تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الاثنين 7 سبتمبر 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

مشكلة الديون في إثيوبيا

22 يوليو, 2026
الصورة
مشكلة الديون في إثيوبيا
Share

في 29 يونيو/حزيران، أعلنت إثيوبيا توصلها إلى اتفاق مبدئي مع لجنة تمثل نحو 45٪ من حاملي سندها الدولي المتعثر، البالغة قيمته مليار دولار. وبموجب المقترح، سيُخفض أصل السند بنسبة 12٪، مع سداد نحو 100 مليون دولار من مدفوعات الفائدة المتأخرة، ومنح المستثمرين حق اكتتاب قد يتيح لهم المشاركة في إصدار دولي مستقبلي. ورغم أن الاتفاق يفتح منفذا مهما أمام إثيوبيا للخروج من حالة التعثر، فإنه لا يمثل تسوية نهائية بعد؛ إذ لا تزال الشروط غير المالية عالقة، ولم تُضمن موافقة شريحة أوسع من الدائنين، كما أن عملية المبادلة نفسها لم تُنفذ بعد.

يأتي هذا التطور بعد أكثر من عامين ونصف العام على انقضاء مهلة سماح مدتها 14 يوما في ديسمبر/كانون الأول 2023، من دون أن تسدد إثيوبيا دفعة فائدة مستحقة بقيمة 33 مليون دولار. وقد فُسر ذلك التخلف عن السداد على نطاق واسع بوصفه نهاية لقصة نمو أفريقية لافتة. فعلى مدى أكثر من عقد، اقترن النمو السريع في الناتج بتوسع كبير في تشييد الطرق ومحطات الطاقة والسكك الحديدية والمناطق الصناعية والمدارس والعيادات. لذلك، بدا التعثر المالي كأنه يكشف أن هذه الطفرة قامت، في جانب منها، على ديون تتجاوز قدرة البلاد على تحملها.

غير أن اختزال الأزمة في الإفراط في الاقتراض يظل تفسيرا قاصرا. فمشكلة إثيوبيا لا يمكن ردها إلى الاستغلال الأجنبي وحده، ولا إلى سوء الإدارة الداخلية وحده، بل تشكلت عبر تعاقب أنظمة مختلفة للمديونية، ارتبط كل منها بترتيبات خاصة بين الحكام والدائنين والمؤسسات والفئات الاجتماعية. فقد اقترضت الحكومات الإمبراطورية بانتقائية للحفاظ على استقلال قرارها، بينما استخدم نظام الدِّرغ التمويل الجيوسياسي لإدامة دولة ذات طابع عسكري.

في مرحلة لاحقة، لجأت الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية إلى الاقتراض لتسريع التحول الهيكلي، في حين قايضت الحكومة الحالية جزءا من حريتها في رسم السياسات التنموية بالحصول على تمويل طارئ، وإعادة هيكلة ديونها. وفي كل مرحلة، أسهم التمويل الخارجي في تعزيز قوة الدولة، لكنها أخفقت في المقابل في بناء قاعدة متينة من الصادرات وموارد النقد الأجنبي، وفي إقامة مؤسسات خاضعة للمساءلة تتناسب مع حجم طموحاتها.

لا يكمن الدرس الأساسي في أن الديون مدمرة بطبيعتها، بل في أن السيادة لا تُصان بتجنب التمويل بقدر ما تُصان بحسن إدارته: اختيار استثمارات تحقق عوائد واسعة، والإفصاح عن الالتزامات، وتسوية النزاعات السياسية، وحماية المواطنين عندما تصبح إجراءات التصحيح الاقتصادي حتمية

من هنا، لا يكمن الدرس الأساسي في أن الديون مدمرة بطبيعتها، بل في أن السيادة لا تُصان بتجنب التمويل بقدر ما تُصان بحسن إدارته. وهذا يعني اختيار استثمارات تحقق عوائد واسعة، والإفصاح عن الالتزامات المالية، وتسوية النزاعات السياسية، وحماية المواطنين عندما تصبح إجراءات التصحيح الاقتصادي حتمية. وفي الوقت نفسه، تكشف التجربة الإثيوبية خللا أعمق في النظام الدولي؛ إذ قد يستغرق تنسيق الدائنين وإعادة الدين إلى مسار قابل للاستدامة سنوات، بينما يظل البلد المدين طوال تلك الفترة يتحمل أعباء التضخم، وتعطل الاستثمارات، وتدهور الخدمات.

