السبت 14 مارس 2026
تمتد الطريق من مدينة غرووي، عاصمة ولاية بونتلاند في شمال الصومال، إلى ميناء بوصاصو عبر أراضٍ تسيطر عليها اثنتان من أخطر الجماعات الجهادية في العالم. ففي جبال الشرق النائية تتمركز خلايا تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية، فيما يسيطر على غرب الطريق تنظيم الشباب، الفرع الأقوى والأكثر دموية لتنظيم القاعدة.
خاضت قوات ولاية بونتلاند، بدعم من ضربات جوية أمريكية وإماراتية، على مدى الأشهر الثمانية الماضية، حربًا شاملة ضد تنظيم الدولة. وفقا للتقديرات فالحملة نجحت بشكل لافت، إذ يزعم محمد مبارك، رئيس جهاز تنسيق الأمن في الولاية، أن قواته قضت على نحو 800 من أصل 950 إلى 1100 مقاتل تابعين للتنظيم، ولم يتبقَ سوى عدد محاصر في مجمع كهوف جبلي. يؤكد مبارك بثقة: "سيموتون، لا شك في ذلك". أما رئيس الولاية، سعيد دني، فيطمح إلى تطهير بونتلاند من الإرهاب كليًا قبل نهاية العام الجاري.
تبرز هذه النجاحات التناقض الصارخ مع الوضع في بقية أنحاء البلاد، فبعد مرور ثلاث سنوات على تولي حسن شيخ محمود رئاسة الصومال، تبدو الحكومة الفيدرالية في مقديشو ضعيفة. فقد تراجعت المكاسب التي تحققت سابقًا ضد الشباب في وسط البلاد، بينما شهد هذا العام قصفًا استهدف مطار العاصمة الدولي، وهجومًا على موكب الرئيس نفسه، نجا منه بأعجوبة، بينما لقي آخرون مصرعهم. وباتت مخاوف سقوط مقديشو في قبضة التنظيم أكثر واقعية، في ظل تقليص الدول الغربية دعمها، ما يُهدد أحد أقدم مشاريع بناء الدولة في العالم.
يُعزى هذا التراجع جزئيًا إلى تغيّر أولويات السياسة الأميركية، لكن في واشنطن تحديدًا، بدأت تتنامى الشكوك حول جدوى مشروع بناء الدولة في الصومال بعد عقود من الفشل
قبل ثلاث سنوات، لم يكن هذا الانهيار متوقعًا. فقد حقق الرئيس تقدّمًا سريعًا ضد الشباب، وسُجل انتصارات دبلوماسية بارزة، منها رفع حظر السلاح الأممي المفروض منذ انهيار الدولة في التسعينيات. وتم التوصل عام 2023 إلى اتفاق لتخفيف عبء ديون البلاد بقيمة 4.5 مليارات دولار، ما فتح الباب أمام عودة الصومال إلى النظام المالي العالمي. كما حظيت حكومته بدعم دولي واسع النطاق في نزاعها مع إثيوبيا، بعد أن وقّعت الأخيرة اتفاقًا مثيرًا للجدل مع إقليم صوماليلاند لبناء قاعدة بحرية على سواحله.
لكن الشرخ الحقيقي بدأ في مارس/ آذار عام 2024، حين أقرّت الحكومة قانونًا لتعديل الدستور، يكرّس سلطات أوسع للسلطة التنفيذية، ويستبدل نظام الاقتراع غير المباشر الحالي بالاقتراع العام المباشر في انتخابات 2026. سرعان ما وُصف هذا التعديل بأنه محاولة لتفكيك النظام الفيدرالي الهش، الذي يمنح ولايات مثل بونتلاند قدرًا واسعًا من الاستقلال، خاصة في مجالي الأمن والضرائب. وعلى الرغم من محاولات رؤساء سابقين تركيز السلطة في مقديشو، إلا أن هذه الخطوة اعتُبرت غير مسبوقة في راديكاليتها، بحسب ما قاله عبد الفارح جُحا، وزير داخلية بونتلاند.
لقد أدى هذا النزاع إلى تعميق الهوة بين الحكومة المركزية والولايات، وأثار جدلًا واسعًا بشأن مستقبل البلاد. فبونتلاند قطعت علاقاتها رسميًا مع مقديشو منذ أكثر من 15 شهرًا، ويشيد رئيسها بالنموذج الفيدرالي الذي تطبقه الإمارات، حيث تُقسَّم السلطات بالتساوي بين الإمارات السبع. وفي مؤشر مقلق، يتحدث بعض مسؤولي الولاية عن تعميق التنسيق مع صوماليلاند.
باتت مخاوف سقوط مقديشو في قبضة التنظيم أكثر واقعية، في ظل تقليص الدول الغربية دعمها، ما يُهدد أحد أقدم مشاريع بناء الدولة في العالم
أما العلاقات مع ولاية جوبالاند في الجنوب فشهدت تصعيدًا أخطر. فقد رفضت الحكومة الفيدرالية، في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، إعادة انتخاب الشيخ أحمد مدوبي، حاكم الولاية والعدو اللدود للرئيس. وتبادل الطرفان أوامر الاعتقال بحق قياداتهما، كما أغلقت الحكومة مطار جوبالاند، ومنعت تحويل الأموال المخصصة لها. واندلعت اشتباكات دامية هذا الأسبوع بين قوات الولاية والجيش الفيدرالي، أوقعت خمسة قتلى على الأقل.
