تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 14 يوليو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
قص

مُتحركات تحرير حديقة الورد «الجوري» الخلفيَّة

5 يوليو, 2026
الصورة
مُتحركات تحرير حديقة الورد «الجوري» الخلفيَّة
Share

I

المتن:

استيقظ من غفوة نوم مضطربة، في وقت ما من الفجر.

تسرّب إليه إحساس طفيف، بتفتح بطيء في حنايا روحه، فور شعوره باستيقاظه الكامل، إثر ليلة أرق مضنية؛ جرّاء انقطاعات الكهرباء المتكررة، والمحاولات اليائسة لصدّ هجمات جيوش البعوض المسلحة بالإبر السامّة؛ وسائر هَوَامّ الأرض وحَشَرَاتُها الْمُؤْذِيَة. قضى تلك الليلة مسهد، مستجديا جنود النوم اللاهين في براري المرح البعيدة، بلا طائل، ليحملوه على محفّة الأحلام الخضراء، إلى أن استسلم لتلك الغفوة المشوشة.

أوشك ذلك الازدهار الذي طرأ- بغتةً- في داخله على إضاءة جنبات روحه بالإشراق وإشاعة البهجة في نواحي كيانه. وكان نادرا ما ينتابه شعور مماثل اللهم باستثناء فترات وجوده الطويلة داخل حديقة ورد «الجوري» التي أنشأها في الجهة الخلفية من باحة المنزل. كان عندما يكون منهمكاً في رعاية نباتاته وشتوله التي جلبها من مصلحة الغابات، من سنوات طويلة، يخالجه شعور بالغبطة والابتهاج، تشرق له صفحة وجهه، وتلتمع، جرّاءه، حدقات عيونه.

عندما جالت بخاطره هذه الأفكار، فمن المرجح أن ذهنه انخرط في عملية تخيل رؤية الصور والمرئيات الأَخَّاذة، التي شاهدها من قبل، في مكان ما؛ لجبال مغطاة بالخضرة اليانعة وجداول من المياه المتدفقة الصافية، كانت تتمايل أمام ناظريه- في صورة حلمية غائمة- أفلحت، في النهاية، في بَثّ نوع من النشاط المحموم في جسده، فطفق يمارس التمارين الرياضية المصممة لشخص تجاوز الخمسين من عمره، في وقت أبكر من المعتاد.

حالما انتهى من التمارين انطفأت جذوة النشاط اللحظية في كيانه. غير أنَّ شعلة الحياة، في داخله، ما زالت بازدهارها، في جنبات وأزقة نفسه الفسيحة.

مع ذلك، كان السيّد «أيوب عبد التواب»، يشعر بمنغصات مبهمة، في جانب قصيّ من روحه، في صباح العاشر من يناير، الذي كانت ساعاته المبكرة توحي بأنه سيكون يوما غير عادي. داهمه إحساس مبهم بأنّ الموت، أخيراً، أطلق حملة نظافة إستراتيجية شاملة ستطال كل من عاش عمره مكشوفاً بدون دروع حماية تقيه بطش متحركات الدمار الآلية التي باتت تتجول بحرية كاملة في الطرقات وتحصد الأرواح بلا هوادة.

ينبغي القول أنّ شعوره بذلك «بالانكشاف» قد تفاقم منذ أن وارى جثمان زوجته «سعاد عبد التام»، تراب مقبرة العائلة في الجانب الشرقي من المدينة، قبيل حلول رأس السنة قبل أكثر من ثلاثة أعوام. بعدها، بأيام قليلة، في العاشر من يناير، مات شقيقه «جابر عبد التوّاب»، في حادث حركة في الطريق السريع الذي يربط العاصمة بميناء البلاد على البحر الأحمر، وما لبث أن لحقت به شقيقتهما «زينب عبد التواب»، في العاشر من يناير من العام الذي يليه، أثناء عملية ولادة قيصرية في مستشفى «القابلات» في الجانب الشرقي من المدينة القديمة، وقبلهما توفيت جدته «ميمونة نور الدائم»، في العاشر من ذات الشهر، عندما عثروا عليها مضطجعة في فراشها مثل شخص استلقى لتوه وأخذته سنة من النوم. وفي حال دار محور سؤالك عن الأهل والجيران وجملة معارف السيّد «أيوب عبد التواب»، فقد تكفلت بهم آلة الحرب الصدئة التي كانت قد نشبت قبل تسعة عشر شهرا.

ما أن خطا برجله المعطوبة خارج عتبة بيته الخشبي المهترئ، بعد ثلاثة أسابيع من الاعتكاف الإجباري في الداخل، تفادياً للطلقات العشوائية، والقذائف التي صارت تتساقط في كل مكان؛ والتي كان الجنود يطلقونها بسخاء وجنون لا مثيل لهما، حتّى لفحت صفحة وجهه دفقة حارّة من الهواء. كانت «القيامة تتسكع في الخارج» كما توقع. رأي رتل من الدبابات المعطوبة مركونة على جانبي الطريق، والمصفحات العسكرية المهترئة تجوب طرقات الحي المتربة، بلا هدى. طاف بناظريه على جدران بيوت الجيران المتهدّمة، والأشجار المجذوذة، والسيارات المتفجرة، وأكوام القمامة على جانبي الطريق. حاول تجنب رؤية هذا المشهد ولكنه لم يعرف إلى أين يشيح بوجهه ليتفادى رؤية ما يراه ماثلاُ أمامه. ألقى نظرة عابرة باتجاه المخزن الذي استأجره قبالة البيت، وخطر له أن يحضر الإزميل والمطرقة وصندوق المسامير لإصلاح مقاعد الحديقة الخشبية، بيد أنَّه عدّل عن الفكرة، ومضى في طريقه، لا يلوي على شئ.

أرسل نظرات أسى كثيفة، متقطعة، باتجاه الفجوة التي أحدثتها قذيفة عشوائية أُلقيت على سور بيته قبل أيام قليلة. لطالما كان السيّد «أيوب عبد التواب»، يعتقد، في الماضي، أن بيته بمثابة مأوى له ولأفراد عائلته، وملاذ أبدي، حين تشتد وطأة الحياة. الآن أدرك أنَّ البيت لم يكن مصمما ليكون موئلا آمنا ودائما، وليس سوى ملاذ مرحلي، وعلى العكس فإن البيت، بالنسبة له الآن، ليس أكثر من ملجأ عابر لتجنب الانهيارات المحتملة في المستقبل.