لطالما نظر حكام إثيوبيا إلى التمويل باعتباره جزءا من معركة الحفاظ على الاستقلال السياسي. ففي عام 1894، منح الإمبراطور منليك الثاني امتيازا لجهة أجنبية لإنشاء خط سكة حديد ينطلق من ميناء جيبوتي الخاضع آنذاك للسيطرة الفرنسية. وقد أسهم الخط في تنشيط التجارة، وتعزيز تحصيل الرسوم الجمركية، وتوسيع نفوذ الدولة، لكنه ربط في الوقت نفسه ممرا استراتيجيا برأس المال والمصالح الدبلوماسية الأوروبية. وتكرر هذا النمط مع تأسيس بنك الحبشة عام 1906، بموجب امتياز شارك فيه البنك الأهلي المصري الخاضع للسيطرة البريطانية؛ إذ ساعد البنك على تحديث منظومة المدفوعات، لكنه منح المساهمين الأجانب نفوذا واسعا داخل النظام النقدي الإثيوبي.

مع ذلك، ظلت الحكومات الإمبراطورية اللاحقة أكثر تحفظا في الاقتراض من الأنظمة التي جاءت بعدها. وقد وفر هذا الحذر قدرا من الحماية للسيادة الإثيوبية، وجعل البلاد أقل تعرضا لضغوط الدائنين وتقلبات الأسواق الخارجية. غير أن لهذه السياسة كلفتها أيضا، ولا ينبغي تصويرها بوصفها إنجازا خالصا. فضآلة القاعدة الضريبية، ومحدودية القدرات الإدارية، وعدم المساواة في النظام الزراعي، كلها عوامل حدّت من قدرة الدولة على تمويل البنية التحتية والتعليم وإحداث التحول الإنتاجي الضروري لترسيخ الاستقلال السياسي. كما أن الصورة الشائعة عن إثيوبيا بوصفها بلدا «لم يُستعمر قط» ليست فريدة ولا دقيقة تماما؛ فقد حافظت ليبيريا بدورها على استقلالها الرسمي، بينما خضعت إثيوبيا للاحتلال الإيطالي بين عامي 1936 و1941. وبذلك، لم تكن السيادة الرسمية كافية لتحرير البلاد من القيود الاقتصادية.

مع استيلاء نظام الدِّرغ على السلطة عام 1974، انقلب النهج الإمبراطوري رأسا على عقب. فلم تعد مديونية البلاد تتشكل أساسا بفعل أسواق السندات أو شروط صندوق النقد الدولي، بل أصبحت مرتبطة بعلاقات الرعاية والتحالفات التي فرضتها الحرب الباردة. فقد وفرت الكتلة السوفيتية التمويل والأسلحة لدولة كانت تخوض حربا مع الصومال، وتواجه حركات تمرد في إريتريا وتيغراي ومناطق أخرى. وبحلول أواخر تسعينيات القرن العشرين، كانت إثيوبيا لا تزال مثقلة بديون خارجية تقارب 10 مليارات دولار، ورثت معظمها عن نظام الدِّرغ. وخلص تقييم للبنك الدولي إلى أن 62٪ من هذه الديون كانت ثنائية، ومستحقة أساسا لروسيا مقابل مشتريات عسكرية تعود إلى الحقبة السوفيتية.

يحمل وصف هذه الالتزامات كلها بأنها «ديون بغيضة» وجاهة أخلاقية، لكنه يظل محدود الدقة من الناحية القانونية، إذ إن هذا المبدأ نفسه محل خلاف، كما أن الأموال المقترضة لم تُستخدم لغرض واحد. فقد موّل نظام الدِّرغ بها أيضا شركات حكومية وبرامج اجتماعية وواردات واحتياجات طارئة. لكن الصورة تبدو أوضح من منظور الاقتصاد السياسي؛ فالحرب، والسياسات الزراعية القسرية، والمشاريع الحكومية غير الكفؤة، إلى جانب الجفاف والمجاعة، لم تولّد عائدات تصديرية تكفي لسداد الالتزامات الخارجية. وهكذا، استبدل النظام ارتهانه للسوق بارتهان استراتيجي لدولة راعية. وعندما انهار الاتحاد السوفيتي، انهارت معه البنية المالية والعسكرية التي كانت تسند الدولة الإثيوبية.

