تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 8 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

مصر ومسألة صوماليلاند: عند عتبات الخروج من الكهف؟

4 فبراير, 2026
الصورة
مصر ومسألة صوماليلاند: عند عتبات الخروج من الكهف؟
Share

تبدو رؤية مصر لمسألة صوماليلاند، لاسيما بعد خطوة الاعتراف الإسرائيلي بالأخيرة "دولة مستقلة ذات سيادة"، وإعلان تل أبيب إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع هرجيسا في 26 ديسمبر/كانون الأول الفائت، شديدة الوضوح والحسم من الوهلة الأولى؛ إذ حشدت القاهرة (بالتعاون مع الرياض) موقفًا عربيًا وإسلاميًا ضد الاعتراف المذكور، وأعادت في بيان (27 ديسمبر) التأكيد على وحدة جمهورية الصومال الفيدرالية، ومن ثم اعتبار صوماليلاند جزءً لا يتجزأ منها.

واقعيًا، يأتي ملف صوماليلاند ضمن مجموعة الملفات التي لا تزال تمثل تحديًا مستمرًا لسياسات مصر الخارجية في السنوات الأخيرة، وفي قلب جهود تعويض الوقت الضائع الذي كبدها خسائر بالجملة، ورفع تكلفة استعادة زمام المبادرة. لاسيما إذا أُخذ في الاعتبار الصمت المصري إزاء ما يمكن وصفه "بتجاوزات" دول مثل: السعودية والإمارات في أغلب هذه الملفات، ومنها "صوماليلاند" (والسودان وليبيا وغيرها).

إن تحرك القاهرة الأخير يتصادم بجلاء تام مع سياسات حليفتها الإمارات في المنطقة، إضافة إلى الصدام التقليدي والحتمي مع أطراف إقليمية أخرى، مثل: إسرائيل وإثيوبيا، يأتي مرتبطًا بصورة أو بأخرى بالموقف السعودي الصارم في الإقليم؛ الأمر الذي يضفي تعقيدًا أكبر على النظر في الرؤية المصرية "لأزمة" صوماليلاند، جنبًا إلى جنب مع ما يمكن ملاحظته من اضطراب رؤية "النخبة البحثية" المصرية للأزمة، وميلها لطرح تصورات "تاريخية" غير ملائمة ربما لتفسير الأزمة الحالية، وتفادي الإشارة إلى أطراف معنية بتعظيم توجهات صوماليلاند الاستقلالية على الأرض مثل الإمارات، بل والاكتفاء بتصوير هذه الأزمة (من وجهة النظر المصرية) على أنها "تغلغل إسرائيلي" في القرن الأفريقي.

في الرؤية المصرية لصوماليلاند: التاريخ من "نافذة خلفية"

أثيرت المسألة في مصر على أكثر من مستوى بحثي وإعلامي، منها ما شهدته أروقة معرض القاهرة الدولي للكتاب (الذي انتهت فعالياته يوم 3 فبراير/شباط الجاري) من تناول من قبل عدد من المتخصصين في الشأن الأفريقي في مصر حاليًا؛ وعرض المتحدث الرئيس بروفيسور حمدي عبد الرحمن، أستاذ العلوم السياسية بجامعتي القاهرة وزايد، والذي عمل في وقت سابق أستاذًا زائرًا في جامعة هرجيسا، لأهم ملامح هذه الأزمة لافتًا النظر إلى ما تمر به منطقة القرن الأفريقي (والشرق الأوسط حسبما فُهم من سياق كلامه) من حالة دائمة من التفكيك وإعادة التركيب، في ظل تآكل النظام الدولي الذي كان قد تشكل وفق معاهدة ويستفاليا (1648)، التي أرست بدورها، ضمن مخرجات أخرى، مفهوم الدولة وحدودها.

لفت عبد الرحمن إلى وجود تهديدات استراتيجية تحيط بمصر، منها خطر من الشمال الشرقي يهدد نظام الحكم، وخطر آخر من الجنوب يمس بنية المجتمع المصري، ويتعلق بقضية مياه النيل. وما يعنيه ذلك ضمنًا من وضع أسس تحرك مصر تجاه "صوماليلاند" وفق خبرتها التاريخية، موضحًا "أن أول شهيد للدبلوماسية المصرية كان محمد كمال الدين صلاح، الذي استُشهد في الصومال (أبريل/نيسان 1957)، وكان قاتله قد تلقى تعليمه في الأزهر الشريف، ما يعكس تشابك الروابط التاريخية والدينية بين البلدين، حسب عبد الرحمن.