مسح زجاج نظارته الطبية بقطعة منديل صغيرة، بيده اليمنى، فيما كانت، يده اليسرى، تفتح غطاء قنينة الماء البلاستيكية التي احتفظ بها دافئة من الليلة السابقة. في الأثناء، كانت عيونه تتابع -بنظرات متوترة -حركة الآليات العسكرية التي كانت تجوب الشوارع القريبة من المنطقة في حركة لا تهدأ.

بدا له أنَّ صوت الرصاص الذي كان يطلق من أماكن بعيدة صار يخفت شيئا فشيئا.

كان فتور أزيز الرصاص وأصوات المدافع، لساعات قليلة في اليوم، غالبا ما تُفضي إلى تنبّؤات بهيجة في نفس السيّد «أيوب عبد التواب»، تشي بقرب نهاية الحرب وربما جلوس المقاتلين الى طاولة التفاوض، كما كان يأمل، بسبب مداومته على سماع تحليلات الأخبار في الإذاعات العالمية، بيد أنَّ أصوات المدافع، سرعان ما كانت تشتد ويستأنف الجنود القتال بضراوة لا هوادة فيها. وكانت هذه المشاعر المتضاربة التي تتأرجح بين الأمل واليأس، التي تعتمل في داخله، تفجّر في روحه توق مُلح للقيام بعمل جليل قبل دنو أجله الذي بات يحس به، مؤخرا، أكثر من أيّ وقت مضى!

يبدو أنَّ الموت كان يتربص به مثل ذئب جائع عند كل زاوية ومنعطف في الحيّ الذي هجره أغلب سكانه. وهذا الإحساس كان يسرّب إلى نفسه حزن عميق لا يعرف كيف يتخلص منه. ومع ذلك، كان يدرك حقيقة بسيطة: لو تمكنت جحافل الحزن من التسلل إلى دخيلة نفسه الآن، فإن العمل الجليل، المقدم عليه، والذي لا يدرك كنهه بعد، ستبعثره الرياح، وتضيع، بالتالي، حياته هدرا!

تقتضي الضرورة القول بأنَّ: السيّد «أيوب عبد التوَّاب»، لم يغادر بيته منذ أن اندلعت الحرب في الخامس عشر من أبريل 2023، مثلما فعل آخرون من جيرته. والآن وقد مضى حوالي العامين، لا يجد في نفسه الرغبة في الانتقال للحاق بأفراد أسرته الذين نزحوا في جهات عديدة وتبعثروا في مدن وبلدات لأول مرة تطرق أسماءها أسماعه. وعلى الرغم من نشاطه الوافر وحيويته الفائقة التي تبرز أثناء فترات وجوده داخل حديقة ورد «الجوري» الخلفية فإنه خارج الحديقة لا يجد في نفسه العزيمة لمغادرة البيت أو حتى النزول من مرقده فوق الحشية القطنية التي وضعها على سطح الأرجوحة التي صنعها من الحبال المتينة بالقرب من غرفة الضيوف.

جلس تحت ظل شجرة «السنط» المقابلة للبيت. ألقى نظرة حوله على البيوت المتراصة على جانبي الطريق. كان الشارع خاليا من البشر. تفقّد أزيار السبيل الجافّة من الماء، وألقى بنظرة سريعة للطحالب الناشفة التي علقت قشارتها بقعر الأزيار. لطالما جلس في هذا المكان من قبل وهو يتابع نقاط الماء تتساقط من أسفل الأزيار المترعة بماء النيل؛ نقطة إثر نقطة، بإيقاع رتيب.

بعد خلو رفوف أغلب المحال التجارية من البضائع في المنطقة اكتشف أنه يمكن العيش بأشياء بسيطة. على سبيل المثال يمكنه أن يكتفي بوجبة واحدة في اليوم ومعها كوب شاي. ملابسه تكفي منها قطعتين. لا ضرورة لوجود منشفة في الحمام. يمكنه أن يخرج مبللا، ويعرّض جسمه لتيار الهواء وضوء الشمس إلى أن يجف من تلقاء نفسه. وكان- سلفاً- قد شرع في تقليل استهلاك الماء بعد أن انقطع التيار الكهربائي عن الحيّ بكامله.

تذييل:

يسعى الراوي الذي كان يتابع، عن كثب، حياة السيّد «أيوب عبد التواب»، يوماً بيوم، لأسباب غير معلومة، والذي قرر التدخل، في الوقت غير المناسب، البتة، في تطور الحكاية، إلى أن يدلي بدلوه بقصد حرف مسار القصة لخدمة توجهاته الفكرية والسياسية، فيما بدا لنا.

ذكر الراوي، أن السيّد «أيوب عبد التواب»، كان في الماضي القريب، لا يكفُّ عن مناداة الناس بأسمائهم الكاملة، متبوعة بلقب السيد فلان ابن السيد فلان ابن السيد علان، ولم يكن يميل إلى مناداة الأخرين بأساليب المناداة الأبوية- بحسب تعبيراته الغريبة، على ذمة الراوي الذي تفضّل بهذا التوضيح- من شاكلة: العم فلان أو الخال علان أو الجد عبد الزمار! ويفسر الراوي الأمر بأن السيّد تربّى في كنف الخدمة المدنية في مصلحة الغابات التي كان يعمل بها موظفا مرموقا، في الماضي، قبل أن تحيله الحكومة للمعاش الإجباري. ويمعن في التفسير، بأن السيّد، كان يُفضل أن يخاطب الآخرين بلفظة السيد، وأن يخاطبه الأخرون-بالمقابل- بالأسلوب نفسه. لذلك صار الجيران والمعارف في الحيّ يخاطبونه وينادونه باسمه كاملا على النحو التالي: السيّد «أيوب عبد التواب»، تندرا أو سخرية من أهل المنطقة الذين كانت لا تعوزهم أساليب التهكم البارعة والسخرية المريرة من سوء الأحوال ومنقلب المآل!

شكرا على التوضيح!

ومع ذلك، يقر الراوي، في تحسرٍ بائن، أنّ كل ذلك أصبح من الماضي الآن، في ظل الظروف الحالية، وبات ترفا لا طائل من ورائه، وربما أدرك السيّد، سخرية الأمر بكامله وبات يضحك عليه في دخيلة نفسه.

