الثلاثاء 19 مايو 2026
اختار الكاتب المغربي مصطفى لغتيري، وهو أحد أبرز أدباء الجيل الجديد في المنطقة العربية وأكثرهم إنتاجا، التركيز على الأدب الأفريقي في أولى أعماله الروائية من خلال رواية "ليلة أفريقية" التي استكشفت عالم الإنسان الأفريقي، وألقت الضوء على همومه ومشاغله.
في حوار خاص مع موقع "جيسكا"، أشار مصطفى لغتيري إلى أنه "حاول من خلال رواية ليلة أفريقية مقاربة هموم قارة ينتمي إليها، كما حاول كسر حاجز اللامبالاة التي يميز أدباء شمال أفريقيا عموما في تعاطيهم مع القارة الأفريقية ومشاكلها، حيث تعد الرواية من أول النصوص المغربية التي اهتمت بهجرة الأفارقة جنوب الصحراء نحو المغرب".
بيَّن أن "التجربة المريرة التي عاشتها القارة الأفريقية الناجمة عن الاستعمار والعنصرية والصراعات الإثنية قد ألقت بضلالها على الأعمال الأدبية في أفريقيا"، وفي تقديره "سيبقى الطابع الهوياتي والاحتجاجي طاغيا على كثير من الكتابات الأفريقية، لكن ذلك لا يمنع من ظهور إبداعات تلامس البعد الإنساني الأفريقي، وتنقل مشاكل عصره الاقتصادية والسياسية ومشاكل الهوية والتأقلم مع المستجدات التكنولوجية".
في معرض تقييمه لمدى حضور قضايا الراهن في الرواية الأفريقية والعربية عموما، رأى أنه "لزاما على الرواية في وقتنا الحاضر حتى وإن تنوعت أساليبها واتجاهاتها، أن لا تشيح بوجهها عن الواقع، وأن تقف وقفة تأمل وإبداع إزاء أوجاع الإنسان في لحظته الآنية وتصور استيلابه وعجزه تجاه التحولات السريعة، التي يعرفها العالم، وغربته داخل وطنه أو خارجه، من خلال مقاربة مواضيع مستجدة من قبيل الهجرة مثلا".
مصطفى لغتيري: بدابة أنطلق من تصور غالبا ما ينساه الكثيرون أو يتناسوه وهو أننا أفارقة بالدرجة الأولى، ننتمي لهذه القارة الجريحة التي عانت كثيرا من الجراح خاصة من خلال الاستعمار الأوروبي والصراعات الإثنية والمجاعات والأمراض، وغياب الاستقرار السياسي في كثير من دولها. وحين قاربت شخصيا بعض قضايا القارة الأفريقية أظن فقط أنني كنت وفيا لانتمائي الأصيل، إذ قاربت هموم قارة أنتمي إليها، وحاولت كسر حاجز اللامبالاة التي يميز أدباء شمال أفريقيا عموما في تعاطيهم مع القارة الأفريقية ومشاكلها.
وقد كانت روايتي "ليلة أفريقية" التي صدرت عام 2010 عن دار أفريقيا الشرق، من أول النصوص المغربية التي اهتمت بهجرة الأفارقة من جنوب الصحراء نحو المغرب، من أجل الدراسة أو باعتباره محطة عبور نحو أوروبا، وفي المدة الأخيرة من أجل الاستقرار والعمل كذلك، وقد حاولت في تلك الرواية إثارة الانتباه إلى العديد من المشاكل التي يواجهها هؤلاء المهاجرون، خاصة وأن المغاربة عانوا ويعانون بدورهم من مشاكل الهجرة في أوروبا، مما يجعل المقارنة تفرض نفسها، فبعض الناس يرفضون معاملة الأوربيين لمهاجري شمال أفريقيا، فيما يقومون بنفس التصرف العنصري تجاه مواطني جنوب الصحراء.