عندما تولت الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية السلطة عام 1991، ورثت عبئا ثقيلا من الديون، وأمضت العقد التالي في إعادة بناء علاقات البلاد مع الدائنين. وفي عام 2004، بلغت إثيوبيا «نقطة الإنجاز» ضمن مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون. وقدّر صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إجمالي ما حصلت عليه من تخفيف لأعباء خدمة الدين بنحو 3.3 مليارات دولار بالقيمة الاسمية، بما في ذلك تخفيف إضافي مُنح بعد أن أدى انخفاض أسعار البن وتقلبات أسعار الصرف إلى زيادة عبء المديونية. لكن هذه المعالجة لم تكن شيكا على بياض؛ فقد سبقتها حزمة من الالتزامات، شملت برنامجا مدعوما من صندوق النقد الدولي، واستراتيجية للحد من الفقر، وشروطا تتعلق بإدارة الاقتصاد الكلي والإنفاق الاجتماعي والإصلاح الهيكلي.

أتاح تخفيف عبء الديون لإثيوبيا إطلاق واحدة من أكثر موجات الاستثمار العام طموحا في العالم النامي. فقد خالفت الدولة التنموية الإثيوبية الوصفات الاقتصادية التقليدية التي تحذر البلدان الفقيرة عادة من التوسع في تدخل الدولة؛ فاستخدمت المصارف العامة والشركات المملوكة للدولة والائتمان الموجه والقروض الخارجية لتنفيذ مشاريع تسبق تبلور طلب القطاع الخاص عليها. وكانت النتائج ملموسة؛ إذ ظل معدل النمو قريبا من 10٪ خلال معظم العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين، وانخفض معدل الفقر من 44٪ عام 2000 إلى نحو 24٪ عام 2016. كما توسعت شبكات الطرق والكهرباء والاتصالات، وتحسنت خدمات الصحة والتعليم. ولم تكن هذه المكاسب مجرد وهم إحصائي، حتى وإن ظلت تقديرات النمو الرسمية وطريقة توزيع ثماره موضع جدل.

هنا تكتسب الحجة التنموية المؤيدة للاقتراض أكبر قدر من قوتها. فبلد يعاني انخفاض المدخرات، وضعف أسواق رأس المال الخاص، وفجوات هائلة في البنية التحتية، لا يستطيع انتظار تراكم الإيرادات الضريبية حتى يبدأ عملية التحول الاقتصادي. ويمكن للدين العام أن يحفز مزيدا من الاستثمار من خلال خفض تكاليف النقل والطاقة والتنسيق. وفي هذا السياق، حرصت إثيوبيا على تنويع مصادر تمويلها؛ فظلت المؤسسات متعددة الأطراف في موقع مركزي، بينما شاركت بنوك السياسات الصينية، ووكالات ائتمان الصادرات، والمقرضون الثنائيون في تمويل مشاريع كان المانحون الغربيون يعدّونها أكبر حجما أو أشد مخاطرة من أن يتولوا تمويلها. وبعد إصدار سند اليوروبوند عام 2014، انضم المستثمرون من القطاع الخاص إلى هذه المجموعة المتنوعة من الدائنين.

لكن المعيار الحقيقي لنجاح هذا النموذج لم يكن حجم الخرسانة التي صُبت، بل قدرة تلك الاستثمارات على رفع الإنتاجية والإيرادات الضريبية وعائدات النقد الأجنبي بالسرعة اللازمة لسداد الالتزامات المقومة بالدولار والعملات الأجنبية الأخرى. وهنا تحديدا تعثر النموذج مرارا؛ إذ لم تتحول الاستثمارات إلى عوائد مالية ونقدية بالقدر المطلوب. فقد أسهم خط سكة حديد أديس أبابا–جيبوتي في تحسين ممر حيوي للبلاد، لكنه تطلب قرضا بنحو 2.5 مليار دولار من بنك التصدير والاستيراد الصيني، أُعيدت هيكلته لاحقا. وولّدت المناطق الصناعية صادرات وفرص عمل، لكن مراجعة للبنك الدولي وجدت أن صافي صادراتها لم يتجاوز 163 مليون دولار في السنة المالية 2019–2020. وهو رقم مهم، لكنه يظل أقل كثيرا من المستوى اللازم لإحداث تحول حقيقي في ميزان المدفوعات.

