تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 14 يوليو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
فكر

مينيسوتا كما يراها الصوماليون

21 يونيو, 2026
الصورة
مينيسوتا كما يراها الصوماليون
Share

إذا أردت أن تعرف صانع أحذية جيد، فابدأ بالنظر إلى الحذاء الذي ينتعله قبل أن تفحص الجلد الذي يستخدمه. فمعدن الإنسان يُقاس بما يقدمه من مثال، وبالأثر الذي تتركه أفعاله في من حوله. هكذا تعلمت معنى النزاهة، بوصفها سلوكا يوميا يتجلى في مواقف الناس، وفي تاريخهم وفي الطريقة التي يتصرفون بها حين يُختبرون.

يحمل الصوماليون هذا الفهم في صمت. فقد عرفنا الحرب، أو نشأنا في بيوت آباء وأمهات عرفوها. تعلمنا أن نراقب الطريق عند الغروب، وأن نستشعر الخطر من دون أن نسمح للهلع بأن يسبقنا. نعرف ما الذي ينبغي حمله حين يداهمنا الرحيل، ونعرف قبل ذلك كيف نمسك بيد الطفل قبل أن يصل الخوف إلى عينيه. صعد بعض أقاربي إلى قوارب مكتظة، متجهين نحو مخيمات اللجوء في دول الجوار، على أمل أن تنجو بهم الرحلة. كثيرون غابوا في الطريق. ومع ذلك ظل المثل الصومالي حاضرًا، Rajo la’aan Waa Rafaad؛ انعدام الأمل عذاب.

كان والدي يحمل هذه الغريزة على نحو مختلف. فقد درس القانون، وامتلك إيمانا راسخا بالدفاع عن العدالة. وعلى مدى أكثر من عقدين، وقف في وجه نظام عسكري ازداد بطشا مع مرور الوقت، وعاقب كل من تجرأ على قول الحقيقة. حاول ذلك النظام أن يطفئ صوته بترهيب متواصل. سألوه عن اسمه. ثم عادوا وسألوه مرة أخرى.

مشهد آلاف من سكان مينيسوتا وهم يتظاهرون بإصرار في درجات حرارة دون التجمد، دفاعًا عن أبسط معاني الإنسانية، فيقول الكثير عن المستقبل الذي نريد أن نبنيه

كان والدي يتخيل لعائلته مستقبلا في بلد تحظى فيه سيادة القانون بمعنى حقيقي، ويستطيع الناس فيه أن يقولوا حقيقتهم بحرية. أفهم الآن كيف صارت شجاعته جزءا من طريقتي في النظر إلى ما يجري اليوم، وكيف منحتني قدرة على الشهادة على هذا الزمن. لم يعش طويلا بما يكفي ليرى إن كانت تلك القيم ستصمد، غير أن الحسّ الذي تركه فينا لم يتبدد بعبور المحيط.

في إحدى الظهيرات، وفي طريق عادي إلى إحدى المكتبات، مررت بسيارتي قرب متجر تارغت، فشعرت بأن جسدي يتشنج. أخذت أتفحص موقف السيارات بحثا عن مركبات كبيرة بنوافذ مظللة. انقبض حلقي، وشعرت بثقل في صدري. عندها عادت إلى ذهني صورة موظف يرتدي زي تارغت الرسمي، وقد عومل بقسوة واحتُجز، بينما كان أحدهم يصرخ مؤكدا أنه مواطن. استجاب جسدي قبل أن يلحق به عقلي. "ارفعي رأسك. أنظري حولك. كوني حذرة". كان ألمه يخصني، وكانت عائلته تشبه عائلتي.

حين انتشر ضباط وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأميركية في شوارع المدن التوأم، تغيّرت المدينة التي أعرفها وأحبها في لحظة.

مينيسوتا هي الوطن، معظم الأميركيين الصوماليين وُلدوا هنا، وكثيرون ممن وصلوا إليها لاجئين يحملون اليوم الجنسية الأميركية

لقد رأيت من قبل كيف تبدو القوة حين تنفلت من معناها العادل. رأيت ضباطًا يخرجون رجلًا من سيارته، كان يرتدي قميصًا أبيض وسروالا كاكيًا أخضر، ثم يعتدون عليه في الشارع تحت شمس ظهيرة باهتة. بقيت نظرته العاجزة وهيئته المكسورة في داخلي. لم يغادر ذلك المشهد ذاكرتي، رغم مرور عقود عليه. وكلما تغيّر الهواء من حولي، عادت تلك الصورة إلى السطح.