تدافع الحكومة عن نفسها بالقول إن هذه الأزمات جزء من الطبيعة الدائمة للصراع بين المركز والأطراف. ويشير وزير الخارجية الفيدرالي علي محمد عمر إلى أن سلف الرئيس الحالي بدوره اصطدم مع ولايات عدة، من بينها بونتلاند.
لكن التراجع الواضح في الدعم الدولي هذه المرة يُنذر بتداعيات أشد خطورة. فقوة حفظ السلام التابعة للاتحاد الإفريقي، والتي أُنشئت عام 2007 لحماية مقديشو ومقاتلة الشباب، كان من المفترض أن تُستبدل هذا العام بقوة أقل حجمًا. بعد ثمانية أشهر من الانتظار، لا تزال الدول المانحة تتردد في تغطية التكاليف. فالاتحاد الأوروبي قد يقدّم 60 مليون يورو، لكن الفجوة التمويلية تبقى كبيرة، بعدما رفضت قطر والإمارات والسعودية تقديم مساهمات طارئة، بينما خفضت الولايات المتحدة مساعداتها من 1.2 مليار دولار عام 2023 إلى أقل من 400 مليون هذا العام، دون تخصيص أي ميزانية للغذاء أو الوقود أو رواتب القوات الخاصة الصومالية.
يُعزى هذا التراجع جزئيًا إلى تغيّر أولويات السياسة الأميركية، لكن في واشنطن تحديدًا، بدأت تتنامى الشكوك حول جدوى مشروع بناء الدولة في الصومال بعد عقود من الفشل. يتساءل جي. بيتر فام، المبعوث الأميركي السابق لأفريقيا في إدارة ترامب الأولى: "بعد ثلاثين عامًا من الفشل، ألا يجدر التفكير في بديل؟".
مع ذلك، لا توجد مؤشرات على نية أميركية للانسحاب الكامل من الصومال. فمنذ يناير/كانون الثاني، كثّفت إدارة ترامب غاراتها الجوية على الجماعات الجهادية هناك، بما في ذلك أهداف لداعش في بونتلاند. غير أن بعض الأصوات في واشنطن باتت تعتبر أن صوماليلاند – وربما بونتلاند أيضًا – شركاء أكثر موثوقية من الحكومة الفيدرالية، بعد سنوات من ضخ المساعدات في مقديشو دون نتائج ملموسة. تسعى صوماليلاند إلى إقناع واشنطن بإنشاء قاعدة عسكرية على ساحلها المطل على البحر الأحمر، مقابل الاعتراف بها دولة مستقلة. وقد زارها الشهر الماضي الجنرال مايكل لانغلي، أرفع قائد أميركي في أفريقيا.
بعض الأصوات في واشنطن باتت تعتبر أن صوماليلاند – وربما بونتلاند أيضًا – شركاء أكثر موثوقية من الحكومة الفيدرالية، بعد سنوات من ضخ المساعدات في مقديشو دون نتائج ملموسة
لكن أي تحول من هذا النوع سيترك مقديشو أكثر عرضة للخطر. ففي وسط وجنوب البلاد، يؤثر الاضطراب السياسي وتقلّص الدعم الخارجي بشكل مباشر في قدرات الجيش الوطني. ويعبّر العميد أحمد عبد الله شيخ، القائد السابق لقوات "دنب" الخاصة التي دربتها واشنطن، عن قلقه من سلسلة اغتيالات طالت كبار القادة العسكريين، ويعتقد أنها نتيجة اختراق حركة الشباب للجيش. على عكس الوضع في بونتلاند، فإن الجهاديين في هذه المناطق يزدادون قوة. ويُقال إن الحركة تتلقى دعمًا من الحوثيين في اليمن، من سلاح وتدريب، وهي الجماعة التي تهاجم السفن في البحر الأحمر. ويخشى البعض أن تتحرّك الحركة قريبًا نحو العاصمة.
صحيح أن تدخلات خارجية، خصوصًا من تركيا وقطر، قد تمنع سقوط مقديشو، إلا أن الخيارات البديلة تزداد سوءًا. فغياب التمويل لقوات الاتحاد الأفريقي قد يؤدي إلى "تآكل بطيء للوضع القائم عامًا بعد عام"، بحسب عمر محمود من مجموعة الأزمات الدولية. ويخشى البعض من عودة العنف العشائري، أو ما يسميه الباحث الصومالي عفياري عبدي علمي "التوكيل المتعدد" (Proxification)، أي تفشي الجماعات المسلحة المدعومة من قوى خارجية متنافسة، ما يجعل من شبه المستحيل التوصل إلى تسوية سياسية دائمة. باختصار، تبدو واحدة من أضعف الدول في أفريقيا ماضية نحو مزيد من التصدّع والانهيار.
عن مجلة "ذي إيكونوميست" البريطانية، بتاريخ 24 يوليو/تموز 2025.