في الوقت نفسه، عانت مشاريع السكر الحكومية التأخير وتجاوز التكاليف وضعف الإنتاج. أما سد النهضة الإثيوبي الكبير، الذي يُدرج أحيانا من دون تدقيق ضمن المشاريع الممولة بالديون الخارجية، فقد اعتمد في تمويله أساسا على السندات المحلية والمساهمات العامة، لا على القروض السيادية الخارجية التقليدية.

بحلول أواخر عهد الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية، لم تعد المشكلة الأساسية تكمن في نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي بقدر ما أصبحت تتمثل في شح العملات الأجنبية. فقد اقترضت شركات حكومية كثيرة من الخارج لتمويل استيراد الآلات والمعدات، بينما كانت تحقق معظم إيراداتها بالبر الإثيوبي، وهو ما جعل سداد التزاماتها الخارجية أكثر صعوبة. وفي الوقت نفسه، ظلت الصادرات متركزة في سلع وخدمات منخفضة القيمة، ولم تولّد ما يكفي من النقد الأجنبي. واضطر البنك المركزي إلى تقييد إتاحة العملات الأجنبية، فظهرت قوائم انتظار طويلة، وتخصيصات تفضيلية، واتسعت الفجوة بين سعري الصرف الرسمي والموازي. عام 2018، صنّف صندوق النقد الدولي إثيوبيا ضمن البلدان المعرضة لمخاطر مرتفعة للوقوع في ضائقة ديون خارجية؛ إذ لم تتجاوز احتياطياتها 2.8 مليار دولار، وهو ما يكفي لتغطية واردات 1.6 شهر فقط، في وقت كانت فيه صادرات السلع تعاني الركود.

لا يُقاس استقلال إثيوبيا بامتناعها عن الاقتراض، بل بقدرة مواطنيها على معرفة الخيارات التي تُتخذ باسمهم، ومناقشتها والاعتراض عليها، ثم الانتفاع بنتائجها. فتخفيف أعباء الديون يمنح البلاد متنفسا، لكنه لا يمكن أن يكون بديلا عن تنمية الصادرات، وتعزيز الرقابة المؤسسية، وتحقيق السلام، وتوزيع كلفة التصحيح بعدالة

لا يكفي تفسير كلاسيكي جديد محض أو قراءة نقدية خالصة لفهم هذه الأزمة. فمن جهة، كان للانضباط المالي أهميته؛ إذ راكمت المشاريع ذات التدفقات النقدية الضعيفة والضمانات غير الواضحة التزامات اضطرت الدولة في نهاية المطاف إلى تحملها. لكن المشكلة لم تكن نتيجة استهلاك مفرط موّله حملة السندات الأجانب، فقد وُجه جانب كبير من الديون إلى الاستثمار، وغالبا بشروط ميسرة. ومن جهة أخرى، كان للتفاوت في قوة الدائنين ومواقعهم أثر واضح في تضييق خيارات الحكومة؛ إذ فرضت صعوبة الوصول إلى الدولار، إلى جانب الشروط التي وضعها المقرضون الرسميون والتجاريون، قيودا على السياسة العامة. ومع ذلك، لم يكن قادة إثيوبيا مجرد أطراف سلبية في هذه العملية؛ فهم الذين اختاروا المشاريع، وسيطروا على المصارف الحكومية، وأرجؤوا تعديل سعر الصرف، وقلصوا الرقابة على الشركات المملوكة للدولة، واستخدموا مشاريع البنية التحتية البارزة لتعزيز شرعيتهم السياسية.

وزادت التوترات الداخلية من خطورة هذا الضعف المالي. فقد أسهم نزع ملكية الأراضي، وبطالة الشباب، والتفاوت في التنمية بين الأقاليم، والطريقة السلطوية في توزيع الاستثمارات، في اندلاع الاحتجاجات التي زعزعت استقرار الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية بعد عام 2015. وكانت قدرة دولة الحزب على حشد الموارد تمثل في السابق إحدى نقاط قوة النموذج التنموي، لكن تركّز القرار في أيدي دائرة ضيقة أضعف التقييم المستقل للمشاريع وقلّص المساءلة العامة. وعندما تصدع التماسك السياسي، أصبح النظام أقل قدرة على تصحيح مسار المشاريع المتعثرة أو توزيع خسائرها بشفافية.

