تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 9 ديسمبر 2025

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

مسعد بولس بين تراجع النفوذ وضيق الوقت: هندسة الصفقات الأفريقية على المحك

20 نوفمبر, 2025
الصورة
مسعد بولس بين تراجع النفوذ وضيق الوقت: هندسة الصفقات الأفريقية على المحك
Share

في أقل من عام، تحوّل مسعد بولس من رجل أعمال يتحرك على هامش السياسة الأميركية إلى واجهة دبلوماسية تتنقل بين عواصم أفريقيا من الكونغو إلى السودان ومن ليبيا إلى المغرب. لكن خلف هذا النشاط المحموم، يبرز واقع آخر: نفوذ بلا مؤسسات، ووساطات بلا نتائج حاسمة، ومبعوث يتحرك في قارة مضطربة بينما تضيق أمامه نافذة التأثير. فهل تمثل تحركاته محاولة لإعادة رسم الدور الأميركي في أفريقيا، أم مجرد دبلوماسية شخصية محكومة بالفشل قبل أن تبدأ؟

بولس الذي ورث أفريقيا بلا أدوات

عيّن الرئيس الأميركي ترامب مسعد بولس، في أبريل/نيسان 2025، مستشارًا أول للشؤون الأفريقية، في خطوة فاجأت دوائر صنع القرار في واشنطن. فقد جاء التعيين في سياق انكماش واضح في الحضور الدبلوماسي الأميركي عبر القارة، بعد تقليص ميزانية وزارة الخارجية وإغلاق عدد من القنصليات الأميركية في أفريقيا، إلى جانب استمرار شغور منصب مساعد وزير الخارجية للشؤون الأفريقية. أوجد هذا الفراغ بيئة مكّنت بولس من التحول إلى المسؤول الفعلي عن الملف الأفريقي داخل الإدارة الأميركية، إذ بات يملك هامشًا واسعًا لتوجيه الانخراط الأميركي في القارة بعيدًا عن القنوات التقليدية للدبلوماسية الرسمية.

اصطدمت جهود مسعد بولس في أفريقيا بجدار من التعقيدات السياسية المتشابكة. ففي الكونغو الديمقراطية، ورغم نجاحه في رعاية اتفاق سلام أولي بين كينشاسا ورواندا في واشنطن بتاريخ 27 يوليو/تموز 2025، وُجهت انتقادات إلى وساطته بتهم الانحياز للرواية الرواندية، التي تعتبر أن النزاع في شرق الكونغو شأن داخلي وتنفي أي تورط لكيغالي. ويرى مراقبون أن تبني بولس لهذه المقاربة لا يضعف فقط الموقف الدبلوماسي للكونغو، بل يعرقل أيضًا جهود العدالة والتعويض عن الانتهاكات.

يحمل طموحًا واسعًا لصناعة السلام، غير أن الفجوة بين كثافة تحركاته ونتائجها الملموسة لا تزال كبيرة، مما يطرح تساؤلات حول فعالية نهجه في تحقيق تأثير دائم

لا تقتصر الإشكالية على السردية السياسية، بل تشمل طبيعة الوساطة نفسها. فاندفاع بولس نحو تسهيل صفقات التعدين في الكونغو كشف عن تداخل مصالحه مع مصالح واشنطن الاقتصادية، ما يضعف الحياد المفترض للوساطة ويُعرض جهود تسوية النزاع للخطر. وأوضح أحد مساعدي الرئيس الكونغولي فيليكس تشيسيكيدي لموقع أفريكا ريبورت بشكل ساخر: "الشعب الكونغولي قد يكون معك على الإفطار، لكنه سيبصقك وقت الغداء إن لم تنجز شيئًا"، في إشارة واضحة إلى هشاشة الثقة والضغوط على وساطة بولس في المنطقة.

في السودان، لم تحقق جهود مسعد بولس لكسر الجمود بين الأطراف المتنازعة أي اختراق يُذكر، وسط تصاعد القتال وتدهور الوضع الإنساني. فقد أجرى بولس سلسلة محادثات في القاهرة خلال الأيام الأخيرة، بهدف استكمال مقترح الهدنة الإنسانية الذي طُرح في منتصف سبتمبر/أيلول 2025 برعاية مصر والسعودية والإمارات والولايات المتحدة.

