنذ ذلك الحين، خضعت أنشطة الجمع والصيد وصيد الأسماك، فضلًا عن جمع النباتات الطبية التي اشتهر بها أقزام البامبوتي، إلى تنظيم صارم أو حظر كامل. هكذا، ظلّ السكان المحليون يؤكدون بلا انقطاع حقّهم في قطع الخيزران، ورعي ماشيتهم في موسم الجفاف، وصيد السمك في بحيرة إدوارد ونهر روتشورو، كما واصلوا المطالبة بأراضٍ لإقامة تجمعات سكنية وزراعة محاصيل على ضفاف البحيرة.
تُشير باتريسيا فان شويلنبيرخ وآخرون إلى أنّ سكان المناطق المحاذية للمتنزّه كانوا، عشية استقلال الكونغو عام 1960، يُكنّون استياءً متزايدًا من السلطات، وهو استياء طويل الأمد يفسّر جزئيًا الصراعات التي لا تزال تضرب الإقليم حتى اليوم. وتبرز هذه التوترات بشكل خاص في محيط مدينة غوما، عاصمة شمال كيفو، حيث إنّ سكان "الشمال الكبير" من جماعة الناندي اضطروا إلى مغادرة المنطقة طوعًا هربًا من وباء داء المثقّبيات (مرض النوم).
حتى قبيل الاستقلال اقتصر زوار المتنزّه على العلماء ورسامي الخرائط وصنّاع الأفلام والمصوّرين. ولم يظهر أي حُماة بيئة كونغوليين على قوائم الموظفين. أما العمّال المحليون، ويقدّرون بنحو 700 شخص، فكانوا حطّابين وعمال طرق ومعلّمي تعليم مسيحي وسائقين ومجذّفين وحمالين، فيما سُمِح فقط لنساء الحرّاس بزراعة بُقَعٍ عائلية صغيرة.
بعد 1960، ومع الرحيل المفاجئ للبلجيكيين، ترنّح المتنزّه إلى أن قرّر الرئيس موبوتو سيسي سيكو إحياءه، وإنشاء «المعهد الكونغولي لحفظ الطبيعة» (ICCN) ليصير المتنزّه - وقد أُعلن منطقةً محمية بدعمٍ من التعاون البلجيكي- مفتوحًا أمام قِلّةٍ من السياح المميّزين والعلماء معًا. ومنذ 1988، جمع «برنامج كيفو» المموّل من الاتحاد الأوروبي بين السياحة وتطوير البنى التحتية وبناء النُزُل وتجهيز الحرّاس. غير أنّ هذه الصحوة لم تدم طويلًا، ففي تسعينيات القرن الماضي ضعُف نظام موبوتو، وبرز لاعبون جدد في أوغندا ورواندا المجاورتين.
استولى صيّادون غير شرعيين ينشطون في المتنزّه على أسلحة حرب دخلت من أوغندا. وقبل ذلك كله، دفعت منطقة البراكين الواقعة بين رواندا والكونغو ثمن الصراع الذي اندلع في رواندا في أكتوبر/تشرين الأول 1990؛ فقد عسكر مقاتلو «الجبهة الوطنية الرواندية» (RPF) المؤلفة أساسًا من لاجئين توتسي، في كتلة فيرونغا البركانية، وردّت القوات الحكومية المؤلفة من جنود هوتو بعمليات انتقامية، وزرع الألغام على طول الحدود بين البلدين.
عقب الإبادة الجماعية ضد التوتسي عام 1994، ومع نهاية «عملية الفيروز» الفرنسية في جنوب غرب رواندا، فرّ نحو 750 ألف مدني وجندي من الهوتو - كثيرون منهم شاركوا في المجازر - من تقدّم قوات الجبهة الوطنية الرواندية. عبروا الحدود إلى الكونغو، وتوزّعوا في كيفو الشمالية والجنوبية، واستقرّوا أيضًا على أطراف متنزّه فيرونغا. كان الضرر بالغًا: فبينما وفّرت الهيئات الإنسانية الغذاء والمأوى، وجد اللاجئون في المتنزّه ما يحتاجونه من حطبٍ للطهو، وخشبٍ لتعزيز أكواخهم المتشابكة الأغصان، بل وللاتجار بالفحم النباتي.