يأتي ملف صوماليلاند ضمن مجموعة الملفات التي لا تزال تمثل تحديًا مستمرًا لسياسات مصر الخارجية في السنوات الأخيرة، وفي قلب جهود تعويض الوقت الضائع الذي كبدها خسائر بالجملة، ورفع تكلفة استعادة زمام المبادرة

تناول عبد الرحمن جذور الأزمة الصومالية، مؤكدًا أن حلم الاستقلال كان يراود جميع الصوماليين، وهو ما تحقق من خلال وحدة الشمال والجنوب، غير أن هذه الوحدة شابها خلل كبير، حيث استأثر الجنوب بالنصيب الأكبر من السلطة والثروة. وأشار إلى أن أول محاولة انقلابية قادها شباب من الشمال، وقعت عام 1961 نتيجة اتحاد تم على عجل وبأسس غير سليمة، كما أوضح أن صياغة الدستور دون استشارة الشماليين، وإلغاء الاستفتاء أسفرت عن تصاعد الاحتقان، الذي بلغ ذروته باغتيال الرئيس عام 1967، وهو الحدث الذي خلّف جرحًا عميقًا في العلاقات بين الطرفين.

يمكن النظر لرؤية عبد الرحمن تلك على أنها مقاربة لتفسير جذور الأزمة الحالية (والمستدامة ربما) في بناء الدولة الصومالية، والتي ربطها الأول بقيام النظام الأفريقي على مبدأ "قدسية الحدود"، ما يجعل الاعتراف بالكيانات الانفصالية مسألة شديدة الحساسية داخل القارة، مع إشارته إلى أهمية صوماليلاند الاستراتيجية البالغة "كونها تتمتع بموقع جغرافي حيوي على خليج عدن ومدخل البحر الأحمر، ما يجعلها محل اهتمام إقليمي ودولي متزايد".

مصر وصومال ما بعد "سياد بري": سردية الأخ الكبير؟

حضر الرئيس الصومالي الأسبق سياد بري في قلب سياسات القومية العربية، فيما كانت في آخر مراحلها قبيل الغزو العراقي للكويت (أغسطس/آب 1990)، ولا تزال أصداء رفضه المتكرر الانضمام لما عرف بمجلس التعاون العربي (الذي ضم مصر والعراق والأردن واليمن الشمالي) ماثلة في الأذهان.

كما يستعيد محللون من صوماليلاند محاولة بري حث الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في قمة بغداد الاستثنائية (مايو/آيار 1990) على حشد موقف عربي لمواجهة "الحركة الوطنية الصومالية" Somali National Movement (SNM) التي وصفها بالحركة الإرهابية، واتهمها بالعمالة لإثيوبيا وإسرائيل وسعيها لتقسيم البلاد. وأشار هؤلاء إلى "ضخ مصر ودول الخليج العربي أسلحة لبري بقيمة مئات الملايين من الدولارات "التي استخدمت لاحقًا في الإبادة التي ارتكبت بحق شعب الاسحاق".

ارتباط "التغلغل" الإسرائيلي عادة بدعم مادي خارجي، ويتركز هنا في حالة الإمارات التي تعمل بقوة في البحر الأحمر والقر ن الأفريقي عبر استثمارات بليونية يصعب أن يكون هناك بديل لها في المستقبل القريب

لكن تطورات عالم ما بعد الغزو العراقي للكويت شكلت سياقًا مثاليًا لسقوط نظام سياد بري، واندلاع الحرب الأهلية في الصومال، والتي تمكنت خلالها صوماليلاند من الحفاظ على مسار ديمقراطي، ونوع من الاستقرار النسبي. مع تدهور الأمور في الصومال بدا أنه خارج دائرة الاهتمام المصري في الأعوام التالية، وصولًا إلى تصريح فارق للرئيس المصري الأسبق حسني مبارك (مطلع عام 2007) بأنه يتفهم دوافع إثيوبيا التدخل (العسكري) في الصومال؛ ما عني اعترافا ضمنيا وقتها بالتدخل الإثيوبي المدعوم أمريكيًا في الصومال.

