الأحد 15 فبراير 2026
كيف يمكن لصوت أن يحمل تاريخ قارة بأكملها؟ وكيف تتحول الموسيقى إلى شكل من أشكال الذاكرة حين يُحرم الجسد من الكلام، ويُقصى من السرد الرسمي؟ وأي معنى للفن عندما يولد من تجربة العبودية والاقتلاع والعيش على هامش التاريخ المكتوب؟ هذه الأسئلة تفتح أفق التفكير في موسيقى كناوة باعتبارها صوتا أفريقيا كثيفا، يتجاوز حدود الترفيه والفرجة، ويقترح فهما فلسفيا للموسيقى بوصفها ممارسة وجودية، وفعلا للذاكرة، ولغة للجرح الجماعي.
يرتبط تاريخ كناوة ارتباطا عضويا بتاريخ العبودية في الساحل والصحراء الأفريقية خلال العصر الحديث، وبحركية البشر والثقافات التي ربطت المغرب بأفريقيا جنوب الصحراء على امتداد قرون طويلة. فقد تشكلت الجماعات التي ستُعرف لاحقا بكناوة من عبيد جُلبوا من فضاءات السودان الغربي، من مناطق ارتبطت تاريخيا بإمبراطوريات كبرى مثل: مالي والسونغاي وغاو، في سياق تجارة معقدة (العبيد) امتزج فيها الاقتصادي بالديني والسياسي. مع استقرار هؤلاء في مدن المغرب وقراه، خاصة في مراكش والصويرة وسوس وفاس وسجلماسة... تشكل نمط عيش جماعي حافظ على بعض عناصر الثقافة الأفريقية، في الوقت الذي انفتح فيه على محيطه الجديد.
هكذا يصبح الصوت الكناوي أثرا لذاكرة لم تُكتب بالحبر، بقدر ما كُتبت بالإيقاع والتكرار والنشيد والموسيقى
هذا التاريخ لم يكن خطيا ولا هادئا ولا عاديا، بل اتسم بالقهر والاستغلال والعنف الرمزي والمادي، وهو ما جعل الموسيقى تتحول إلى فضاء لحفظ الذاكرة الجماعية. في هذا السياق، يصبح ما يقوله والتر بنيامين عن التاريخ ذا دلالة خاصة حينما يؤكد في كتابه "أطروحات في فلسفة التاريخ" أن "كل وثيقة حضارة هي في الوقت ذاته وثيقة بربرية"، فموسيقى كناوة تنبثق من هذا التوتر بين الحضارة والعنف، بين الاندماج والإقصاء، وتعيد صياغة التاريخ من وجهة نظر من عاشوه من الأسفل.
تنتمي موسيقى كناوة إلى تلك الأشكال التعبيرية التي لم تُنتج داخل مراكز السلطة، وإنما تشكلت في الهوامش، داخل تجربة تاريخية اتسمت بالقسر والعنف والاقتلاع والقمع. يمكن في هذا الصدد، فهم كناوة ضمن ما يسميه بول ريكور "الذاكرة المجروحة"، أي الذاكرة التي لم تجد لها موضعا داخل التاريخ الرسمي، فتلجأ إلى التعبير الرمزي والجسدي. يقول ريكور في كتابه "الذاكرة، التاريخ، النسيان": "ما لم يُروَ في التاريخ يعود في الذاكرة على هيئة أثر أو رمز أو طقس". هكذا يصبح الصوت الكناوي أثرا لذاكرة لم تُكتب بالحبر، بقدر ما كُتبت بالإيقاع والتكرار والنشيد والموسيقى.
يحضر البعد الأفريقي في موسيقى كناوة بوصفه ذاكرة حية، لا باعتباره أصلا نقيا أو هوية مغلقة. حيث أن أفريقيتها لا تقوم على استعادة ماضٍ متخيل، وإنما على إعادة تركيب تجربة تاريخية معقدة، امتزجت فيها عناصر السودان الغربي بالعناصر العربية والأمازيغية والإسلامية.
