السبت 6 ديسمبر 2025
يعود الصغير على الساحل الإريتري إلى واجهة الأحداث مجدداً، باعتباره إحدى أكثر النقاط حساسية في البحر الأحمر، مع تصاعد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا حول ملف الوصول إلى البحر، في لحظة إقليمية مشحونة تشهد سباق نفوذ دولياً ومحلياً على الممر المائي الحيوي.
ميناء عَصَب، الواقع في أقصى جنوب إريتريا قرب الحدود الإثيوبية، كان لعقود شرياناً بحرياً رئيسياً لإثيوبيا قبل استقلال إريتريا عام 1993، حين خسرت أديس أبابا منفذها المباشر إلى البحر وأصبحت دولة حبيسة تعتمد بنسبة تفوق 90% على موانئ جيبوتي للتجارة الخارجية. هذا الإرث الاستراتيجي لا يزال يثقل الوعي الإثيوبي حتى اليوم، ويغذّي خطاباً سياسياً متزايد الحدة حول “حق تاريخي” في الوصول إلى البحر الأحمر.
منذ خريف 2023، صعّد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد لهجته، واصفاً الوصول إلى البحر الأحمر بأنه “مسألة وجودية” لبلده، ومتحدثاً عن ضرورة “إنهاء السجن الجغرافي” الذي تعيشه إثيوبيا، مع تلميحات إلى أن الخيارات لن تبقى سلمية إلى الأبد. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، عاد آبي ليؤكد أن سعي بلاده لاستعادة منفذ بحري “لا رجعة فيه”، قبل أن يحاول تبريد الأجواء في مارس/آذار معلناً أن إثيوبيا “لن تخوض حرباً مع إريتريا من أجل البحر”، وأنها تفضّل معالجة الملف عبر الحوار.
في المقابل، ترى إريتريا أن أي حديث عن “حق إثيوبي” في عَصَب يُعد مساساً مباشراً بسيادتها. تقارير دبلوماسية ومتابعات صحافية تشير إلى أن أسمرة نفّذت خلال الشهور الماضية تعبئة عسكرية واسعة، بالتوازي مع اتهامات إثيوبية رسمية لها بـ“التحضير للحرب” ودعم جماعات مسلحة داخل الأراضي الإثيوبية، بينما حذّرت تحليلات غربية من أن حرباً جديدة بين البلدين ستقوّض ما تبقّى من اتفاق سلام 2018 وتفتح الباب أمام كارثة إنسانية في القرن الأفريقي.
ورغم أن المنطقة الحدودية بين البلدين واسعة، إلا أن عَصَب يتقدّم كمسرح محتمل لأي مواجهة مباشرة. فالمدينة الساحلية لا تبعد سوى نحو 60–70 كيلومتراً عن الأراضي الإثيوبية، ما يجعلها قريبة بما يكفي لتثير قلق أسمرة بشأن الدفاع عنها، وبعيدة بالقدر الذي يغري أطرافاً في إثيوبيا بالحديث عنها كخيار “أقل كلفة” من محاولة الوصول إلى موانئ أبعد شمالاً مثل مصوّع. باحثون أشاروا إلى أن هذه الجغرافيا المتشابكة تجعل من عَصَب نقطة احتكاك عالية الخطورة تتطلب “حواجز أمان دبلوماسية” صارمة لتفادي سوء الحسابات.
وزاد من حساسية الميناء تاريخُه الحديث مع القوى الخارجية. فبين عامي 2015 و2021، تحوّل عَصَب إلى قاعدة عسكرية ولوجستية رئيسية لدولة الإمارات العربية المتحدة في حرب اليمن، بعد اتفاق منح أبوظبي حق استخدام الميناء وقاعدة جوية مجاورة لمدة تصل إلى 30 عاماً، وفق تقارير بحثية وإعلامية. وشملت الاستثمارات الإماراتية توسيع المدرج وبناء منشآت تخزين ومرافئ عميقة، استُخدمت لنقل الجنود والعتاد عبر البحر الأحمر. ورغم الإعلان عن تفكيك معظم القاعدة لاحقاً، ترى دراسات حديثة أن البنية التحتية التي تركتها تلك المرحلة ما زالت جزءاً من الحسابات الاستراتيجية الإقليمية حول عَصَب.
بالتوازي، تشهد منطقة البحر الأحمر برمّتها عسكرة متزايدة بسبب هجمات الحوثيين على السفن، والتوترات بين إسرائيل وإيران، وتنافس القوى الإقليمية والخليجية على الموانئ وخطوط الملاحة، ما يجعل أي شرارة في عَصَب مرشّحة للتفاعل مع مشهد أمني معقد يمتد من قناة السويس شمالاً حتى مضيق باب المندب جنوباً. تقارير دولية حذّرت بالفعل من أن انزلاق إثيوبيا وإريتريا إلى مواجهة مفتوحة سيضيف طبقة جديدة من الفوضى إلى ممر تجاري يمرّ عبره نحو 10% من التجارة البحرية العالمية.
في هذا السياق، ترتفع أصوات مراكز أبحاث ومنظمات دولية تدعو إلى احتواء التوتر عبر دبلوماسية وقائية، وإطلاق حوار مباشر بين أديس أبابا وأسمرة حول ترتيبات عبور تجاري أو استخدام مشترك للموانئ، بدلاً من لغة “الحقوق التاريخية” و”التعبئة الوطنية” التي تهيمن على الخطاب حالياً. تقارير صادرة عن جهات مثل تشاتام هاوس والمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية حذّرت من أن انهيار “منطق ضبط النفس” بين الطرفين قد يقود إلى حرب يصعب حصرها في الميدان الثنائي، نظراً لتشعّب التحالفات والخصومات في القرن الأفريقي.
وبينما تحاول إثيوبيا تسويق سعيها إلى البحر بوصفه مطلباً اقتصادياً مشروعاً، وتقدم إريتريا نفسها كضحية محتملة لـ“أطماع توسعية”، يبقى مستقبل عَصَب معلقاً بين سيناريوهين متناقضين: أن يتحوّل إلى نموذج لتعاون إقليمي براغماتي يوازن بين مصالح الجارين، أو أن يصبح نقطة الاشتعال الأولى في حرب جديدة تعيد رسم خرائط القوة في واحد من أكثر الأقاليم هشاشة في العالم.