بيد أنه، يمكن القول، إجمالا، أن السيّد «أيوب عبد التواب»، ربما كان يرى نفسه، عجوزا أحمقا، مكث طويلا على ظهر البسيطة، بحسب كلام الراوي، بطبيعة الحال. علاوة على ذلك، صار يعتقد أن موعد رحيله بات محتوما، ولا بأس بذلك بالنسبة له. فاذا حان موعد رحيله عن ظهر الارض فلا مفر من التسليم بالأمر والاستعداد له بالصورة اللائقة. غير أنه، وأيم الله، كما أقسم، في دخيلة نفسه، لن يغادر الدنيا، خالي الوفاض!

قبل أن يتوارى خلف غلالة الغياب الأبدي، سوف يترك مأثرة ما، لا يدرك كنهها الآن!

وعلى نحو درامي، هتف الراوي؛ الذي بات تدخله في مسار هذه الحكاية سافرا، بصوت عال، وكأنه يخاطب حشدا جماهيريا كبيرا:

  • لابد أن يخلّف السيّد «أيوب عبد التواب» وراءه مأثرة. لابد!

II

متن:

طوَّر السيد «أيوب عبد التواب»، في داخل ذهنه، أثناء عمله في الحديقة، تقنية خاصّة تعمل على طرد الأصوات المزعجة وتعينه، في ذات الوقت، على تركيز انتباهه في شغله. كانت أصوات الرصاص والقذائف لا تنفك تتصاعد باضطراد في الأرجاء، في الفترات الصباحية من اليوم، في حين تجوب الآليات العسكرية المصفحة والدبابات الشوارع القريبة من الحيّ الذي يقطنه، وتجتاح مختلف المناطق وتقتحم الأحياء السكنية المجاورة.

كانت تصله أصوات الاستغاثة اليائسة وعويل النساء والأطفال، وهدير تهدُّم المباني، في موقعه داخل الحديقة. وكان غالبا ما يفلح في التغاضي عنها، لحين، بفضل مهارة الاصغاء لشقشقة الطيور وهزيز النباتات وحفيف أغصان الأشجار وهمسات الفراشات المذعورة لورود «الجوري»، التي ابتكرها، هي الأخرى، كدرع واقٍ من الانخراط الكامل في واقع أهوال الحرب الدائرة على مرمى حجر من بيته.

لطالما كانت قناعته الأكيدة في الحياة أنّ «الشر حدث مؤقت» وأنَّ الخير أصل الأشياء، غير أنَّ هذا اليقين، بدأ يتزعزع تحت وطأة الفظاعات التي شاهدها في الشهور الماضية.

تصاعد في الخارج صوت إطلاق الرصاص. سقطت قذيفة في ملعب الكرة الذي يتوسط الحيّ وأحدثت فجوة تتسع لدفن شاحنة كاملة. قال شهود عيان، لاحقا، أنَّ الأحياء المجاورة شهدت سقوط الكثير من القذائف غير أنَّ الخسائر كانت محدودة؛ انحصرت فقط في هلاك قطعان الخراف والماعز التي كانت ترعى بجوار النَّهر وفي تدمير بعض حظائر الأبقار وزرائب الفحم والأكشاك التي كانت تبيع فيها النساء رقائق الخبز المحلي. وفسَّر شهود الحادثة عدم وجود الخسائر البشرية بسبب نزوح أغلب سكان المناطق المجاورة نحو المدن التي لم تطالها الحرب بعد.

في غضون ذلك، كان هو في شغلٍ عن الأحداث الجاريَّة حوله، نظراً لانهماكه الشديد في أعمال الحديقة الخلفية، التي أهملها طويلا، طيلة الفترة الماضية.

كان يسعى للانخراط، بكل حواسه، وبتركيز شديد، لـتأبيد لحظات اندماجه مع نباتاته في حديقة المنزل الخلفية، لأطول وقت ممكن، في محاولة يائسة لعزل أفكاره وأحاسيسه عن مشاهد الرعب والفجيعة التي باتت تسعى على قدمين في الطرقات.

بفضل تلك الحيلة الذهنية التي ابتكرها في الأيام الأولى للحرب، كان السيد «أيوب عبد التواب»، يستغرق في العمل داخل الحديقة، لساعات طويلة، وكان لا يخرج عن استغراقه ذاك الا حين تهتز الأرض تحت قدميه بسبب انفجار قذيفة في الجوار، أو صوت دانة قادم من جهة الشرق -حيث تشتد المعارك الطاحنة-أو دويّ مدافع الدبابات التي كان الجنود يطلقونها بسخاء نحو أهداف غير مرئية.

اعتاد على سماع صوت طلقت الرصاص ودوي المدافع ودمدمة انفجار القذائف. ومع مرور الوقت، أضحى يميز صوت القذيفة من صوت طلقة الكلاشنكوف وطلقات مدافع الدبابات الآلية. أصبحت له خبرة كافية في التعامل مع الواقع الجديد، بلا تذمر ولا نأمة شكوى واحدة. بيد أنَّ رعبه الأساسي، كان وما زال من ضربات الطيران الحربي العشوائية، إذ بدا له أنَّ الطيارين كانوا يطلقون الصواريخ ويلقون بالبراميل المتفجّرة حيثما اتفق، بحيث كانت، على الدوام، لا تصيب أهدافها المطلوبة.

أنحى باللائمة على الطيارين عندما دكوا حظيرة أبقار كاملة، وخلّفت الحادثة ما يقارب هلاك المئة بقرة ظلت جثثها مكومة فوق بعضها لأيام إلى أن قام بحرقها مجموعة من المتطوعين، بعد أن أصبحت الرائحة لا تطاق. غير أنه، كعادته في ترتيب الأمور، وضع قائمة بالأسباب التي حدت بالطيارين عن عدم إصابة أهدافهم. وضع في أول القائمة علة العمى كمبرر لعدم إصابة الأهداف. غير انه وجد أنه هذه الحجة غير منطقية فاستبعدها. ربما كانت لدى الطيار الذي ضرب حظيرة الأبقار مشكلة مع بهيمة الأنعام بصورة عامة أو ثأر قديم مع صنف الأبقار بصفة خاصة! وقفزت إلى ذهنه حجة أخرى مفادها أن الطيار ربما كان مخموراً وحدثت له زغللة في مجال الرؤية، بحيث أراد ضرب الأعداء فوقعت القذيفة -عن طريق الخطأ-فوق حظيرة الأبقار. علاوة على ذلك، أمعن في التفكير في سبب آخر أكثر منطقية. ولم يجد في جعبته حجة منطقية سوى الميل إلى الترميز والاتكاء على كتف البلاغة. ربما كان الطيار من المغرمين بالكناية والتلميح والتعريض، فأراد أن يوحي لنا بأنه ضرب حظيرة الأبقار، بحجة أنَّ جنود العدو تشارك هذه الحيوانات البريئة واحدة من صفاتها الحيوانية! ربما! ما أدراني!