مع وصول آبي أحمد إلى رئاسة الوزراء، تعهدت حكومته بالحفاظ على معدلات النمو مع المضي في تحرير الاقتصاد. وتقاطعت أجندة «الإصلاح الاقتصادي المحلي» التي أطلقتها عام 2019 إلى حد بعيد مع أولويات صندوق النقد الدولي؛ فشملت تقليص الاعتماد على تمويل البنك المركزي، وتعزيز الرقابة على الشركات المملوكة للدولة، وفتح قطاعات جديدة أمام رأس المال الخاص، والانتقال إلى سعر صرف أكثر مرونة. غير أن جائحة كوفيد-19 عطلت أول برنامج مع صندوق النقد الدولي، قبل أن تأتي حرب تيغراي لتزيد الوضع تعقيدا. وألحقت الحرب بين عامي 2020 و2022، ثم الصراعات اللاحقة في أمهرة وأوروميا، إلى جانب الجفاف وتراجع دعم المانحين، أضرارا كبيرة بالإنتاج والخدمات العامة وثقة المستثمرين، ورفعت في الوقت نفسه الاحتياجات الإنسانية والأمنية.

كانت إثيوبيا قد طلبت في فبراير/شباط 2021 الاستفادة من «الإطار المشترك» لمجموعة العشرين لمعالجة ديونها، وذلك قبل تخلفها عن سداد سند اليوروبوند. وفي يوليو/تموز 2024، وبعد اعتماد الحكومة نظاما لسعر الصرف يستند إلى آليات السوق، وافق صندوق النقد الدولي على برنامج مدته أربع سنوات بقيمة 3.4 مليارات دولار، بينما أعلن البنك الدولي حزمة تمويل كبيرة. وأدى إصلاح سوق الصرف إلى انخفاض حاد في القيمة الرسمية للبر، وتضييق الفجوة مع السوق الموازية، كما أسهم في إنعاش الصادرات وتعزيز الاحتياطيات. لكن لهذا التحول كلفة اجتماعية ومالية واضحة؛ إذ ارتفعت، عند احتسابها بالبر، أسعار الوقود والأغذية والأدوية المستوردة، كما زادت أعباء الالتزامات المقومة بالعملات الأجنبية.

يساعد حجم ديون إثيوبيا وتنوع دائنيها على تفسير التعقيد الذي أحاط بعملية إعادة الهيكلة. فوفقا لوزارة المالية، بلغ الدين الخارجي للقطاع العام 31 مليار دولار في نهاية سبتمبر/أيلول 2024، منها 28.6 مليار دولار ديونا عامة أو مضمونة حكوميا، بينما شمل المبلغ المتبقي التزامات خارجية غير مضمونة لكيانات مثل الخطوط الجوية الإثيوبية وشركة «إثيو تيليكوم». مثلت المؤسسات متعددة الأطراف 53.8٪ من إجمالي الدين الخارجي للقطاع العام، مقابل 26.5٪ للدائنين الرسميين من خارج نادي باريس، و16.3٪ للدائنين من القطاع الخاص، في حين لم تتجاوز حصة دائني نادي باريس 3.4٪. وكانت الصين أكبر مقرض ثنائي لإثيوبيا، ما جعلها طرفا محوريا في العملية، لكنها لم تكن مهيمنة على الهيكل العام للدائنين كما يُفترض أحيانا.

في عام 2025، وافقت لجنة الدائنين الرسميين، التي تشترك الصين وفرنسا في رئاستها، على إعادة جدولة الديون المشمولة بالاتفاق حتى السنة المالية 2038–2039. ولم تتضمن المعالجة خفضا للقيمة الاسمية لأصل الدين، لكنها قلصت قيمته الحالية من خلال تمديد آجال الاستحقاق وخفض أسعار الفائدة، وهو ما وفر لإثيوبيا تخفيفا كبيرا لأعباء خدمة الدين على المدى القريب. وفي المقابل، ألزم الاتفاق أديس أبابا بالحصول على «معاملة مماثلة» من بقية الدائنين.

