الأحد 8 مارس 2026
تتجه جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا نحو مواجهة دبلوماسية مفتوحة داخل أروقة المنظمة الدولية للفرانكفونية، في سياق إقليمي متوتر أصلاً بفعل الصراع المستمر في شرق الكونغو الديمقراطية، وتبادل الاتهامات بين البلدين حول دعم جماعات مسلحة وزعزعة الاستقرار. تأتي هذه المواجهة المرتقبة على خلفية إعلان كيغالي عزمها ترشيح لويز موشيكيوابو لولاية ثالثة على رأس الأمانة العامة للمنظمة، في خطوة اعتبرتها كينشاسا استفزازية، ومحاولة لتكريس نفوذ سياسي داخل مؤسسة يفترض أن تقوم على التوافق والتوازن بين أعضائها.
تُعد موشيكيوابو، التي تشغل المنصب منذ عام 2019، إحدى أبرز الوجوه الدبلوماسية الرواندية، وقد تولت الأمانة العامة في مرحلة حساسة شهدت خلالها المنظمة تحديات متزايدة تتعلق بتراجع النفوذ الفرنسي التقليدي داخل الفضاء الفرانكفوني، وصعود أدوار دول أفريقية تسعى لإعادة تعريف أولويات المنظمة، بما يتجاوز البعد اللغوي والثقافي نحو قضايا الحكم والتنمية والأمن. غير أن إعلان السعي لولاية ثالثة أثار جدلاً واسعاً داخل عدد من الدول الأعضاء، خاصة في ظل نقاشات غير معلنة حول مدى انسجام هذه الخطوة مع الأعراف المتبعة داخل المنظمة، وحول الحاجة إلى ضخ دماء جديدة في قيادتها.
في المقابل، أعلنت جمهورية الكونغو الديمقراطية نيتها التقدم بمرشح منافس، في رسالة سياسية واضحة تتجاوز مجرد التنافس على منصب إداري دولي، لتلامس جوهر الصراع السياسي والدبلوماسي بين البلدين. وترى كينشاسا أن استمرار قيادة رواندية للمنظمة في هذا التوقيت يمنح كيغالي منصة دولية إضافية لتلميع صورتها، في وقت تتهمها فيه بدعم حركات مسلحة تنشط في شرق البلاد، وتطالب المجتمع الدولي باتخاذ موقف أكثر حزماً تجاه ما تصفه بانتهاكات لسيادتها.
يقرأ مراقبون هذا التحرك الكونغولي بوصفه محاولة لإعادة فتح ملف النفوذ داخل المنظمات متعددة الأطراف، واستخدام المنظمة الدولية للفرانكفونية كساحة اشتباك دبلوماسي موازية لساحات مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي. فكينشاسا، التي تشعر بتنامي الضغوط الداخلية بسبب استمرار التدهور الأمني في إقليمي كيفو الشمالي والجنوبي، تسعى إلى حشد دعم سياسي ورمزي يعزز موقفها الإقليمي، ويبعث برسالة مفادها أن الخلاف مع رواندا لا يمكن فصله عن الأدوار التي تلعبها الأخيرة على الساحة الدولية.
أما رواندا، فتعتبر أن ترشيح موشيكيوابو لولاية جديدة يعكس استمرارية نهج إصلاحي داخل المنظمة، ويؤكد مكانتها كدولة أفريقية قادرة على تولي مناصب قيادية في مؤسسات دولية كبرى. كما ترى كيغالي أن الاعتراضات الكونغولية ذات طابع سياسي بحت، ولا تستند إلى تقييم موضوعي لأداء الأمانة العامة خلال السنوات الماضية، بل تأتي في سياق محاولة لتدويل الخلاف الثنائي ونقله إلى كل المحافل الممكنة.
وتنذر هذه المواجهة بتعميق الانقسامات داخل المنظمة الدولية للفرانكفونية، خاصة في ظل تباين مواقف الدول الأفريقية الأعضاء، بين من يفضل الحفاظ على الاستقرار المؤسسي وعدم تحويل المنظمة إلى ساحة صراع سياسي، وبين من يرى أن المرحلة الراهنة تفرض نقاشاً صريحاً حول دور المنظمة وحدود تسييسها. كما قد تضع هذه التطورات الدول الأوروبية الأعضاء، وفي مقدمتها فرنسا، أمام اختبار دقيق في كيفية التعاطي مع صراع أفريقي-أفريقي داخل فضاء لطالما اعتُبر امتداداً للنفوذ الثقافي والسياسي الفرنسي.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو معركة الأمانة العامة للفرانكفونية أبعد من كونها سباقاً على منصب، لتتحول إلى مؤشر جديد على عمق الأزمة بين كينشاسا وكيغالي، وعلى انتقال هذا الخلاف من الميدان العسكري غير المباشر إلى ساحات الدبلوماسية متعددة الأطراف. ومع اقتراب الاستحقاق، يُتوقع أن تكثف العاصمتان تحركاتهما الدبلوماسية لحشد التأييد، ما ينذر بجولات ضغط ومساومات قد تعيد رسم توازنات داخل المنظمة، وتكشف في الوقت نفسه حدود قدرتها على البقاء بعيدة عن صراعات أعضائها.