تلاقت هذه الجهود بموقف الحكومة السودانية، إذ أكد وزير الدفاع، حسن كبريون، أن الحرب ضد الجماعات المسلحة ستستمر، وذلك عقب اجتماع حكومي ناقش المقترح الأمريكي لوقف إطلاق النار، مشددًا على أن الحرب تمثل حقًا وطنيًا مشروعًا. وفي السياق نفسه، رفض قائد القوات المسلحة السودانية، عبد الفتاح البرهان، المقترح واصفًا إياه بالأجندة الخارجية، مؤكدًا أن أي تسوية يجب أن تحافظ على سلطة الجيش والمؤسسات الوطنية السودانية، ورافضًا أي انتقال يُهمّش الجيش.

تركّزت جولات مسعد بولس في أفريقيا على ملفات الطاقة والبنى التحتية والتسويات السياسية الهشّة. فمن الواضح أنه يتحرك بوتيرة سريعة، إذ زار حتى 13 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري 11 دولة أفريقية، لكنه يفتقر إلى العمق السياسي المحلي الضروري لفهم تعقيدات كل بلد. فالسلام، كما تشير التجارب، لا يُصنع باللقاءات الرسمية والصور الفوتوغرافية وحدها.

وفي الأوساط الدبلوماسية أصبح بولس معروفًا بلقب "فورست غامب الدبلوماسية"، في إشارة إلى أسلوبه غير التقليدي وحضوره المفاجئ في كل زاوية من القارة. يحمل طموحًا واسعًا لصناعة السلام، غير أن الفجوة بين كثافة تحركاته ونتائجها الملموسة لا تزال كبيرة، مما يطرح تساؤلات حول فعالية نهجه في تحقيق تأثير دائم.

نفوذٌ يتحرك بلا نتائج حاسمة

مع اتساع حضور مسعد بولس في أفريقيا جنوب الصحراء، انتقلت مقاربته تدريجيًا إلى المجال المغاربي عبر جولته إلى تونس والمغرب والجزائر وليبيا في يوليو/تموز 2025. هناك حاول طرح نفسه وسيطًا غير رسمي بين الجزائر والمغرب في ملف العلاقات المجمّدة منذ سنوات، مستندًا إلى شبكة علاقاته مع دوائر نفوذ في الرباط والجزائر. غير أنّ جهوده تلاقت بواقع يتجاوز قدرته فحساسية ملف الصحراء الغربية، وتصلّب المواقف الرسمية في البلدين يجعلان من الصعب تحقيق اختراق حقيقي.

اندفاع بولس نحو تسهيل صفقات التعدين في الكونغو كشف عن تداخل مصالحه مع مصالح واشنطن الاقتصادية، ما يضعف الحياد المفترض للوساطة ويُعرض جهود تسوية النزاع للخطر

كما لم تعد تحركات بولس في شمال أفريقيا مجرّد إدارة قنوات تواصل بين خصمين إقليميين؛ بل باتت جزءًا من مسعى أمريكي لإعادة تشكيل ميزان القوى في الصحراء والساحل عبر مقاربة أكثر مرونة تهدف إلى تعويض التراجع الأوروبي في المنطقة ومنافسة التقدم الروسي والصيني. ورغم وتيرة تحركاته العالية، إلا أنها لم تُفضِ إلى اختراق سياسي أو اقتصادي ملموس، وبقي نجاح إعادة انخراط واشنطن الدبلوماسي مشروطًا بقدرته على توليد زخم فعلي في عمليات السلام المتوقفة منذ سنوات.

في ليبيا، سعى بولس إلى تكريس نفسه لاعبًا محوريًا منذ لقائه مسؤولين من حكومتي الشرق والغرب، في يوليو/تموز الماضي، وفي مقدمتهم رئيس وزراء طرابلس عبدالحميد الدبيبة ورئيس وزراء بنغازي خليفة حفتر. وترافق ذلك مع وعود بتحريك ملف الأصول الليبية المجمّدة التي تقارب 70 مليار دولار، إضافة إلى مشاركته في توقيع اتفاقية بقيمة 235 مليون دولار بين المؤسسة الوطنية للنفط وشركة HILL الأمريكية لتطوير مشاريع الغاز.