سرعان ما أصبحت هذه العبارة محور الخلاف مع حملة السندات. فالدائنون الرسميون رأوا أن على المستثمرين من القطاع الخاص تقديم تنازلات تمنح إثيوبيا تخفيفا لا يقل عن ذلك الذي قدموه. أما حملة السندات، فاعتبروا أن غموض شروط اتفاق الدائنين الرسميين، واعتماده على توقعات متحفظة للصادرات، يفرضان تنازلات مفرطة على حملة إصدار وحيد من السندات لا تتجاوز قيمته مليار دولار.

جاءت التسوية الأولية التي توصل إليها الطرفان في يونيو/حزيران 2026 محاولة للتوفيق بين موقفي الدائنين الرسميين وحملة السندات. فبموجبها، يوافق حملة السندات على خفض قيمتها الاسمية بنسبة 12%، مقابل حصولهم على كامل مدفوعات الفائدة المتأخرة، إلى جانب حق اكتتاب يرتبط بقدرة إثيوبيا على العودة مستقبلا إلى أسواق المال الدولية. وبعد يومين من إعلان التسوية، أكمل صندوق النقد الدولي المراجعة الخامسة لبرنامجه مع إثيوبيا، مشيرا إلى تحسن الصادرات وتحصيل الإيرادات والاحتياطيات. لكنه حذر في الوقت نفسه من استمرار مخاطر الصدمات الخارجية ومواطن الضعف المرتبطة بالديون. وتوقع الصندوق أن ترتفع الاحتياطيات إلى ما يغطي واردات 2.1 شهر في السنة المالية 2025–2026، مقارنة بـ0.7 شهر قبل عامين. ورغم هذا التحسن، لا يزال هامش الأمان المالي محدودا.

مع ذلك، لم يكن «الإطار المشترك» لمجموعة العشرين هو الذي دفع إثيوبيا إلى التعثر؛ فقد لجأت إليه لأن مسار ديونها ووضعها من النقد الأجنبي كانا قد بلغا بالفعل مستوى غير قابل للاستدامة. لكن التجربة كشفت عن خلل مؤسسي واضح في النظام الدولي لمعالجة الديون، إذ استغرق الوصول إلى اتفاق أولي مع الدائنين من القطاع الخاص أكثر من خمس سنوات منذ تقديم إثيوبيا طلبها. ويرجع جانب من هذا البطء إلى أن كل فئة من الدائنين تعمل وفق قواعد مختلفة؛ فالمؤسسات متعددة الأطراف تحتفظ عادة بصفة «الدائن المفضل»، بينما يتفاوض الدائنون الثنائيون من خلال لجان سياسية، في حين يعتمد حملة السندات على العقود والتهديد باللجوء إلى القضاء.

في ظل هذا التباين، يُطلب من مختلف الأطراف تقديم «معاملة مماثلة»، من دون وجود صيغة شفافة وملزمة تحدد مضمون هذه المعاملة أو كيفية احتسابها. ونتيجة لذلك، تستطيع كل فئة من الدائنين إبطاء مسار التفاوض مع الفئات الأخرى، بينما تظل الدولة المدينة طوال هذه الفترة محرومة جزئيا من الوصول إلى التمويل.

تعيد هيكلة الديون توزيع الحقوق والمطالبات بين الدائنين، لكن إجراءات التصحيح الاقتصادي تعيد توزيع الدخل والأعباء داخل إثيوبيا نفسها. فعلى مدى سنوات، أدى تضخم قارب 30% إلى تآكل الأجور والمدخرات. وجعل إصلاح سعر الصرف المصدّرين أكثر قدرة على المنافسة، وساعد على زيادة تدفق العملات الأجنبية عبر القنوات الرسمية، لكنه أدى أيضا إلى انتقال أثر انخفاض قيمة البر إلى أسعار الوقود والغذاء والدواء وغيرها من السلع الأساسية المستوردة. وقد يساعد ضبط المالية العامة وتشديد السياسة النقدية على خفض التضخم بمرور الوقت، لكن هذه السياسات لا تحدد وحدها من يتحمل كلفة المرحلة الانتقالية، ومن يستطيع الصمود خلالها.

