الأربعاء 12 أغسطس 2026
من بين تسع دول أفريقية بلغت دور الـ32 في كأس العالم المقامة في الولايات المتحدة، ودّعت سبعة منتخبات المنافسات، كان بينها ستة منتخبات من أفريقيا جنوب الصحراء هي: السنغال، وغانا، وكوت ديفوار، والرأس الأخضر، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وجنوب أفريقيا، فيما نجح منتخبا مصر والمغرب فقط في العبور إلى الدور الـ16.
المثير في هذا المشهد أن معظم المنتخبات الأفريقية التي خرجت من البطولة كانت الطرف الأفضل في فترات طويلة من مبارياتها، لكنها فقدت الأفضلية في اللحظات الحاسمة. فالسنغال، على سبيل المثال، حافظت على تقدمها أمام بلجيكا حتى الدقائق الأخيرة، قبل أن تقلب بلجيكا النتيجة وتحسم اللقاء. وهو ما علّق عليه مدرب المنتخب البلجيكي رودي غارسيا بقوله: "هذه المنتخبات الأفريقية تفقد تنظيمها التكتيكي، وتغيّر خططها في الدقائق الأخيرة."
تكرر السيناريو نفسه مع كوت ديفوار التي قدمت أداءً قوياً أمام النرويج، كما ظهر بصورة لافتة في مباراة الرأس الأخضر أمام الأرجنتين، بطلة نسخة قطر 2022، إذ نجحت في تسجيل هدفين وقدمت واحدة من أفضل مبارياتها، قبل أن تخسر بنتيجة (3-2). وعند متابعة هذه المباريات مجتمعة، يبرز نمط متشابه في طريقة خروج عدد من المنتخبات الأفريقية؛ أداء تنافسي قوي وقدرة على مجاراة المنتخبات الكبرى، لكن مع صعوبة في الحفاظ على التركيز والانضباط التكتيكي حتى صافرة النهاية، لتتحول أفضلية المباراة في دقائقها الأخيرة إلى خسارة متكررة.
هذه الهزائم ثقيلة جداً وغير مستحقة بعد التفوق في معظم فترات هذه المباريات، وقدموا أداء مميزاً وصنعوا الكثير من الفرص. هذه الحالة التي يمكن وصفها بالانسحاق التام إذ تشعر المنتخبات الأفريقية "دائما" أنها أقل من المنتخبات الأوربية ذوي البشرة البيضاء. هذا العامل قد يكون نفسي بفعل النظرة الأفريقية للمنتخبات الأوربية، ولاسيما الكبرى، بأنها دائما الأفضل، ولا يمكن هزيمتها، ويساهم في ذلك أيضا وسائل الإعلام التي تضخم وتروج للمنتخبات الأوربية.
هذه ليست جروحا جديدة في تاريخ الكرة الأفريقية، بل هي نمط يتكرر منذ عقود. ففي كأس العالم 1990 بإيطاليا، كان منتخب الكاميرون، بقيادة الأسطورة روجيه ميلا، متقدما بنتيجة (2-1) على إنجلترا في الدور ربع النهائي، ولم يكن يفصله عن أن يصبح أول منتخب أفريقي يبلغ نصف نهائي كأس العالم سوى ثماني دقائق. كان الحلم الأفريقي على وشك أن يتحقق، قبل أن تتسبب أخطاء دفاعية في قلب مجريات المباراة، ويسجل غاري لينيكر ركلتي جزاء حسمتا اللقاء لصالح إنجلترا، لتضيع فرصة تاريخية كانت ستغيّر مسار الكرة الأفريقية.
النتائج أعادت طرح السؤال القديم نفسه: لماذا تتكرر الخسارة بالطريقة ذاتها، رغم تقارب المستوى، بل وتفوق المنتخبات الأفريقية في كثير من فترات المباريات؟
تكرر المشهد بعد أربع سنوات في كأس العالم 1994 بالولايات المتحدة، عندما تقدم منتخب نيجيريا على إيطاليا بهدف دون رد في دور الـ16، وظل محافظا على تقدمه حتى الدقائق الأخيرة. كان التأهل إلى ربع النهائي على بُعد لحظات فقط، لكن روبرتو باجيو أدرك التعادل قبل نهاية الوقت الأصلي بدقيقتين، ثم عاد ليسجل هدف الفوز في الوقت الإضافي، لتنتهي مغامرة "النسور الخضر" بالطريقة ذاتها؛ أداء كبير، واقتراب من إنجاز تاريخي، ثم انهيار في اللحظات الحاسمة. لقد أصبحت مثل هذه النهايات المتكررة جزءًا من الذاكرة الجماعية للكرة الأفريقية، أكثر من كونها مجرد نتائج مباريات.