مصطفى لغتيري: للأسف إن التجربة المريرة التي عاشتها القارة الأفريقية كانت قوية جدا وتأثيرها ممتد في الزمان، لذا من الصعب التخلص منها بسهولة، فامتداداتها ما زالت قائمة، خاصة مع توالي الصراعات الإثنية، التي ساهم في تأجيجها الاستعمار بشكل مباشرة من خلال هندسة حدود لا تراعي الخصوصيات القبلية والإثنية للدول، فضلا على أن المهاجرين الأفارقة ما زالوا يعانون الكثير من العنصرية، مما يجعل الجراح غائرة، وستظل مفتوحة تنزف باستمرار، فالأدب لا محال أنه سيتأثر بكل ذلك، وسيبقى الطابع الهوياتي والاحتجاجي طاغيا على كثير من الكتابات الأفريقية. لكن ذلك لا يمنع من ظهور إبداعات تلامس البعد الإنساني الأفريقي، كفرد يعاني من مشاكل عصره الاقتصادية والسياسية ومشاكل الهوية والتأقلم مع المستجدات التكنولوجية ووسائل الاتصال الحديثة والعولمة، وغيرها من المعضلات التي يعاني منه الإنسان في كل مكان على وجه البسيطة.
مصطفى لغتيري: نعلم جميعا بأن أفريقيا تتميز بتنوعها الجغرافي والعرقي والإثني واللغوي والديني والثقافي، وهذا التنوع سيف ذو حدين؛ ففيه إغناء للثقافة المحلية وأدبها. لكنه قد يجعل تأثير هذا الأدب وانتشاره محدودين، فهناك لغات ولهجات يتحدث بها قلة قليلة من المجموعات البشرية داخل القارة، ولعل كل ذاك ما يجعل الحظوة ما زلت للغة الإنجليزية والفرنسية في القارة، فالكتاب الذين لفتوا الانتباه عالميا هم الذين يكتبون بهاتين اللغتين.
مع ذلك، فإنني أومن بأن هذا التنوع إيجابي، وأن المحلية قد تكون الطريق الأمثل نحو العالمية، إن وجدت الكاتب المبدع الذي يتعاطى معها بعمق، ويكشف خباياها للمتلقي. وهذا بالفعل ما حدث على مستوى العالم في تجارب أدبية محلية استطاعت أن تفرض نفسها رغم أن البعض يعتبرها مغمسة في طابعها المحلي، كما حدث ببعض الروايات في الهند مثلا.
مصطفى لغتيري: تعتمد الكتابة الروائية في عمومها على تعدد الفضاءات والأمكنة التي يوظفها الكاتب من أجل منح النص الروائي القدرة على التطور، كما يفتح المجال للشخصية للنمو، بحيث تصبح شخصية نامية ودينامية من خلالها تفاعلها مع الأماكن والأحداث التي تقع فيها، ولا يخفى على أحد أن هذه الأماكن قد تكون متخيلة، ولكنها في الغالب تكون ذات مرجعية واقعية أو تاريخية، وذلك لتحقيق الإيهام بالواقعية التي يسعى الروائي لتحقيقها في نصوصه. لكل ذاك يسعى الكاتب جاهدا لتنويع الأمكنة ومنحها دفقة من الخيال والحيوية لتسعفه في تحقيق هدفه من كتابة نصه الروائي.
مصطفى لغتيري: أظن أن أغلب الكتاب يستهويهم التجريب من خلال الكتابة في عدة أجناس أدبية، فغير خاف على أحد أن الكتابة الأدبية في عمومها ترتبط بروابط معينة، فحتى لو كان لكل جنس أدبي خصائصه المائزة، فإن أجناس الإبداع الأدبي عموما، معدية، تنقل عدوى الكتابة بشكل واع ولا واع أحيانا من نوع إلى نوع آخر، لذا قد ينتقل المبدع من جنس أدبي إلى آخر مجربا إمكاناتها الفنية، ومتيحا لفنه فرصا أخرى للتعبير عما يجول بذهنه ويداعب مشاعره، وقد تتداخل الأجناس في نفس النوع الكتابي في إبداعاته مما يسمى بالكتابة عبر نوعية.
أما بخصوص آخر كتابتي فقد هيمن عليها جنسان أدبيان، وهما: الرواية والرحلة، ففي الرواية أصدرت مؤخرا روايتين وهما "مخطوطة إسطنبول" و"تميمة الصحراء"، وفي الرحلة نشرت كتاب "مصر بعيون مغربية شغف بالأدب والتاريخ"، والكتب الثلاثة ثمرة رحلات وزيارات قمت بها لعدة بلدان ومدن بعد أن حصلت على تقاعدي المبكر من وظيفة التدريس.