لا يمكن، في المقابل، تحميل صندوق النقد الدولي أو عملية إعادة هيكلة الديون وحدهما مسؤولية الأزمة الاجتماعية. فقد دمرت الصراعات منشآت عامة، وشرّدت مجتمعات محلية، وعطلت الدراسة، بينما زادت الصدمات المناخية ونقص المساعدات من حدة الأضرار. وقدّرت اليونيسف في أواخر عام 2024 أن ثمانية ملايين طفل إثيوبي كانوا خارج مقاعد الدراسة، معظمهم في أمهرة وأوروميا وتيغراي، وربطت ذلك أساسا بالصراعات وتضرر المدارس. وفي عام 2025، نفذ العاملون في قطاع الصحة العامة إضرابا استمر شهرا احتجاجا على تدني الأجور وسوء ظروف العمل، وسط اعتقالات وتعليق نشاط جمعية مهنية.

لا تثبت هذه الوقائع أن كل إجراء لتحقيق الاستقرار الاقتصادي يمثل بالضرورة سياسة تقشفية، لكنها تكشف مخاطر تنفيذ إصلاحات اقتصادية كلية من دون شبكة حماية اجتماعية موثوقة. فحين تتراجع خدمات الصحة والتعليم والتغذية، تتضرر المنظومات البشرية التي يعتمد عليها أي تعاف اقتصادي مستدام.

في النهاية، لا يقدم أي من التفسيرات الثلاثة السائدة لأزمة الديون الإثيوبية صورة مكتملة بمفرده. فالتحليل الكلاسيكي الجديد محق في تركيزه على القدرة على خدمة الدين، واحتواء التضخم، ووقف التمويل النقدي للعجز، لكنه يميل إلى التعامل مع المؤسسات وتوزيع الأعباء بوصفهما مسألتين ثانويتين. أما المنظور التنموي، فيصيب حين يؤكد أن الدول الفقيرة لا تستطيع تجاوز اختناقات البنية التحتية من دون الاقتراض، لكنه قد يقلل من أثر الحوافز السياسية، واحتمالات فشل المشاريع، وصعوبة تحويل الاستثمارات إلى صادرات.

تعيد هيكلة الديون توزيع الحقوق والمطالبات بين الدائنين، لكن إجراءات التصحيح الاقتصادي تعيد توزيع الدخل والأعباء داخل إثيوبيا نفسها. وقد يساعد ضبط المالية العامة وتشديد السياسة النقدية على خفض التضخم، لكن هذه السياسات لا تحدد وحدها من يتحمل كلفة المرحلة الانتقالية ومن يستطيع الصمود خلالها

بدوره، ينجح الاقتصاد السياسي النقدي في كشف اختلال موازين القوة لصالح الدائنين، والميل إلى نقل كلفة التصحيح إلى الفئات الأضعف، لكنه يصبح حتميا حين يصور النخب المحلية بوصفها مجرد وكلاء لرأس المال الأجنبي، أو يتعامل مع الدائنين باعتبارهم كتلة واحدة متجانسة. والحقيقة أن أزمة إثيوبيا نشأت من تفاعل هذه المنطلقات الثلاثة: قيود القدرة على السداد، وطموحات الدولة التنموية، واختلال القوة بين الدائنين والمدينين.

يمكن لإثيوبيا أن تعزز موقعها المالي من دون السعي وراء وهم الاستقلال الكامل عن التمويل الخارجي. وتبدأ الخطوة الأولى من الشفافية؛ إذ ينبغي للحكومة أن تنشر، كل ثلاثة أشهر، سجلا مفصلا للديون العامة والمضمونة حكوميا، يتناول كل قرض على حدة، ويبيّن هوية الدائن، والعملة، وأجل الاستحقاق، والضمانات العينية، والمشروع الممول، ووضع إعادة الهيكلة. وينبغي أن تمتد متطلبات الإفصاح نفسها إلى الشركات المملوكة للدولة والمصارف العامة. كما يجب منح البرلمان والمراجع العام صلاحية فحص عمليات الاقتراض الكبرى قبل أن تتحول إلى التزامات يتعذر الرجوع عنها. صحيح أن الشفافية لن تنهي الخلافات السياسية، لكنها ستحد من قدرة الدولة على مراكمة التزامات خفية لا تظهر إلا بعد تحولها إلى أزمة.