ازدادت حملات إنفاذ قوانين الهجرة في محيط ليك ستريت وبيلسبري، قرب مركز كرمل التجاري، حيث اعتادت العائلات الصومالية أن تأتي إلى المكان لقضاء الوقت. كان المركز فضاءً اجتماعيًا مألوفًا ومحبوبًا، تُعرف ممراته برائحة لحم الوسلد المطهو على مهل، وبالأرز الغني بالنكهات. لكن الأبواب أُغلقت، وموقف السيارات الذي كان يتطلب سابقًا الدوران أكثر من مرة بحثًا عن مكان، بدا شبه فارغ. والأكثر دلالة أن شوارع كاملة من المتاجر التي يملكها صوماليون ولاتينيون بدت فارغة، كأن الحي كله يحبس أنفاسه.

قررت أن أتعامل مع هذه اللحظة كما تعاملنا مع جائحة كوفيد. كان الذعر غير مفيد حينها، لكننا تعلمنا كصوماليين أن نقدّر المخاطر، ونعدّل تفاصيل حياتنا بما يحفظ سلامتنا. أخذنا نطمئن على الأصدقاء والعائلة، ونتأكد من أنهم بخير. فالاستعداد ليس خوفًا مجردًا، وإنما طريقة لاستدعاء الذاكرة ووضعها في خدمة الحاضر.

من أراد أن يفهم من نحن، فعليه أن يتأمل طريقتنا في الحركة وسط الخوف، وكيف نقف إلى جانب بعضنا بثبات حين تضيق المساحة من حولنا

مينيسوتا هي الوطن، معظم الأميركيين الصوماليين وُلدوا هنا، وكثيرون ممن وصلوا إليها لاجئين يحملون اليوم الجنسية الأميركية. جلبنا إلى هذه الشوارع تقاليدنا وملامحنا وألواننا. في قلب الشتاء، حين تتراكم الثلوج عاليًا، يمكن أن ترى الفساتين الزاهية تتحرك وسط البرد، والأوشحة الملونة تتمايل في الريح. أحيانًا تجعلنا هذه المرئية عرضة للانتباه في لحظات نود فيها أن نمضي يومنا بهدوء وبعيدًا عن الأنظار. تعرف مجتمعات مهاجرة أخرى هذا الشعور أيضًا. ومع ذلك، يبقى هذا المكان وطنًا.

حين كنت أعمل في منطقة فروغتاون في سانت بول قبل سنوات، رأيت الشوارع وهي تستعيد إيقاعها اليومي مع الصباح. عائلات تمضي إلى شؤونها ومتاجر تفتح أبوابها، وحياة تتحرك على مهلها المعتاد. كان مطعمي الفيتنامي المفضل لحساء الفو في شارع يونيفرسيتي حاضرا، كما عرفته من قبل بالمالكة نفسها والقائمة نفسها. قبل سنوات، أخبرتني صاحبته، وكانت في السبعين من عمرها آنذاك، أنها تفكر في التقاعد، لكنها تؤجل ذلك إلى أن تجد من يدير المطعم بالطريقة التي اعتادها زبائنه. في مثل هذه التفاصيل يتجلى معنى الانتماء، فهو لا يعلن عن نفسه بصخب، وإنما يظهر في التقاطعات الصغيرة التي تنشأ بين حيوات الناس.

ما يمنحني الثبات اليوم هو تلك الدائرة الواسعة من الدعم التي تشكلت حولنا وسط الفوضى. تواصل أصدقاء وزملاء كثيرون عبر البريد والرسائل النصية للاطمئنان، وللتعبير عن غضبهم مما يحدث. أما مشهد آلاف من سكان مينيسوتا وهم يتظاهرون بإصرار في درجات حرارة دون التجمد، دفاعًا عن أبسط معاني الإنسانية، فيقول الكثير عن المستقبل الذي نريد أن نبنيه.

من أراد أن يفهم من نحن، فعليه أن يتأمل طريقتنا في الحركة وسط الخوف، وكيف نقف إلى جانب بعضنا بثبات حين تضيق المساحة من حولنا.

ما أعرفه أن الشمس تشرق دائمًا، حتى بعد أطول الليالي. يبدأ الثلج في الذوبان، وتنفتح الأرصفة من جديد، وتمضي الحياة في طريقها، مصرة على الحضور بهدوئها المعتاد.