ورغم أن بولس حاول تقديم هذه الخطوات كمدخل لاتفاقات اقتصادية مرحلية تمهّد لمسار سياسي أوسع، فإن دوائر ليبية ترى أن تحركاته ليست مؤسساتية. وفقاً للسفير الليبي السابق محمد عميش، لا يعمل بولس عبر القنوات الرسمية لوزارة الخارجية، بل يستمد نفوذه بشكل مباشر من قربه من الرئيس ترامب، وهو ما يمنحه ثقلاً لدى الأطراف الليبية التي تتعامل مع تحركاته باعتبارها تعبيرًا مباشرًا عن توجهات الإدارة الأميركية.

يواجه هذا الزخم واقع سياسي وقانوني معقد في ليبيا، حيث يوضح وزير النفط والغاز في حكومة طرابلس، محمد إمحمد عون، أن أي اتفاقيات كبرى تحتاج إلى شرعية حكومية مكتملة وغطاء قانوني واضح، محذّرًا من أن غياب هذه الشروط يجعل الاستثمارات عرضة للطعن والانهيار مهما كانت الجهة الدولية الراعية لها.

تحركات وشكوك حول النفوذ الأمريكي

داخل واشنطن، أعرب مسؤولون أمريكيون عن شكوك متزايدة بشأن فعالية تحركات مسعد بولس في القارة الأفريقية. فبحسب مصادر في الإدارة، يُنظر إلى تدخلاته على أنها مدفوعة بأجندة فردية أكثر منها تعبيرًا عن دبلوماسية أمريكية منظمة. وتعزّز هذه الانتقادات شبكة علاقاته برجال أعمال نافذين، وفي مقدمتهم ميشيل فادول، إضافة إلى موقعه داخل شركة "SCOA Nigeria"، ما يثير تساؤلات حول تضارب المصالح.

لا يعمل بولس عبر القنوات الرسمية لوزارة الخارجية، بل يستمد نفوذه بشكل مباشر من قربه من الرئيس ترامب، وهو ما يمنحه ثقلاً لدى الأطراف التي تتعامل مع تحركاته باعتبارها تعبيرًا مباشرًا عن توجهات الإدارة الأميركية

كما يشير خبراء أمريكيون إلى أن استراتيجية بولس تفتقر إلى التنسيق مع المؤسسات التقليدية لصناعة القرار في واشنطن، سواء داخل الخارجية أو أجهزة الأمن القومي، وهو ما يُخشى أن يؤدي إلى تآكل نفوذ الولايات المتحدة في أفريقيا بدل تعزيزه خصوصًا مع اعتماد البيت الأبيض عليه بوصفه الواجهة الوحيدة للسياسة الأمريكية في أفريقيا.

في أبريل/نيسان 2025، عقد مسعد بولس اجتماعًا خاصًا مع الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو خلال زيارته إلى باريس، من دون إخطار وزارة الخارجية الأميركية مسبقًا. وشكّل ذلك سابقة أربكت القنوات الدبلوماسية التقليدية، إذ فوجئت سفارتا الولايات المتحدة في كلٍّ من فرنسا ونيجيريا باللقاء بعدما علمتا به عبر وسائل الإعلام.

يظل مسعد بولس تجسيدًا لتعقيدات الدبلوماسية الأميركية الفردية في أفريقيا، إذ تكشف تحركاته المكثفة وطموحه الكبير عن الرغبة في إعادة رسم موازين القوى الإقليمية. ومع الزخم الذي يثيره حضوره، تبقى نتائج هذه الدبلوماسية غير التقليدية محدودة، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى قدرتها على تحقيق استقرار دائم، أو ما إذا كانت ستظل مجرد واجهة لتمرير مصالح خاصة تتقاطع أحيانًا وتتعارض أحيانًا أخرى مع السياسات الرسمية لواشنطن.