يعجز حرّاس المتنزّه، وهم يتقاضون أجورًا زهيدة، ويملكون تجهيزًا متواضعًا، عن مواجهة القطع الجائر للأخشاب. بل إنّ إحدى المنظمات غير الحكومية، اعتقادًا منها بأنها تُحسن صنعًا، شجّعت اللاجئين على إنتاج مشغولات يدوية من الخيزران، الذي لم يكن مصدره سوى المتنزّه نفسه. وقد تبيّن لاحقًا أنّ رواندا طوّرت صناعة قائمة على الأخشاب الاستوائية، وصدّرت أثاثًا فاخرًا مصنوعًا من خشبٍ مصدره الأراضي الكونغولية. وخلال العقد الأول من الألفية الجديدة، ازداد الصيد غير المشروع في متنزّه فيرونغا، فاستهدف الظباء والثيران الحرجية وصولًا إلى الفيلة.
تراجعت مساحات الغابات، وتعرّضت البنى التحتية للتخريب والنهب، فيما انتشرت زراعات القنّب والتبغ. وقد دفع المتنزّه ثمنًا باهظًا لعقودٍ من العنف، امتدت من إبادة التوتسي في رواندا عام 1994 إلى نهاية الحروب الكونغولية رسميًا عام 2002.
لم يعرف شرق البلاد سلامًا قط، على الرغم من إعادة توحيد جمهورية الكونغو الديمقراطية، ظلّ متنزّه فيرونغا يأوي مجموعاتٍ متمرّدة ذات أصولٍ رواندية وأوغندية، ومهرّبين وصيّادي حيواناتٍ نادرة. واضطرّ حرّاس المعهد الكونغولي لحفظ الطبيعة إلى قتال مسلّحين وطرد مزارعين متوغّلين، فخسروا في المواجهات أكثر من 200 رجل، فيما وُجّهت إليهم أيضًا اتهاماتٌ بإجلاء سكانٍ يبحثون عن الأرض والموارد الطبيعية، بما فيها النباتات الطبية.
عندما تشكّلت حكومة وحدة وطنية في كينشاسا عام 2006، تبيّن كذلك أنّ متمرّدين إسلاميين من أوغندا، تجمّعوا تحت لواء «القوات الديمقراطية المتحالفة» (ADF)، بدأوا بالتحصّن في القطاع الشمالي من المتنزّه. قتلوا تسعة غوريلات "عِبرةً" لثني حرّاس الغابات عن منعهم من دخولها، حيث ينتجون، ضمن أمور أخرى، الفحم النباتي. ومع ذلك، لم يكن الأسوأ أمرًا محتومًا؛ فحين سُمح للدوريات مجددًا بالاقتراب من الغوريلات وإحصائها، تبيّن أنّ أعدادها، على خلاف المخاوف السابقة، قد ارتفعت بنسبة 8٪. في المقابل، شهدت أعداد الثدييات عمومًا انهيارًا حادًا، فيما تعرّضت أفراس النهر التي كانت تتخبط على ضفاف بحيرة إدوارد لذبح وحشي على أيدي جماعات مسلّحة، إلى درجة استُحدث معها مصطلح "hippocide" للدلالة على "إبادة أفراس النهر".
وقد فتحت الصور المروّعة لمجزرة عائلة الغوريلات التسعة الباب أمام تشكيل فريق إدارة جديد. وبتمويل من الاتحاد الأوروبي، أُنشئت «شراكة بين القطاعين العام والخاص» جمعت بين المعهد الكونغولي لحفظ الطبيعة و«تحالف فيرونغا» - وهو مؤسسة بريطانية مقرّها لندن تضمّ فاعلين اقتصاديين ومتطوعين. يُجسّد هذه الصيغة البلجيكي النبيل إيمانويل دو ميرود، صهر عالم البيئة البريطاني ريتشارد ليكي، والذي يحمل أيضًا رتبة ضابط في القوات المسلحة الكونغولية، ما يتيح له ممارسة سلطة عسكرية مباشرة على حرّاس المتنزّه، وضمان رعاية أسرهم في حال مقتلهم.