بطبيعة الحال، لم تكن الحجج التي ساقها السيد «أيوب عبد التواب»، لتفسير حادثة حظيرة الأبقار، ليست سوى دريئة من مواجهة الواقع، وما كانت لتقنع أحداً بما فعله الطيران الحربي بتلك الأرواح، ولكنه، كان عاجزاً عن تبرير الأمر، فيما يبدو، لذلك انزلق لتلك التأويلات البعيدة.

في نهاية المطاف، نفض يده من المسألة كلها، ودار على عقبيه، والتقط المقص الصدئ وشرع في تقليم الأغصان المتسلقة لسور البيت. غمغم لنفسه، من بين أسنانه: «طفح الكيل»!

فور انتهائه من تشذيب الغصون الزائدة، أخذ يحفر الأرض المبتلة بمجراف حديدي، و غل مكتوم، كأنمَّا كانت التربة تدين له بالنقود!

في الخارج، كان القتال على أشده، يزداد ضراوة، وكانت المطاردات تجري بين الفريقين المتقاتلين، فيما مشاهد التوغل العسكري للمصفحات والمتحركات الآلية تترى، بلا انقطاع، وهي تتجول في شوارع الأحياء السكنية. كان، في تلك اللحظات، منهمكاً أشد الانهماك في عزق الأرض، وتقليب التربة، وخلطها بالأسمدة و طين البحر لتجهيز تربة طينية مناسبة لنمو شتول الورد. أخذ يقلم الأوراق الجافةّ حول أحواض ورد الجوري و يسمّد الأرض بروث البهائم الجاف فيما يديه تعملان على تفتيت الروث لقطع صغيرة. تناول مرشة الماء وأخذ يرش الأغصان وأوراق الأشجار لخفض سخونة قيظ النهار. فاح، على الفور، في الأرجاء، عبق روائح الورود والزهور. فرّك أصابع يديه في حبور إثر فراغه من تسميد التربة، وكأنه أنجز أكثر مهمة مقدسة في الكون! كان يدرك أنَّ التسميد هو الأساس السليم وصولاً إلى التزهير الكثيف لوردات الجوري. جالتْ بخاطره أفكار بهيجة بشأن مستقبل الحديقة، لكنها مع ذلك غائمة، مسربلة بضباب كثيف يجعله مترداً بشأن جدواها.

تضمنت خططه المستقبلية، في بداية الأمر، في بداية الأمر، بإنتاج عطور استثنائية من رحيق الورد، ومن بتلات وردة الجوري، كان يتطلع لصناعة المربى البيتية وتنكيه الفطائر والمخبوزات والمعجنات التي كان ينوي خبزها لأفراد عائلته عند عودتهم للبيت، بعد أن تضع الحرب أوزارها.

كانت نصيحة المسؤول عن إدارة المشاتل، في مصلحة الغابات، حاضرة في ذهنه على الدوام: «تجنّبْ زراعتها بجوار الأشجار الكبيرة لأنَّها تحجب ضوء الشمس وتمتص العناصر الغذائية من التربة». لسوء الحظ كانت مساحة حديقة المنزل مزدحمة بأشجار«اللبخ» العملاقة و«السنط»، وأنواع أخرى من أشجار الظل وكانت كلها أشجار كبيرة الحجم. لأنَّ «ورد الجوري يحتاج إلى ست ساعات من ضوء الشمس يومياً، فضلاً عن الري المعتدل لتجنُّب تعفن الجذور، وقص الزهور الذابلة لتحفيز النمو» على ذمَّة مجلة متخصصة في العناية بالورد. بيد أنَّ كل محاولاته لتطبيق تلك النصائح الذهبية باءت بالفشل.

ومع ذلك، جذبتْ انتباهه عبارة مشحونة بطاقة شعرية وردتْ في المجلة: «الورد يعشق الشمس». ناكف: «.. وأنا جنوب يحنُّ إلى برد الشمال».

كان يعلم، سلفاً، أنَّ نجاح زراعة الورد يعتمد على الري المستديم بحسب حالة الطقس؛ ففي الأجواء الحارة قد يحتاج للري مرة أو مرتين في اليوم، بينما يكفي مرة واحدة في الأسبوع في حالة اعتدال الطقس. وعليه أن يركز على ري الجذور بصورة جيدة. كما كان يدرك أنَّ التربة الطينية هي المعيار الذهبي لذلك داوم على خلط التربة بالسماد المصنوع من روث البقر لتغذية الفسائل. كانت النباتات المرفهة بحاجة إلى ضوء الشمس المباشر لفترات طويلة، لكن أشجار اللبج والسنط بأغصانها الطويلة والكثيفة ظلت تحجب أشعة الشمس من الوصول، بناء على ذلك قضى أغلب ساعات ذلك النَّهار في ازاحة الغصون وقصها إلى أن تمكَّن من صناعة بضع فجوات؛ تسللتْ خلالها أشعة الشمس وداعبتْ ذؤابات البراعم. همس متفاخراً: «السر يكمن في ثلاثة: الضوء، التربة الغنية والري المستديم».

تبيَّن له، خلال الأسابيع الأخيرة، أنَّ واقع الحرب يتعقد، يوما بعد يوم، وما من احتمال في تبدّل الأوضاع الجارية. اكتشف في داخله مساحة للتكيُّف مع تبدّل الأحوال بسرعة لم يعهدها في نفسه. أصبحت حديقة الورد الخلفية في منزلة حصن يحميه، أثناء ساعات اليوم، مما يجري في الخارج.

لم يكن أمامه إزاء ما جري سوى مزيد من الاستغراق في العمل في الحديقة.

فطن، من خلال خبرته المهنية السابقة، إلى أنّ التقليم المستمر لأوراق النباتات والورود ينطوي على أسرار مذهلة. فكان بمجرد ذبول وردة الجوري، مثلاً، لا يتركها على الشجرة، كان يسرع ويقص الفرع نزولاً بمقدار مناسب كل عدة أيام. هذا العمل يحفز الشجرة لإنبات غصنين جديدين وزهرتين بدلاً من واحدة.

أمعن النظر مليّاً في هيئة وردة جديدة نبتتْ في الحوض الفخاري الذي جهزه الأسبوع الفائت. تأمّل لونها الأحمر القاني بسرور، ومع ذلك تَنَبَّهَ إلى مفارقة مدهشة كانت تجري فصولها أمام ناظريه، طيلة الوقت. استنتج، في نهاية المطاف، أنَّ ما يجري في الخارج، ليس أكثر من الخراب والدمار، بينما ما يجري في الداخل- داخل الحديقة- فعلياً، هو الوجه الآخر للحياة؛ حينما يحصل الإنبات والنمو والمخاض والولادة.