فعلى الرغم من التطور المستمر في مستوى المنتخبات الأفريقية، فإن القارة لم يسبق لها أن دفعت بثلاثة منتخبات إلى دور ثمن النهائي في كأس العالم. وأقصى ما حققته كان تأهل منتخبين فقط في مناسبتين؛ الأولى في مونديال البرازيل 2014 عندما صعدت الجزائر ونيجيريا، قبل أن يودعا البطولة من الدور ذاته، والثانية في مونديال قطر 2022 عندما بلغ المغرب والسنغال الدور نفسه، بينما واصل المغرب رحلته التاريخية إلى نصف النهائي.
هنا يظهر ما يُعرف بـ"الزخم النفسي"، حيث تشير الدراسات إلى أن الحدث الحاسم داخل المباراة قد يغيّر إدراك اللاعبين لفرصهم في الفوز، حتى وإن ظلت النتيجة متقاربة. ففي تجربة نُشرت في دورية "Science and Medicine in Football"، طُلب من 86 لاعب كرة قدم تخيل سيناريوهات مختلفة لمباريات نهائية، تضمّن بعضها تسجيل فريقهم هدف التعادل، بينما تضمّن بعضها الآخر استقبال هذا الهدف. وأظهرت النتائج أن اللاعبين الذين تخيلوا فريقهم يسجل هدف التعادل في الدقيقة الثانية والتسعين شعروا بثقة وحماس وإحساس بالسيطرة أكبر بكثير مقارنة بمن تخيلوا تسجيل الهدف نفسه في الدقيقة الحادية والستين. وعلى العكس، كان استقبال هدف التعادل في اللحظات الأخيرة أكثر تدميرًا للثقة من استقبال الهدف نفسه في وقت مبكر. وتساعد هذه النتائج في تفسير ما يحدث عندما يسجل فريق كبير هدفًا متأخرًا؛ إذ لا يضيف الهدف نقطة إلى لوحة النتائج فحسب، بل يغيّر الحالة النفسية للفريقين معًا، فيصبح أحدهما أكثر جرأة، بينما يتحول الآخر إلى حالة من القلق والدفاع المفرط.
بالرغم من ذلك، حملت هذه النسخة مؤشرًا مختلفًا، إذ شهدت للمرة الأولى تأهل تسعة منتخبات أفريقية إلى دور الـ32، وهو رقم يعكس اتساع الحضور الأفريقي وارتفاع مستوى المنافسة، ويشير إلى أن كرة القدم في القارة تدخل مرحلة جديدة من النضج والتطور. غير أن النتائج أعادت طرح السؤال القديم نفسه: لماذا تتكرر الخسارة بالطريقة ذاتها، رغم تقارب المستوى، بل وتفوق المنتخبات الأفريقية في كثير من فترات المباريات؟
وربما يكمن التحدي اليوم في تحويل هذا التفوق الفني والبدني إلى قدرة على إدارة المباريات حتى صافرة النهاية. فالكرة الأفريقية لم تعد تعاني نقصًا في المواهب، بل على العكس، أصبحت تمثل أحد أهم روافد كرة القدم العالمية؛ إذ تعتمد كبرى الدوريات الأوروبية على اللاعبين الأفارقة أو اللاعبين المنحدرين من أصول أفريقية، الذين يشكلون جزءًا أساسيًا من نجاح أبرز الأندية والمنتخبات. ومن ثم، فإن ما ينقص المنتخبات الأفريقية لا يبدو متعلقًا بالإمكانات الفردية، بقدر ما يرتبط بإدارة التفاصيل التكتيكية والذهنية في اللحظات الحاسمة، وهي التفاصيل التي حسمت كثيرًا من المواجهات السابقة، وما زالت تؤجل تحقيق الإنجاز الجماعي الذي تنتظره القارة منذ عقود.