تدريجيًا، اعتُمِدت سياسة جديدة قوامها إرساء شراكات مع القطاع الخاص والاستفادة من دعم مالي أوروبي، دفعت إدارة المتنزّه إلى التعاون مع السلطات المحلية انطلاقًا من قناعةٍ بأن العوائد الاقتصادية ينبغي أن تعود بالنفع على المجتمعات المحيطة. هذا النهج الجديد - الذي جعل من المتنزّه أداةً للحد من الفقر - أقنع الاتحاد الأوروبي بتمويل مشاريع سدود كهرومائية. وقد حُدِّدت ستة مواقع بقدرة إجمالية تصل إلى 106 ميغاواط، ما قد يوفّر في المحصّلة نحو مئة ألف فرصة عمل.
أصبح نهر روتشورو الهائج، الذي يخترق المتنزّه، مصدر نعمة محتملة: إذ شيّد المهندس البلجيكي ميشيل فيرليين، بالتعاون مع شركاء كونغوليين، أول محطة في موتوانغا، بتمويل من عائدات السياحة ومنحة أوروبية بلغت 1.8 مليون دولار. دخلت هذه المحطة الخدمة عام 2013 بقدرة 1.3 ميغاواط، وتبعتها «موتوانغا 2». أما محطة ماتِبِه بقدرة 13 ميغاواط، فشكّلت نقلة نوعية؛ إذ لم تقتصر على تمكين إنشاء مصنع للصابون، بل وفّرت الكهرباء لثلثي مدينة غوما. وفي الأحياء الأكثر فقرًا، تُقدَّم الإنارة العامة مجانًا، بينما تتكفّل شركة «فيرونغا إنرجيز» (التابعة لتحالف فيرونغا) بتركيب عدّادات فردية للمنازل.
وبفضل دعم «مؤسسة هوارد بافيت»، أُنجزت ثلاث محطات إضافية، لتصبح متنزّهات فيرونغا أكبر مورّد للكهرباء في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية. ومؤخرًا أُطلقت محطة روانغوبا بقدرة 15 ميغاواط. ومن شأن هذا التوسع في الوصول إلى الطاقة أن يتيح تطوير إنتاج وتسويق القهوة وزيت النخيل وبذور الشيا، فضلًا عن الكاكاو الذي يُنتَج فعلًا، وتحتل فيه الكونغو الديمقراطية المرتبة التاسعة أفريقيًا.
على الرغم من التحوّل الاقتصادي الذي عرفه متنزّه فيرونغا بفضل مشاريعه الطاقية والتنموية، فإنّ تلك الدينامية لم تنجح في إخماد جذوة العنف التي لا تزال تفتك بالإقليم. فالعنف ظلّ حاضرًا بصور شتّى: سياسيًا، عندما عمد بعض الفاعلين المحليين المتحالفين مع فصائل متصارعة إلى استهداف المتنزّه في خضم الحملات الانتخابية، عبر حملات تشويه وخطابات تحريضية. واقتصاديًا، حين منحت وزارة الهيدروكربونات عام 2009، من دون أي تشاور مع وزارة البيئة، امتيازًا استكشافيًا لشركة «سوكو»المدرجة في بورصة لندن، للتنقيب عن النفط في «الكتلة 5» الواقعة في قلب المتنزّه.
أثار هذا القرار حملة احتجاج دولية صاخبة، كما أشعل توترًا ميدانيًا متفجّرًا: إذ وُجدت جثتا صيّادَين معارضَين للمشروع على ضفاف بحيرة إدوارد، فيما تعرّض إيمانويل دو ميرود لمحاولة اغتيال أثناء توجّهه إلى غوما حاملاً ملفًا يضم أدلّة دامغة كان ينوي تسليمها إلى النيابة. وفي عام 2015، أجبرت انكشاف تحويلات مصرفية بين ضابط رفيع في الجيش والشركة البريطانية على انسحاب «سوكو» من المشروع.
لكن السنوات الأخيرة جاءت أكثر قسوة، إذ شهد عام 2020 مقتل ثلاثة عشر عنصرًا من طاقم المتنزّه في كمين نفّذته «القوات الديمقراطية لتحرير رواندا» (FDLR) المؤلّفة من لاجئين هوتو فرّوا من رواندا بعد الإبادة، وما زالوا ينشطون في المنطقة عبر تجارة الفحم المحظورة في بلادهم. وفي الشمال، أقام متمرّدوتحالف القوات الديمقراطية المتحالفة (ADF) الأوغنديون قواعد ومعسكرات يشنّون منها هجماتهم المرعبة على قرى إيتوري، ويستولون على محاصيل القهوة لتهريبها لاحقًا عبر عنتيبي أو كمبالا في أوغندا.