على أنَّه، صرخ، على نحو مفاجئ، كأنه على وشك اكتشاف اختراع غير مسبوق:

- «مهلا! هناك أزهار تفترس الفراشات!»، سكت للحظات وجيزة، ثم انفجر مرة أخرى: «بينمابعض الأزهار تلتهم نفسها في مواقف الإكراه».

«العاشر من يناير!» - همس لنفسه في وجل. تلفت حوله، في خشية وفزع غير مبررين، وكأنمَّا مئات الأعين تسترق النظر -خلسة- لردائه الخاكي القصير، ولشعر رأسه الحليق، ولهيئة قميصه نص الكم الرّثة. داهمه، مرة أخرى، ذلك الشعور، الذي انتابه في فجر هذا اليوم، العاشر من يناير، من أنَّ الموت باشر عملية تجريف شاملة حواليه بجرافات هائلة الحجم، سرعان ما ستسوي جسده بالأرض وتهيل عليه أكوام الحطام والركام. إنّ الموت لن يعبأ بعدد أرقام الضحايا الهالكين من الذين طمروا في المقابر الجماعية، ولا أولئك الذين لحدوا في القبور العشوائية المتناثرة في عرصات البيوت المهجورة أو ساحات المدارس وميادين الكرة، حتى أولئك الذين دفنوا في الساحة الخاليّة خلف المسلخ، من الجهة الغربية للحيّ، بلا شواهد قبور تدلُّ عليهم.

نال منه التعب، بعد أن أمضى ساعات طويلة في الحديقة. مرق من الباب الخلفيّ المؤدي إلى باحة المنزل، متوجها صوب غرفته، وفي رأسه ترنُّ مفردة: «مأثرة!»، بمنوال متكرر. عندئذ، قرّر العمل على إنبات أكبر كمية من الشتول والورود، في داخل الحديقة، بضراوة لن يكون فيها هوادة، بعد أن وصل إلى قناعة مؤكدة أنَّ كل ما حوله، في الخارج، يتصدّع!

تذييل:

خابَ مسعى الراوي- الذي ظل يتسلّل إلى حديقة الورد الخلفيَّة، طيلة ساعات اليوم، لمراقبة الرجل، عن كثب، في الكشف عن خبيئة السيّد «أيوب عبد التوّاب»، فقد كان الأخير كتوماً، لا يفصح عما يدور في خاطره. غير أنَّ الراوي استدل إلى حقيقة واحدة، نتيجة لمراقبته الطويلة للرجل: سيحدث أمراً جليلا في العاشر من يناير!

III

المتن:

قطعَ السيّد «أيوب عبد التوّاب» مسافة «11» كيلومتراً، سيراً على الأقدام، إلى دكان البقالة الوحيدة التي تعمل في المنطقة، لشراء قنينة من زيت «عبّاد الشمس» وطبق بيض وعبوة من حليب «كابو» وكيس من الخبز ومستلزمات أخرى.

أحصى قائمة المشتريات المطلوبة، غيباً، في رأسه، حتّى لا يغفل غرضاً، كما هي عادته، على الدوام، ويتحتم عليه، بالتالي، السير لمسافة «11» كيلومتراً، مرة أخرى!

عندما وصل إلى موقع البقالة صادف جمهرة من الزبائن يتزاحمون أمام واجهة المحل لشراء اللوازم. كان بحسب تكهناته وتحليلاته السابقة للأوضاع، يعتقد أنَّ أغلب سكان المناطق المجاورة غادروا إلى البلدات والقرى والمدن الآمنة، خلا أنَّه: «ها نحن ذا..».

أجالَ بصره في الحشد الصغير، فرأى خمس نسوة طاعنات في السّن وحوالي عشرة رجال، فيهم ثلاثة في نفس عمره، والبقية في أعمار متقدمة، فضلا عن أربع أو خمس صبيان كانوا يلعبون بمرح أمام واجهة المحل. استرعى انتباهه صبي قصير القامة كانت عيونه تشعُّ بالمرح والشقاوة رغم أسماله البالية.

كانت المنطقة غارقة في الظلام بسبب انقطاع الكهرباء. استعان صاحب البقالة بفانوس بدائي يعمل بالجاوزلين لتبديد الظلام الحالك داخل المحل؛ كانت ذؤابته تزفر الدُّخان في وجهه الذي بدأ يرشح العرق جرَّاء ارتفاع درجات الحرارة.

تمكّن، بعد عناء، من الحصول على طلباته، وإن لم يظفر بالخبز الذي فرغت طاولته من وقت مبكر، فيما يبدو. نصحته امرأة تلبس ثوبا باليا، كانت تقف بجواره وتكاد تلتصق به، بشراء المكرونة للاستعاضة عن الخبز. هزَّ رأسه في نفاذ صبر، موافقا، ونظر لهيئتها الرثَّة بامتعاض، ومع ذلك لم يبتاع غرضا إضافيا.

وشوش الصبي المرح لرفيقه، مشيراً جهة السيد أيوب عبد التواب، من طرف خفيّ: «كئيب»!

ردَّد السيّد «أيوب عبد التوّاب» في نفسه:«كئيب وفاشل»! وأضاف بصوت تشوبه الشقاوة عندما اقترب من الصبية اللاهين: «غير أنَّني فاشل من طراز رفيع»! رفع الصبي الشقي نظره ناحيته لبرهة ثم استأنف اللعب مع رفاقه.

في طريق عودته للبيت، راودته رغبة عبثية كان يدرك لا جدواها، لكنه قرر تنفيذها على أي حال. دار في خلده أن يطلق العنان لنفسه ليصرخ بصوت عال- بهدف استعادة نبرة صوته الذي لم يسمع وقعه منذ شهور، أولا، ثم ليتيقن من أنه ما زال حياً، تجري في عروقه دماء الحياة- حين يصل إلى منتصف ميدان ملعب كرة القدم الذي يتوسط الحيّ.

حالما وصل إلى بقعته المفضلة في الملعب، وضع حاجياته على الأرض، وأفرد ذراعيه على اتساعهما، بعد أن نفخ صدره، وتأهب للصراخ.