لم تأخذ مصر مسألة "صوماليلاند" على محمل الجد في السنوات التالية "للغزو الإثيوبي" للصومال (والتي شهدت أيضًا عمليات عسكرية كينية مماثلة تقريبًا في جنوبي الصومال في العام 2012)، لكن الاعتراف الإسرائيلي الأخير بصوماليلاند، وتحولات الموقف السعودي من الأوضاع في جنوبي البحر الأحمر، وما تراه القاهرة من تهديدات مباشرة لاصطفاف قوى إقليمية متباينة خلف استقلال صوماليلاند (تحت مظلة أمريكية واضحة تتفادى القاهرة والرياض التلميح لها)، واتساق كل ذلك مع مساعي مصر لاستعادة تأثيرها في دوائر الأمن القومي المختلفة، قد فرض تحولًا جذريًا في موقفها من المسألة.

لكن الملفت في هذه العودة، كما يتضح راهنًا من بوابة التعاون العسكري والأمني غير المسبوق مع مقديشو، علو نبرة الأخ الكبير وتاريخية الدور المصري في الصومال، بالرغم من التغيرات الحادة التي سبقت الإشارة لها، وتوحي بوجود مشهد سياسي بالغ التعقيد في الصومال، ويتضح في مسألة صوماليلاند وتحولاتها المرتقبة.

بأي حال، فإن تأكيدات البعض، في سياق المتابعة الحالية، على أن عوامل فشل الدولة الصومالية في العقود الأخيرة يرجع لغياب حقيقي لمشروع وطني جامع، وجنوح "المواطن الصومالي" لتحقيق مصالحه الفردية (على حساب مستقبل بلاده)، وميراث الصومال لأزمته الحالية منذ نهاية عهد سياد بري (أي أكثر من أربعة عقود)، وأنه لا مستقبل لصوماليلاند كدولة مستقلة، بل والنظر للاعتراف الإسرائيلي على أنه ضجيج بلا طحن مرتقب، تعزز فرضية وجود خطاب غير واقعي (أو مناور، بالنظر لتفاديه المتعمد والملحوظ الإشارة للصلة الإماراتية- الإسرائيلية الراهنة) لمقاربة مجمل أزمات الصومال ومستقبله، وفهم موقعه في سياق إقليم القرن الأفريقي.

إنه سياق مهم للغاية تزداد خطورة تجاهله الواضح (لصالح سردية "الأخ الكبير")، وهو ما كشفت عنه على سبيل المثال مؤخرًا مساعي أديس أبابا للعودة لقيادة العمل الجماعي في الإقليم، وإحياء التعاون الاقتصادي مع جيبوتي والصومال خلال قمة شهدتها الأولى مطلع فبراير/شباط الجاري.

مصر وصوماليلاند وإسرائيل: جبهة جديدة "للصراع"

لا شك أن مسألة صوماليلاند تمثل إلحاحًا مقلقًا لمصر ومصالحها ودائرة أمنها القومي اللصيقة في البحر الأحمر، وبغض النظر هنا عن مسألة العلاقات مع إثيوبيا، لكن الرؤية الآنية تثير تساؤلات حول عمق وجدية هذا الاهتمام، ومدى ارتباطه بالمتغيرات الإقليمية (التصعيد السعودي والتمدد الإسرائيلي لإسناد السياسات الإماراتية على سبيل المثال)، وتضافره مع علاقات ثنائية متوازنة.

لقد أوضح عبد الرحمن على سبيل المثال جانبًا مهمًا من إشكالية الدولة الصومالية، ويتمثل في عدم اقتصار فكرة الاستقلال هنا على صوماليلاند، بل إنها امتدت إلى أقاليم أخرى، مثل: بونتلاند وغيرها من المحافظات، وهو ما قوبل برفض واسع، خشية تفكك الدولة الصومالية بالكامل.

لا مستقبل لصوماليلاند كدولة مستقلة، بل والنظر للاعتراف الإسرائيلي على أنه ضجيج بلا طحن مرتقب، تعزز فرضية وجود خطاب غير واقعي لمقاربة مجمل أزمات الصومال ومستقبله، وفهم موقعه في سياق إقليم القرن الأفريقي.

ربط عبد الرحمن إدراك إسرائيل بهشاشة الأوضاع في البحر الأحمر (لاسيما جنوبه)، بمساعيها "إلى تعزيز نفوذها من الجنوب عبر صوماليلاند، لضمان موطئ قدم استراتيجي في البحر الأحمر"؛ كاشفًا، في الوقت نفسه، عن ثلاث محطات رئيسية في مسار الاعتراف بصوماليلاند، منها توقيع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد مذكرة تفاهم مع الأخير (يناير/كانون الثاني 2024)، تزامنًا مع مساعٍ لتشكيل قوات عسكرية في الإقليم، فضلًا عن محاولات أمريكية غير مباشرة "حيث اعتبرت بعض مراكز الفكر أن الإقليم يمثل موقعًا مثاليًا للحماية والتمركز" في خضم سيناريوهات الحرب الأمريكية- الإيرانية، ومواجهة النفوذ الصيني، ورؤى إعادة تشكيل الإقليم.