في موسيقى كناوة، يتحول هذا الجسد من موضوع للعنف إلى فاعل رمزي، يستعيد قدرته على التعبير من خلال الصوت والحركة والإيقاع
هذا التداخل يعكس تصورا ديناميا للهوية، يلتقي مع ما يؤكد عليه إدوارد سعيد الذي يرفض فكرة الهوية الجوهرية، ويعتبر أن "الهويات تُصنع داخل التاريخ، وتتشكل عبر الترحال والاحتكاك والصراع" كما ورد في كتابه "الثقافة والإمبريالية". وبالتالي، فموسيقى كناوة تعكس هذا المعنى من خلال لغتها الموسيقية الهجينة، حيث لا يعود ممكنا الفصل بين الأفريقي والمغربي، أو بين المحلي والعابر للحدود.
يحتل الجسد موقعا مركزيا في التجربة الكناوية، سواء من خلال الرقص أو الإيقاع أو الطقس. هذا الحضور المكثف للجسد يحيل على تجربة تاريخية عاش فيها الجسد الأفريقي باعتباره موضوعا للهيمنة والاستغلال. هنا تكتسب أطروحة فرانز فانون راهنيتها، حين يؤكد في كتابه "بشرة سوداء، أقنعة بيضاء" أن الاستعمار لا يهيمن على الأرض فقط، بقدر ما "يستثمر الجسد، ويعيد تشكيل وعيه بذاته". ففي موسيقى كناوة، يتحول هذا الجسد من موضوع للعنف إلى فاعل رمزي، يستعيد قدرته على التعبير من خلال الصوت والحركة والإيقاع.
علاوة على ذلك، فالإيقاع الكناوي لا يؤدي وظيفة جمالية فقط، وإنما يحمل معنى وجوديا. حيث أن التكرار الإيقاعي، والقرع القوي على الطبول والقراقب، يعيدان إلى الذاكرة أصوات السلاسل والقيود، غير أن هذه الأصوات تتحول داخل الطقس إلى وسيلة للتحرر الرمزي. هذا التحول يعكس ما يسميه نيتشه في عمله الفلسفي "مولد التراجيديا" بـ"الطاقة الديونيزوسية"، حيث يتحول الألم إلى قوة خلق، ويغدو الإيقاع شكلا من أشكال تجاوز المعاناة عبر الفن.
موسيقى كناوة تنبثق من هذا التوتر بين الحضارة والعنف، بين الاندماج والإقصاء، وتعيد صياغة التاريخ من وجهة نظر من عاشوه من الأسفل
إن البعد الطقوسي في موسيقى كناوة يمنحها عمقا فلسفيا إضافيا، إذ تتحول الموسيقى إلى أداة لإعادة تنظيم العلاقة بين الإنسان والعالم، وبين المرئي واللامرئي. هذا المعنى ينسجم مع تصور ميرسيا إلياد للطقس باعتباره إعادة تأسيس للزمن والمعنى، حين يقول في كتابه "المقدس والدنيوي: رمزية الملقس والأسطورة": "الطقس يسمح للإنسان بأن يخرج من الزمن اليومي، ويعيد الاتصال بزمن مؤسس يمنح الوجود معناه". على سبيل المثال: في الليلة الكناوية، لا تُؤدى الموسيقى من أجل الاستماع فقط، بل من أجل العبور، والتطهير، وإعادة التوازن النفسي والروحي.
من خلال ما سبق، يمكن اعتبار موسيقى كناوة شكلا من أشكال السرد المضاد، الذي يواجه الصمت الذي فرضه التاريخ الاستعماري على التجربة الأفريقية. هذه الرؤية تتقاطع مع أطروحات أشيل مبيمبي، الذي يؤكد في كتابه "الخروج من الليل" أن استعادة الصوت شرط أساسي لتحرير الذاكرة الإفريقية من اختزالها في الضحية أو في الموضوع الصامت للتاريخ. وهكذا، تستعيد موسيقى كناوة هذا الصوت، لا عبر الخطاب السياسي، وإنما عبر الإيقاع والطقس والجسد.
في الأخير، إن التفكير في موسيقى كناوة كصوت أفريقي يقود إلى إعادة طرح سؤال الفن نفسه: هل الفن ترف ثقافي، أم ضرورة وجودية؟ تميل تجربة كناوة بوضوح نحو المعنى الثاني، حيث يتحول الفن إلى وسيلة للبقاء، ولحفظ الذاكرة، ولإعادة بناء الذات في مواجهة تاريخ من العنف والإقصاء والاستعباد. وهكذا، تظل موسيقى كناوة شهادة حية على قدرة الثقافة الأفريقية على تحويل الألم إلى معنى، والصمت إلى صوت، والجرح إلى إيقاع يواصل النبض عبر الزمن.