لقد أصبحت مثل هذه النهايات المتكررة جزءًا من الذاكرة الجماعية للكرة الأفريقية، أكثر من كونها مجرد نتائج مباريات
لقد نجحت المنتخبات الأفريقية في هذه النسخة، رغم نتائج عدد منها، في كسر كثير من المسلمات التي حكمت كرة القدم العالمية لعقود. فلم تظهر منتخبات مثل: الأرجنتين وبلجيكا وإنجلترا وإسبانيا والبرتغال بالتفوق الكاسح الذي اعتادت عليه أمام منافسيها الأفارقة، بل على العكس، كشفت المباريات عن تقارب واضح في المستوى، بل وتفوق أفريقي في فترات طويلة من النواحي البدنية والتنظيمية والتكتيكية.
لقد عانت الأرجنتين أمام الرأس الأخضر، ووجدت بلجيكا وإنجلترا صعوبة كبيرة في تجاوز منافسيهما الأفارقة، وهو ما يعكس اتساع الفجوة التي كانت تفصل بين مدارس الكرة التقليدية والكرة الأفريقية. لكن ما ينقص العديد من المنتخبات الأفريقية هو القدرة على إدارة الدقائق الأخيرة، وحسم المباريات عندما تكون في متناول اليد.
وللفيفا رأياً في هذا الوضع، فما يُحتسب غالبًا من ضربات جزاء ومخالفات تمنع وتحرم المنتخبات الأفريقية من أهدافٍ محققة، لا يُحتسب مثيله على دول تقليدية في كأس العالم، وهو ما اتضح جليًا في مباراة المنتخب المصري مع المنتخب الأرجنتيني، بعدما ظلّت مصر متقدمة بهدفين دون مقابل على الأرجنتين حتى الدقائق الأخيرة، فتدخل الحكم ليلغي هدفًا للمنتخب المصري، ويحتسب ركلة جزاء للأرجنتين، بينما لم يحتسب ركلةً مشابهةً للمنتخب المصري. وهنا يكون للدعاية والرعاية والتمويل والمراهنات رأيٌ آخر.
تكتسب هذه النتائج أهمية أكبر إذا وُضعت في سياق الجدل الذي سبق البطولة. فعندما أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم عن توسيع كأس العالم إلى 48 منتخبًا، ورفع عدد المقاعد الأفريقية من خمسة منتخبات في مونديال قطر 2022 إلى ما يقارب ضعف هذا العدد في النسخة الحالية، واجه القرار انتقادات من بعض المسؤولين في الكرة الأوروبية.
كان رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم قد صرّح آنذاك بأن البطولة الموسعة ستؤدي إلى "الكثير من المباريات غير الشيقة على الإطلاق". غير أن المنتخبات الأفريقية قدمت ردًا عمليًا داخل الملعب؛ إذ أثبتت أنها لم تكن مجرد إضافة عددية، بل كانت طرفًا منافسًا قادرًا على إحراج كبار المنتخبات العالمية، وصناعة مباريات من الأكثر إثارة في البطولة.
"هذه المنتخبات الأفريقية تفقد تنظيمها التكتيكي، وتغيّر خططها في الدقائق الأخيرة"
تبرز هنا المراهنات التي قُدَّر حجمها على كأس العالم 2026، المقامة في الولايات المتحدة، وفق توقعات مؤسسة "H2 Gambling Capital"، بأن يصل إجمالي قيمة المراهنات العالمية على البطولة إلى نحو 60 مليار دولار أمريكي، بزيادة تبلغ 71٪ مقارنة بنحو 35 مليار دولار أمريكي جرى الرهان عليها خلال بطولة كأس العالم 2022 في قطر.
لا تقتصر إيرادات المراهنات على شركات المراهنات وحدها، بل يعود جزء كبير منها إلى قطاع كرة القدم عبر اتفاقيات الرعاية وحقوق استغلال بيانات المراهنات الرسمية. وتجسد بطولة كأس العالم 2026 هذا التشابك بوضوح، إذ لم تعد شركات المراهنات مجرد أطراف فاعلة في سوق موازية لكرة القدم. ففي يناير 2026، عيّن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) شركة Stats Perform أول موزع عالمي رسمي لبيانات المراهنات وحقوق البث المباشر المخصصة لقطاع المراهنات. وعزّزت الفيفا هذه الشراكات التجارية في مايو 2026 بإعلان تعيين شركة Betano، المملوكة لمجموعة Kaizen Gaming، «داعمًا رسميًا للبطولة» في أوروبا وأمريكا الجنوبية.