عندئذ، اندفعتْ موجة قويّة من الأصوات الموسيقية الصاخبة، من مكبر صوت في الجوار. كانت أشبه بدفقة تيار كهربائي سرّتْ في جسمه وهزت كيانه. وقف مبهوتاً، وذراعيه معلقتان في الهواء، لا يدري ما يفعل بهما. على إثرها انطلق صوت مغني مبحوح كان يردّد أغنية ذائعة الصيت في زمان مضى، مطلعها: «أديني رضاك. قدامي سفر». أسقط في يده! وأخذ يقهقه بصورة هستيرية من الموقف إلى أن التقطت صدى قهقهاته الكلاب الضالّة في مكان ما وأخذت تنبح. دخله ذعر مفاجئ وتذكّر أنَّ الكلاب الضالة باتت تشكلاً خطرا على حياة الناس وتهاجم الأشخاص، بشراسة غير مسبوقة، بسبب السعار الذي أصابها نظراً لشحّ الطعام في كل المدينة.

التقط حاجياته من الأرض، وقذّ في السير مهرولاً لا يلوي على شئ.

غير أنَّ الخوف لم يفلح في صرف انتباهه عن الصوت المتصاعد للمغني، فقد تابع مقاطع الأغنية التي كانت تصله شذرات منها بينما تتلاعب بها وتطوحها رياح أوّل المساء الشديدة. كانت الهبوب تؤرجح مقاطع الأغنية يمينا ويسارا، ولكنه، كان، بين حين وآخر، يلتقط مقطع هنا ومقطع هناك، إذ بدا له أنه كان يحفظ الأغنية عن ظهر قلب في شبابه. استمر في الاستماع لصوت المغنى الذي كان يتلكأ في بعض المقاطع إلى أن تلاشت أنفاسه واستسلم، في نهاية المطاف، وهتف صوت مخمور في المايك: «ما زال الليل طفلا...».

ما كاد يعبر ميدان ملعب كرة القدم من جهته الغربية حتّى تطلّع نحو السماء بحركة تلقائية. كان وسط السماء متوهجاً بالأضواء والأنوار الكثيفة، على غير العادة، وخمَّن أنَّ سبب ذلك التوهج ليس سوى الأنجم والشهب والنيازك التي تهوي في لجّة الفضاءات البعيدة، ولم يدر بخلد السيّد «أيوب عبد التوّاب» أنَّ السماء، في تلك الليلة؛ ليلة العاشر من يناير، كانت مزدحمة بالأقمار الصناعية وطائرات «الدرون» والمسيرات وأجهزة التشويش، فضلا عن الطيران الحربي الذي يخطئ إصابة أهدافه العسكرية، على الدوام. في وقت، كانت البعثات الدبلوماسية تُجلي رعاياها، في جانب آخر من المدينة، وهي تراقب الوضع، عن كثب، من خلال أجهزة الرصد والمتابعة، على متن حاملات الجنود الضخمة، في عرض البحر الأحمر.

دمدم الرعد في مكان بعيد، أعقبه صوت مدافع وقذائف راجمات، وقرع متوالٍ وإرزام، وشعّ ضوء كاشف في بقعة ما، لم يتمكن من التكهن ما إذا كان الضوء ناتج عن البرق أو بسبب القذائف وضرب المدافع. غمغم بغضب مباغت لا يدري باعثه: «فلتمطر الحصى والرعود ولتدك الصواعق الأرض».

تَحَيَّر من نفسه ومن سورة الغضب التي اجتاحته. همس لنفسه: «ثُبْ إلى رشدك يا رجل».

تنجرف الذاكرة للوراء وتسترجع أحداث الماضي: ولسببٍ ما، طافتْ بذهنه صور أفراد عائلته التي فرّتْ نحو المدن الآمنة عندما اشتد القتال: أولاده الإثنين «صابر» و«ماهر» وشقيقته «ميمونة عبد التواب» وعماته وخالاته، فيما عبر، أمام ناظريه، شريط طويل من صور الأهل، مثل فيلم سينمائي. كان «صابر» نبيها ومرحا، لكنه كان يأبى أن يبلغ سن الرشد شأن من في عمره بسبب تصرفاته الطفولية، فيما كان «ماهر»- الأكبر سناً، غامضاً وغير مفهوم، ولم تزايل ملامح وجهه سيماء الصبية الأشقياء. تجشمّ حمل أعباء الجميع، لسنوات طويلة. وكانت نقطة ضعفه الأساسية شقيقته «ميمونة»- صاحبة أجمل ابتسامة عفوية يمكن أن تفترَّ عنها شفتان، كانت تشاغبه بالشيب الذي وخط شعر رأسه في وقت مبكر، بقولها: «أخبرني، يا أيوب، يا ابن أمي: عندما تطعن في السن، وأنت بهذا الشعر الأبيض، هل ستبيّض سحنتك السمراء أم ماذا سيطرأ عليك من تغيير حتى نعرف أنَّك تقدّمت في العمر؟» وتنطلق ضاحكة ويهتز جسمها بشدّة. كان يحمل همها، هي أيضاً، فقد بدا له أنَّ قطار الزواج قد فاتها بعدة محطات، وها هي الأوضاع الجاريّة تزيد الأمور تعقيدا على تعقيدها السابق، وتبث في روحه القنوط من كلّ شيء.

في تلك الليلة، فطن إلى الحقائق العادية والمحزنة في عين الوقت: لقد أمضى معظم أيام حياته منتظراً في الأرصفة والمحطات، بينما كان قطار الحياة يمرُّ من أمامه، وهو يعاين لنوافذ القطار المضيئة تمرُّ بإزائه بلا اكتراث.

في المشوار، بين البيت ومحل البقالة، دارتْ في ذهنه خواطر متشابكة وعويصة. لأول مرة، يكابد الأسئلة. لم يخطر بباله أنه كان ينهض بثقل شتى أصناف الأعباء في صدره. لا يدري من أين تخرج كل تلك المخاوف.

منذ تلك الليلة لم يعد يعبأ بأن يطرح على نفسه سؤاله المعتاد: متى يتحقق ما أتوق إليه؟ بالأحرى، أَضْحى يطرح على نفسه مسألة أخرى: ماذا أصنع بما كسبت؟

لاحظ أنَّه بدأ ينزلق إلى فخاخ التساؤلات غير المجدية. كان قد أرغم نفسه، منذ زمان بعيد، على عدم الانشغال بطرح أسئلة الحياة المستعصية. عزم على أن يعيش حياة خالية من الأسئلة والقلق.

ندّتْ عنه آهة متألمة إثر تعثره في حجر كاد يقلع ظفر رجله اليسرى.