رغم سلامة هذه الرؤية بشكل كامل تقريبًا، فإن التفاصيل تقدم رواية مغايرة ربما؛ فالنشاط الإسرائيلي في جنوب البحر الأحمر يسبق الاعتراف بصوماليلاند بسنوات، بل إنه كان حاضرًا حسب تقارير في حرب التحالف الإسلامي التي قادتها السعودية في اليمن، عبر تقديم دعم استخباراتي هام لهذا التحالف بمبرر حماية مصالح إسرائيل في البحر الأحمر وفي مواجهة الإرهاب.

صحيح أن صلة إسرائيل بصوماليلاند توفر مدخلًا مثاليًا لإسرائيل ومصالحها في الإقليم لاعتبارات مختلفة (من بينها حماسة حكومة صوماليلاند المفرطة لهذا التعاون)، لكن الشاهد هنا أن خطوات إسرائيل محسوبة بدقة، وتتسق مع خبرتها التاريخية في الإقليم (والصراع مع مصر) منذ العقود الأولى لقيامها.

إضافة إلى مسألة هامة لمح لها مراقبون، وهي ارتباط "التغلغل" الإسرائيلي عادة بدعم مادي خارجي، ويتركز هنا في حالة الإمارات (التي تفادى المعلقون الإشارة لها، في دلالة هامة للغاية) التي تعمل بقوة في البحر الأحمر والقر ن الأفريقي عبر استثمارات بليونية يصعب أن يكون هناك بديل لها في المستقبل القريب.

في المقابل، حاول بعض المعلقين في القاهرة تهدئة المخاوف من تأثيرات صلة إسرائيل بصوماليلاند، لاعتبارات عدم إمكانية تغيير (تلك الصلة) لشكل القرن الأفريقي (بل والاكتفاء بإثارة ضجيج سيزول مع الوقت) والشرق الأوسط، وأن إسرائيل وإثيوبيا لا تملكان القوة اللازمة لإحداث مثل هذه العملية المعقدة.

لكن رؤية عابرة لتغيرات الشرق الأوسط في الحالة السورية، وفي القضية الفلسطينية تحديدًا، تكشف عوار مثل هذه التعليقات. كما أن النظر لإثيوبيا على أنها دولة ضعيفة أو تعاني من انقسامات داخلية حادة (على النحو الذي يضعف فرصها في التأثير في هذه العملية) يتجاهل قدرتها على توظيف تناقضات الإقليم بشكل مثالي، وبغطاء من دعم أمريكي تام للدولة الإثيوبية بغض النظر عن نظامها السياسي (سواء في واشنطن أم في أديس أبابا للمفارقة).

إن جانبًا من الرؤية المصرية يرى أن مسألة صوماليلاند واحدة من أعقد القضايا في القرن الأفريقي، إذ تتقاطع فيها اعتبارات الهوية الوطنية والإرث الاستعماري ومبدأ وحدة الدولة في مواجهة حق تقرير المصير، فبينما تتمسك صوماليلاند بإعلان الانفصال منذ عام 1991، تتراكم تخوفات واسعة من أن يؤدي الاعتراف (الدولي بها) إلى موجة جديدة من التفكك داخل أفريقيا.

كما أنها مسألة تنعكس بشكل مباشر على استقرار الصومال نفسه، حيث تعمّق حالة الانقسام السياسي، وتضعف مؤسسات الدولة المركزية، وتوفر بيئة خصبة للتدخلات الخارجية. كما تسهم في إطالة أمد الصراع، وتعرقل جهود إعادة بناء الدولة، في وقت تحتاج فيه الصومال إلى توحيد الجبهة الداخلية لمواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية، حسب عبد الرحمن في رؤيته.

وبغض النظر عن سجالات هذه الرؤية، وما تضمنته من تعميق مواقف سابقة، فإنه يبدو أنه على مصر أن تتلمس قراءة جديدة للمشهد وتحولاته وحساباته، أخذًا في الاعتبار التصورات الصومالية وارتباطاتها بسياقها الإقليمي المباشر، ومتطلبات بناء الدولة، والانعتاق من أفكار الوصاية أو الصوابية المطلقة.