مصطفى لغتيري: لا يخفى طبعا أن التراث الثقافي الوطني والقومي والإنساني زاخر بالكنوز الثمينة، وهو كفيل بأن يمنح الكاتب فرصة كبيرة لتنويع كتاباته، وتعميق دلالتها، هذا فضلا عن البعد لجمالي الذي تحتوي عليه كثير من النصوص التراثية، والتي تجد هوى لها لدى المتلقي حين يوظفها الكاتب في رواياته. ويمكن البرهنة على ذلك بالتصوف مثلا، فلا شك أن أي نص أدبي يستند على التراث الصوفي من خلال استدعاء أقطابه المعروفين والمجهولين يحقق للنص الروائي زخما دلاليا وجماليا، لا غبار عليهما، مما يجعل القارئ يقبل عليه بكثير من الشغف، خاصة إذا عرفنا ما يمثله التصوف في وجدان الإنسان العربي تحديدا، وهذا ما حاولت القيام به في عدد من النصوص من بينها رواية "الأطلسي التائه" التي استثمرت فيها شخصية متصوف مغربي، وهو أبو يعزى الهسكوري، وقد صدرت الرواية عن دار الآداب في لبنان عام 2015.
مصطفى لغتيري: الرواية من حيث العمق ومن حيث النشأة الأولى ابنة الواقع، وقد تربت في أحضانه كذلك، فالنصوص الأولى حاولت أن تعكس على صفحاتها الإشكالات التي تواجه الإنسان في واقع متغير ومعاد للفرد، ومحبط لطموحاته في عمومه، فما عجز الإنسان عن حله من مشاكل في الواقع حاول من خلاله الأديب أن يطرحها في نصوصه، ويتعامل معها بنوع الرؤيا الإنسانية المتمسكة بالأمل، لذا لزاما على الرواية في وقتنا الحاضر حتى وإن تنوعت أساليبها واتجاهاتها، أن لا تشيح بوجهها عن الواقع، ليس بمعنى الانعكاس المباشر، بل محاولة تصويره من خلال وجهة نظر الكاتب، الذي يحاول أن يضعنا في صلب الوجود الإنساني بهمومه وأحلامه وطموحاته وانكساراته، والرواية العربية والأفريقية لن تشذ عن هذه القاعدة، حتى وإن غازلت الماضي والتاريخ والثقافة المحلية، فإنها مطالبة بأن تقف وقفة تأمل وإبداع إزاء أوجاع الإنسان في لحظته الآنية وتصور استيلابه وعجزه تجاه التحولات السريعة، التي يعرفها العالم، وغربته داخل وطنه أو خارجه، من خلال مقاربة مواضيع مستجدة من قبيل الهجرة مثلا.
مصطفى لغتيري: من الصعب الحديث عن حضور قوي للأدب الأفريقي لعدة أسباب من أهمها التهميش الذي تعاني منه القارة اقتصاديا وسياسيا، ولا يقتصر ذلك على علاقة بدول العالم بل بعلاقة الدول الإفريقية مع بعضها ، فالتواصل الثقافي والاقتصادي والاجتماعي يعاني من صعوبات جمة، طبعا يؤثر ذلك على الأدب فيجعل انتشاره وتأثيره محدودين. صحيح، هناك بعض الفلتات التي تظهر هنا وهناك، لكن عموما أدب أمة من الأمم أو منطقة من المناطق يزدهر مع ازدهار تلك الأمة أو الدولة، وتخبو شعلته بضعفها، إلا في حالات نادرة وشاذة لا يقاس عليها.
مع ذلك يبقى الإيمان بالمستقبل واعدا بحكم الطاقة الشبابية التي تتوفر علبها القارة، وبحكم التطور الذي بدأ يلامس طبقات عدة من شعوب أفريقيا فبدأت نتيجة لذلك تنفتح على التعليم وعلى التجارب العالمية شيئا فشيئا مما يجعل الحلم بغد أفضل له ما يبرره.