أما الخطوة الثانية، فتتمثل في تبني سياسة صناعية أكثر واقعية وتركيزا. فلا تزال إثيوبيا بحاجة إلى البنية التحتية والتمويل العام طويل الأجل، لكن المشاريع ينبغي ألا تُقيّم بحجمها أو حضورها الرمزي، بل بقدرتها على رفع الإنتاجية وزيادة الصادرات والإيرادات العامة. وقد تكون الاستثمارات في الخدمات اللوجستية، وتصنيع المنتجات الزراعية، والخدمات الرقمية القابلة للتصدير، والسياحة، وتوفير إمدادات كهرباء مستقرة للشركات القادرة على المنافسة، أكثر فاعلية في توليد النقد الأجنبي من موجة جديدة من المشاريع الاستعراضية. أما الشركات المملوكة للدولة التي تعجز عن تغطية تكاليف تشغيلها، فتحتاج إلى إعادة هيكلة جادة، لكن خصخصتها على عجل في سوق راكدة لن تؤدي إلا إلى نقل أصول عامة ثمينة إلى مستثمرين بأسعار متدنية.

تتعلق الخطوة الثالثة بحماية الفئات التي تتحمل أعباء التصحيح الاقتصادي. فينبغي ضمان حد أدنى من الإنفاق على الصحة والتعليم الابتدائي والتغذية والتحويلات النقدية الموجهة، على أن يُقاس هذا الحد بالقيمة الحقيقية لا بالأرقام الاسمية التي يلتهمها التضخم. ويجب تثبيت هذه الحدود في الموازنة الحكومية وفي مراجعات برامج صندوق النقد الدولي. كما ينبغي إدارة توزيع النقد الأجنبي بشفافية تسمح بإعطاء الأولوية للأدوية الأساسية ومدخلات الإنتاج، من دون العودة إلى نظام الحصص القائم على القرارات التقديرية. ومع ذلك، لن يكون أي إصلاح اقتصادي كافيا من دون تسويات سياسية في المناطق المتضررة من الصراعات؛ إذ لا تستطيع أي عملية لإعادة هيكلة الديون تعويض الكلفة المالية والبشرية للحروب المتكررة.

لا تقع مسؤولية الإصلاح على إثيوبيا وحدها، بل يحتاج الدائنون أيضا إلى تغيير طريقة تعاملهم مع أزمات الديون. وينبغي أن يفرض «الإطار المشترك» لمجموعة العشرين مفاوضات متزامنة بين مختلف فئات الدائنين، ومعايير موحدة للإفصاح، ومنهجية معلنة وشفافة لاحتساب «المعاملة المماثلة». كما ينبغي تعليق مدفوعات خدمة الديون المشمولة تلقائيا ما دامت المفاوضات تُجرى بحسن نية، حتى لا تستنزف الدولة مواردها بينما تنتظر اتفاقا قد يستغرق سنوات.

يمكن أيضا إدراج بنود تربط مدفوعات الدين بعائدات الصادرات أو بوقوع كوارث كبرى، بما يقلل الحاجة إلى عمليات متكررة لإعادة الهيكلة. ولا تخلو هذه الحلول من المفاضلات؛ فقد يضيف الدائنون كلفة عدم اليقين إلى أسعار الإقراض، كما يمكن التلاعب بالبنود المشروطة إذا صيغت بطريقة سيئة. لكن نظاما يحتاج إلى سنوات لتسوية سند واحد صغير نسبيا يفرض بالفعل علاوة مخاطر مرتفعة، ويضاعف حالة عدم اليقين التي يدّعي أنه يسعى إلى تقليصها.

لذلك، ينبغي التعامل مع خروج إثيوبيا المبدئي من حالة التعثر بوصفه بداية، لا نهاية للأزمة. فتخفيف أعباء الديون يمنح البلاد متنفسا، لكنه لا يمكن أن يكون بديلا عن تنمية الصادرات، وتعزيز الرقابة المؤسسية، وتحقيق السلام، وتوزيع كلفة التصحيح الاقتصادي بعدالة. وتكشف أنظمة المديونية التي تعاقبت على إثيوبيا أن التمويل الخارجي قد يُستخدم لحماية السيادة، أو تمويل الإكراه، أو بناء التنمية، وقد يؤدي هذه الأدوار كلها في الوقت نفسه.

في النهاية، لا أدعي إمكانية قياس استقلال إثيوبيا بامتناعها عن الاقتراض، بل بقدرة مواطنيها على معرفة الخيارات التي تُتخذ باسمهم، ومناقشتها والاعتراض عليها، ثم الانتفاع بنتائجها.