بدا يستشعر فتنة الموت وهشاشة الحياة التي باتت عرضة للتزعزع الدائم، في كل خطوة يخطوها، بيد أنَّه قذَّ في السير الى أن وصل إلى مشارف الحي.

الشوارع المؤديّة لبيته غارقة في الظلام. وبدا له أنَّ الظلمة الحالكة التي تحتل الجهات الأربع، أشبه ببروفة مرتجلة لنهاية الحياة في الكون.

حين شارف الوصول إلى البيت، أبصر في العتمة أضواء متقطعة لمصابيح وكشافات صغيرة تتحرك في جنبات حديقة الورد الخلفية. جمد في مكانه وكمن خلف شجرة السنط المقابلة للبيت. اتاح له موقعه مراقبة حركة المتحركين في الداخل. ظن اول الامر أنهم مجموعة لصوص صغار، لكنه ما لبث أن تبيّن الأصوات. بدت له الأصوات غريبة أول الأمر، لكنه سرعان ما عرف نبرة أصوات الجنود. ثم تعالت الأصوات الصاخبة للجنود، والضجيج المصاحب لأعمال التهشيم والتحطيم وإتلاف المقتنيات في الحديقة. شاهدهم يكسرون جرار الفخار التي صنعها بيديه والأصائص التي أنفق الساعات الثمينة في زخرفة جوانبها وصقل سطحها الأملس. حدق إليهم من مكمنه بعيون تقدح شرراً، حين مزقوا الأبسطة وأتلفوا أحواض ورد الجوري.

تذييل:

قرر الراوي التَدَخُّل في هذه المرحلة من مسار الحكاية. وكان من طبع الراوي أن يتدخل، دائماً، في اللحظات الدرامية والمفصلية، فهو راوٍ يعشق التشويق ويحلم بالإثارة. علّق على ما جرى بالتالي:

كان في وسع السيّد «أيوب عبد التوّاب»، الصفح عن هفوات المقاتلين الصغار من ذوي الشعور الملتفة الذين اقتحموا البيت مثل الثيران الهائجة ولطخوا عمامته بالدقيق والسوائل المتسخة، كان يمكنه- بلا شك- مسامحتهم إذا كانوا اكتفوا فقط بذبح الشاة في الزريبة، او بعثروا ملابسه في الدولاب أو عبثوا بمحتويات المطبخ وتقاذفوا كرات العجين أو لعبوا بريموت التلفاز الذي لا يعمل واستعملوه مثل الهاتف، أمَّا أن يدنسوا حرم حديقة ورد الجوري الخلفيَّة التي أنفق سنوات زاهية من عمره في انباتها، وإزهار ورودها وإخضار شتولها وتغذية تربتها بالأسمدة، فان هذا لا يسامح فيه ولا يغفره مطلقاً!

IV

المتن:

لطالما كان السيد «أيوب عبد التوّاب» يقدّر ويتقن العمل اليدوي.

كان بعض أهل الحيّ- من الجيران- يلتمسون منه صناعة المصايد للفئران التي انتشرتْ في كامل المنطقة، قبيل الأحداث الأخيرة، لأسباب مجهولة. فيما كان آخرون يستعينون بخدماته لعمل الفخاخ لصيد الأرانب والثعالب المنتشرة جهة الغابة التي تتاخم مبنى المسلخ، في الجهة الغربية من المنطقة. في حين، كان السيد «أيوب عبد التوّاب»، من تلقاء نفسه، يتطوع لحياكة أكفان الموتى. وفي غضون ذلك، كانت بعض السيدات الطاعنات في السن، يرجون- بأصوات مشروخة- مساعدته في لف سيجارة «القمشة»، التي كان يبرع في دَرزْ طياتها، بإتقان، لا نظير له، لتستوي بين يديه، في لحظات، إلى تحفة فنية. وكان يقوم بكلّ هذه المهام والواجبات، عن طيب خاطر، بحسبان أنَّها ضرب من المهارات التي تروق له ويحذقها.

رسخ في أذهان أهل المنطقة أنّ السيد «أيوب عبد التوّاب» يمتلك أصابع ذهبية بمستطاعها إعادة تشكيل الاشياء المهملة والميّتة وبعث الحياة فيها.

عكف السيّد «أيوب عبد التوّاب»، طيلة أمسية يوم العاشر من يناير، على صناعة ما أطلق عليه «المتحركات الشبحية المرعبة» والفزّاعات الخشبية من الأقمشة المهترئة وجوالات الخيش القديمة وعصي الخيزران والقنا، بعد أن داهم الجنود حديقة بيته الخلفيّة.

أحضر دليل الأعمال اليدوية الذي أعدّه وخطَّ صفحاته الخمسين بيده. قلَّب صفحات الدفتر المستطيل بسرعة، إلى أن عثر على الفصل الخاص بصناعة هياكل الفزّاعات وخيال المآته. باشر على الفور، في وضع خطة أطلق عليها اسم: «حملة تحرير حديقة الورد الجوري الخلفيَّة»، على غرار ما ظل يفعل على الدوام بشأن وضع التدابير والخطط.

في البداية، خَصَّصَ قائمة بالأدوات والمستلزمات المطلوبة، على النحو التالي: عصا خشبية بطول «90 سم» / مجموعة مفاتيح براغي/حقيبة من الخيش أو القماش الخشن/ غراء ساخن/ خيط متين وإبرة/ ملابس قديمة ومكملات تزيين/ قميص مربع النقش/ صحف قديمة/ أكياس بلاستيك/ مطرقة /مقص/ ومثقاب يدوي/ قفازات/ بذلة الورشة وقبعة من القش.

من حسن الحظ الطيب، عثر على أغلب الأدوات اللازمة في الدواليب الخشبية القديمة والصناديق الورقية التي كانت ملقاة بإهمال في أرضية المخزن الذي استأجره لأغراض ورشته الخاصّة، قبالة البيت.

يبدو أنَّ مشهد رؤية السيّد «أيوب عبد التوّاب»، للجنود وهم يعبثون ويحطمون حديقة الورد الخلفية في منزله، فجّر في داخله توقٌ لا يقاوم لنصب المصائد وصنع الفخاخ، بعد أن استدعى كامل مهاراته القديمة، التي تدرّب عليها، طويلاً، أثناء عمله في مصلحة الغابات، في الربع الثاني من القرن الماضي.