في المقابل، برزت حركة 23 مارس (M23)، وهي تمرّد يضمّ مقاتلين من التوتسي الكونغوليين، ويحظى بدعم من كيغالي، لتفتتح هجماتها قبل ثلاث سنوات انطلاقًا من تخوم المتنزّه عبر السيطرة على بلدة بوناغانا الواقعة على الحدود الأوغندية. ومع مطلع هذا العام، بات معظم المتنزّه تحت سيطرتها. ورغم الطابع العسكري لوجودها، أبقت الحركة على برنامج تزويد الطاقة، لكنها أنشأت بالتوازي منظومة ضرائب خاصة بها لتثبيت نفوذها.
خلال الأشهر الأولى من اندلاع الحرب، ظلّ إيمانويل دو ميرود متمركزًا في مكتبه الإداري برومانغابو، ترافقه قلّة من الحرّاس، مصمّمًا على الحفاظ على مقرّ المتنزّه وضمان استمرار مهام المعهد الكونغولي، سواء في حماية الغوريلات أو في إنتاج الكهرباء. غير أنّ ناشطين في غوما، ثمّ مسؤولين سياسيين في كينشاسا، انتقدوا بشدّة هذا الخيار، ورأوا فيه نوعًا من التماهي مع الوضع القائم. ومع تتابع انتكاسات غوما وبوكاڤو في يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط، وجدَت «فيرونغا إنرجيز» ودائرة البنى التحتية في المتنزّه نفسيهما في قلب أزمة إنسانية خانقة. ومع ذلك، استمرّت الكهرباء في الوصول إلى معظم أحياء غوما، فيما تولّت المنظمات غير الحكومية تركيب قنوات مياه ومحطّات ضخّ في مخيمات النازحين المحيطة بالمدينة، قبل أن يعمد المتمرّدون إلى تفكيكها.
إلى جانب الفصائل المسلّحة التي تجوب أرجاء المتنزّه بلا حسيب، وإلى جانب المجتمعات المحلية التي لم تكفّ عن المطالبة باستعادة أراضيها الموروثة، أضافت السياسة الدولية بُعدًا آخر من التهديد إلى هذه المؤسسة المئوية. فقد تضمّن أحد بنود اتفاق السلام الذي اقترحته الولايات المتحدة - وقد نصّب دونالد ترامب نفسه وسيطًا بين القوات الحكومية ومتمرّدي M23وحلفائهم الروانديين - مسألة الوصول إلى المتنزّهات والمحميات الطبيعية. واقترح ترامب ببساطة إشراك كيغالي في إدارة واستغلال هذه المحميات، بما فيها تلك الكائنة كليًا داخل الأراضي الكونغولية والمتاخمة لمتنزّه البراكين الرواندي، الذي يُعدّ جوهرة السياحة الوطنية في رواندا.
فيما كان ترامب والرئيس الرواندي بول كاغامي يسعيان إلى إبرام اتفاقات اقتصادية، لم يتردّد الأخير في عرض فكرة فتح المتنزّه أمام النفوذ الرواندي، بل أبدى استعداد بلاده لإقامة فنادق ومرافق عبور على الضفة الرواندية للحدود. غير أنّ هذا المشروع الطموح وُئد مع اندلاع الحرب، من دون أن يُستبعد احتمال إحيائه يومًا بضغطٍ من "هدنةٍ مفروضة" أميركيًا، تتيح للروانديين التحرك جنبًا إلى جنب مع حرّاس المعهد الكونغولي.
علاوةً على ذلك، عُرض على المعهد الكونغولي لحفظ الطبيعة، نظرًا لخبرته في إدارة فيرونغا، أن يتولّى الإشراف على مشروع «الممرّ الأخضر» الشاسع الذي يُفترض أن يمتدّ على مساحة 540 ألف كلم مربّع - وهو الأوسع من نوعه في العالم - يربط بين شمال كيفو ومدينة كيسانغاني على ضفاف نهر الكونغو.