تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الاثنين 9 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
راهن

مطار الخرطوم.. رحلة العودة فوق حقل من الألغام والسياسة

3 فبراير, 2026
الصورة
مطار الخرطوم.. رحلة العودة فوق حقل من الألغام والسياسة
Share

رغم التهديدات المتكررة التي أطلقتها قوات الدعم السريع بشأن استئناف استهداف مدينة أم درمان، ورغم استمرار المخاطر الأمنية المرتبطة باستخدام الطائرات المسيّرة في محيط العاصمة، شرعت الحكومة السودانية في خطوات عملية لإعادة فتح مطار الخرطوم الدولي، في مؤشر سياسي وأمني لافت على سعي السلطة إلى إظهار استعادة تدريجية للسيطرة وعودة مؤسسات الدولة إلى العمل من قلب العاصمة.

وشهد المطار تنفيذ أول رحلة للناقل الوطني بعد فترة توقف طويلة فرضتها الحرب، في خطوة رمزية تحمل دلالات تتجاوز البعد التشغيلي، إذ تعكس محاولة رسم صورة جديدة للوضع الميداني، مفادها أن الخرطوم لم تعد منطقة عمليات مفتوحة، وأن الدولة ماضية في إعادة تشغيل المرافق السيادية رغم التحديات. وتأتي هذه الخطوة في وقت لا تزال فيه مناطق واسعة من العاصمة الثلاثية تعاني من آثار الدمار، وتتعرض بين الحين والآخر لهجمات بالطائرات المسيّرة، ما يثير تساؤلات حول مستوى الجاهزية الأمنية وقدرة السلطات على تأمين المجال الجوي والمنشآت الحيوية.

تنظر الحكومة إلى إعادة فتح المطار باعتبارها جزءاً من مسار أوسع لإعادة تطبيع الحياة في الخرطوم، وتهيئة الظروف لعودة البعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية، فضلاً عن تسهيل حركة المسؤولين والوفود، وتقليل الاعتماد الكامل على مطار بورتسودان الذي تحوّل خلال الأشهر الماضية إلى البوابة الجوية شبه الوحيدة للبلاد. كما تسعى من خلال هذه الخطوة إلى توجيه رسالة سياسية داخلية وخارجية بأن ميزان القوة على الأرض آخذ في التحول، وأن تهديدات الدعم السريع لم تعد قادرة على تعطيل قرارات الدولة الاستراتيجية.

في المقابل، يقرأ مراقبون هذه الخطوة بحذر، معتبرين أنها تحمل قدراً عالياً من المجازفة في ظل استمرار الحرب وعدم الوصول إلى تسوية شاملة. فالدعم السريع لم يخفِ عزمه على إبقاء الضغط العسكري والنفسي على الحكومة، مستخدماً سلاح المسيّرات والضربات المتفرقة لإظهار قدرته على الوصول إلى أهداف حساسة، وهو ما يجعل تشغيل مطار دولي في هذا التوقيت خطوة محفوفة بالمخاطر، ما لم تُرفق بإجراءات أمنية استثنائية وضمانات واضحة.

تكتسب أول رحلة للناقل الوطني بعد إعادة الفتح أهمية خاصة، كونها تعيد إحياء رمز من رموز السيادة الوطنية التي تضررت بشدة منذ اندلاع الحرب. كما تمثل محاولة لإعادة الثقة في مؤسسات الدولة، وإيصال رسالة للمواطنين بأن الحكومة لا تزال قادرة على اتخاذ قرارات كبيرة من داخل الخرطوم، لا من عاصمة بديلة. غير أن هذه الرمزية تصطدم بواقع اقتصادي وأمني معقد، حيث يعاني قطاع الطيران من أضرار جسيمة، سواء على مستوى البنية التحتية أو الكوادر أو الأسطول.

وبينما تروّج الحكومة لخطوة فتح المطار بوصفها بداية مرحلة جديدة، يرى آخرون أنها جزء من معركة السرديات الدائرة بالتوازي مع المعركة العسكرية، حيث يسعى كل طرف إلى تثبيت صورة معينة عن موازين القوة. فبالنسبة للسلطة، فتح المطار يعني عودة الدولة، أما بالنسبة لقوات الدعم السريع، فإن استمرار التهديد والقدرة على الضرب يعني أن الحرب لم تُحسم بعد.

وفي ظل هذا المشهد المتداخل، يبقى مستقبل مطار الخرطوم، كما مستقبل العاصمة نفسها، مرتبطاً بتطورات الميدان وقدرة الأطراف المتحاربة على فرض وقائع مستقرة. فإعادة فتح المطار قد تمثل خطوة أولى نحو استعادة الحياة الطبيعية، لكنها في الوقت ذاته تظل اختباراً حقيقياً لمدى ما تحقق من سيطرة أمنية، ولقدرة الدولة على حماية أحد أهم مرافقها السيادية في بلد لم تضع الحرب أوزارها بعد.