تسلل مسرعا إلى المخزن المقابل للبيت وجمع المستلزمات المطلوبة لصناعة الفزاعات وشرع يعمل في سرعة واتقان. أَزْمَعَ تشكيل فصيلة من المتحركات الشبحية والفزّاعات- يتراوح عددها بين 12 إلى 24 قطعة- من خلال بناء مجسّمات هياكل بشرية وهمية يستخدم فيها المواد والأدوات المتاحة في المخزن.

قَدَّرَ، من الوهلة الأولى، أن يبدأ ببناء هيكل الفزاعة، أوّلاً، بحسب توجيهات دليل الأعمال اليدوية. بناء على ذلك، أمسك عصا بطول «90 سم»، على نحو أفقي، بموازاة، عند النصف العلوي، عصا رأسية بطول «240 سم»، وبذلك استوت بين يديه أكتاف الفزّاعة.

بعد ذلك مباشرةً، عمد إلى تثبيت العصا الأفقية فوق العصا الرأسية بالمسامير والمطرقة، وزاد من تثبيتها باستخدام الغراء ولفائف متينة من الحبال السميكة.

ألقى نظر سريعة على الهيكل الأولى، وقرر أن يكسو الهياكل بالأزياء. أحضر قميصا قديما وأدخل طرفي العصا الأفقية في أكمام القميص، ثم أحكم إغلاق الأزرار وعقد أكمام القميص والجزء السفلي منه بخيوط متينة. في غضون ذلك، طفق يحشو القميص بالأوراق والملابس القديمة والقش وأوراق الشجر وقطع الخشب الصغيرة وأكياس البلاستيك وقصاصات من القماش المهترئة. وحالما تَبَيَّنَتْ أمامه أجزاء جسد الفزاعة، فرك أصابع كفيه في غبطة واستأنف العمل بصورة محمومة.

بعد أن انتهى من عمل الهيكل، كسا الفزّاعة ببذلة الورشة، ووضع حمالات البذلة على كتفيها، وربط أطراف السروال بالحبال، وقام بحشو الرجلين بالخِرق والأوراق القديمة. كان عليه أن يعمل على إبراز اليدين، داخل الأكمام، باستخدام القفازات المطاطية بعد أن قام بتعبئتها بحشو كاف، وظهرت تماما مثل اليدين.

من داخل دولاب قديم، أحضر حذاء عتيق عالي الرقبة ووضع أطراف رجليّ البذلة داخله وشرع في تثبيته من خلال حياكة فردتي الحذاء بطرفي السروال بالغراء والشريط اللاصق.

استحسن شكل الهيكل الذي انتصب أمامه وبقيت أمامه مهمة تشكيل الرأس:

لصناعة رأس الفزاعة أَكَّبَ على استعمال جوال من الخيش. عبأ الجوال بالحقائب البلاستيكية القديمة، وعمل على استدارتها، إلى أن أصبحت أشبه بالرأس. وضع جوال الخيش المعبأ في منتصف قطعة كبيرة من الخيش، ورسم حولها دائرة أكبر. اختار ثمرة قرع كروية الشكل، ذات سطح أملس، لعمل رأس الفزاعة، وحفر ثقبا عند قمة الثمرة، وأخذ يعمل بمدية حادة في رأس الفزاعة لحفر ملامح الوجه: رسم الأنف أولا، بالقلم الأسود، ثم العينين، ورسم الفم على شكل خط متعرج وأخيرا رسم ملامح الأُذنين. وفي النهاية، أدخل رأس الفزاعة الذي صنعه لتوه في العصا الرأسية ليحصل على العنق.

ينبغي عليه بعد أن انتهى من عمل الرأس ورسم ملامح الوجه أن يكسب الجمجمة الشعر. ألصق كومة من القش برأس الفزّاعة وبدا الشعر فوضويًا واتخذت شكلا مرعبا، يدخل الفزع في النفوس، ومن ثم، وضع قبعة من القش على رأس الفزاعة وألصقها على الرأس، وربط عصابة حمراء عند الرقبة، وأخيرا قام بتزيين القبعة بالزهور البلاستيكية ذات الألوان الصارخة.

عاين للهيكل الذي صنعه بعين الرضا، غير أن روح اللهو الشريرة تلبسته، على حين غرة، فقام بلصق غليون في فم الفزاعة، وغبط نفسه على ما فعل.

غير أنَّه رأي أنَّه، من الأفضل، لزيادة الفاعلية، أن يضيف عنصري الصوت والحركة لهياكل الفزّاعات العشرين. أجرى ربط لقطع من الأشرطة البلاستيكية والأكياس الشفافة الخفيفة بأطراف أذرع الهياكل، تمهيدا لتحريكها، لاحقاً، وتوفير خاصيَّة اصدار الصفير مع اشتداد الرياح، الأمر الذي أضفي-فعلياً- على هياكل الفزّاعات عنصري الرعب والإفزاع. وفي المرحلة الأخيرة، تعيَّن عليه تمرير خيط غير مرئي متصل بأذرع الهياكل، وسحبه، من مكمنه، لتحريكها عندما تقتضي الضرورة.

حان الوقت لوضع اللمسات الأخيرة على هياكل مخلوقاته الخشبية الفاتنة والمرعبة، في آن، استعداداً لتحريكها صوب مواقع الهرج الصاخب في حديقة الورد الخلفية، لقطع دابر الشغب في مهده، قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة. كزَّ أسنانه ووشوش في أُذن قائد فصيلة هياكل الفزَّاعات، بصوت أشبه بالفحيح: «حان موعد دفع الثمن ووضع الأمور في نصابها الصحيح».

رصَّ هياكل الفزاعات الخشبية في خط مستقيم وصفَّها في وضع الهجوم، بعد أن زوَّد الهيئات الشبحية بالنشاب والأسهم والعصي وسائر أنواع السكاكين الحادّة وخليط من الأسلحة البيضاء. عند ذلك الحدّ تراجع للوراء، وأمسك بأطراف الخيوط البلاستيكية الرفيعة–غير المرئية، وبات على أهبّة الاستعداد لنفخ الروح- بأصابع يديه الذهبية-في كائناته الخشبية، وبث روح الحياة في هياكلها لتغدو كائنات من لحم ودّم.

تذييل:

بيد أنَّ الراوي، حين أبصر- من وراء موضع اختبائه- هياكل الفزّاعات المرعبة، ذات الشعور الفوضوية، متراصة في صف طويل، وعلى أهبَّة الاستعداد للهجوم، ومن خلفها يقف السيد أيوب عبد التوّاب، ممسكا بخيوط غير مرئية، هتف بأعلى صوته في اندفاع:

  • (هجووووم) !