الجمعة 13 مارس 2026
في عالمٍ يرفع شعارات "الإنسانية الزائفة" تحول مئات من الأطفال الأفارقة إلى سلع تُتداول بين الأسر الأمريكية والأوروبية، فتحت غطاء العمل الخيري والتبني يسقط آلاف من الصغار ضحايا لعمليات إجرامية عابرة للحدود، تنفذها شبكات دولية معقدة، لتعيد إنتاج الجريمة نفسها وقت أن كانت السفن الغربية ترسو قرب السواحل الأفريقية لتخطف الأحرار، وتحولهم إلى عبيد في مزارع الرجل الأبيض التي دشنها في عالمه الجديد. لكن الجريمة هذه المرة أكثر قسوة، إذ تستهدف أكثر الفئات ضعفا في أفريقيا، ليتكرر إنتاج فصول الاغتراب القسري الذي طُبع على جباه الأفارقة في الأمريكيتين وأوروبا منذ القرن السابع عشر، لكن هذه المرة عبر رحلات "التبني الدولي" لا قوارب العبيد.
تتمثل الجريمة في عمليات التبني الدولي التي زادت بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، إذ تشير الإحصائيات إلى أن أكثر الأطفال الذين يعيشون مع أسر بديلة في الولايات المتحدة هم من أصول أفريقية، وهو ما يعرض هؤلاء الصغار إلى مشكلات قاسية أقلها خطورة فقدان الهوية والاغتراب القسري، وأقصاها يصل إلى حد الاستغلال الجنسي، أو إعادة بيع هؤلاء الصغار لأسر أخرى أو تسريبهم إلى الشوارع دون معيل.
كُشفت أحدث فصول هذه الجرائم تفاصيلها في يوليو/تموز 2025، عبر تحقيقات أجرتها السلطات البريطانية عن تهريب ممرضة من أصول نيجيرية لطفلة ادعت أنها أمها، وزورت لها أوراقا ثبوتية، قبل أن تثبت تحاليل الحمض النووي ألا علاقة بينهما، وهو ما دفع الصحافة البريطانية لأن تطلق على مثل هذه القضية، "مصانع الأطفال في نيجيريا" إذ يتوقع وجود شبكات معقدة منخرطة في عمليات جلب غير قانونية للأطفال الرضع بدعوى التبني، ثم إعادة بيعهم لأسر ترغب في أطفال داخل المملكة المتحدة بمبالغ باهظة.
تبين خلال التحقيقات أن المتهمة زعمت أنها حامل بطفلة، وأنها ترغب في وضعها في نيجيريا، وهو ما دفعها للسفر منتصف عام 2024، بالرغم من تشكيك الأطباء في حملها بعدما أظهرت الفحوصات الطبية عدم وجود حمل، إلا أنها سرعان ما خاطبت طبيبها الخاص بعد أشهر لتخبره بوضع طفلة في نيجيريا، وأنها بصدد العودة بها إلى البلاد.
قدمت السيدة رسالة من مستشفى نيجيري، موقعة من المدير الطبي، تفيد بأنها أنجبت هناك، بالإضافة إلى وثيقة من عيادة أخرى حول علاج التلقيح الصناعي لدعم مزاعمها بأن حصلت على النطفة والبويضة من زوجان نيجيريان، كما قدمت صوراً ومقاطع فيديو قالت إنها تُظهرها في جناح الولادة بالمستشفى النيجيري، إلا أن التحقيقات التي جرت لاحقا بينت أن كل هذه الوثائق مزورة، وأن السيدة على ما يبدو حصلت على الرضيعة بطرق غير قانونية، ضمن ما يسمى بمزارع الأطفال.
لم تكن هذه الواقعة الأولى، إذ سبقت إدانة زوجان من أكسفورد بمحاولة تزوير وثيقة لطفل نيجيري على أنه طفلهما لإعادته إلى المملكة المتحدة، وذلك في أعقاب تحقيق مشترك بين قوة الحدود وشرطة العاصمة النيجيرية، حيث سافر الزوجان إلى نيجيريا، وبعد أشهر من البقاء هناك لجأوا إلى المفوضية البريطانية في لاغوس للحصول على جواز سفر بريطاني للطفل، مدعين أنهما أنجباه بعد فترة من وصولهم إلى نيجيريا، إلا أن الشكوك راودت الموظفين، وأكدت فحوصات الحمض النووي لاحقاً أنه لا تربطها صلة قرابة بالصغير ليواجه الزوجان حُكم بالسجن لمدة 12 شهرًا مع وقف التنفيذ، و250 ساعة من الخدمة المجتمعية.
ليس هذا فحسب، بل تشير المعلومات المتوفرة حول هذه العمليات إلى أن منطقة شمال شرق نيجيريا، ولا سيما ولايتا (مارانهاو وسيارا) تشهدان معدلات مرتفعة لاختفاء الأطفال المرتبط بالاتجار بالبشر، حيث يُنتزع العديد من الصغار من أسر فقيرة للغاية، تحت وعود كاذبة بالمساعدة الاجتماعية وفرص العمل في الخارج. كما جرى رصد عمليات تبني غير قانونية، حيث تدفع الأسر الأجنبية أموالاً للوسطاء لتسريع الإجراءات الاحتيالية، وعادة ما ينتقل هؤلاء الضحايا إلى الولايات المتحدة الأمريكية أو بريطانيا.
عطفا على ذلك، فككت السلطات الغانية في أكتوبر/تشرين الأول 2025، شبكة من محترفي الاتجار بالأطفال تحت ستار التبني الدولي، إذ جرى القبض على ثلاثة نيجيريين متورطين مع شبكة إجرامية تنشط في منطقة أكرا الكبرى، وتحديدًا في مجتمع أشيمان بمنطقة بيس لاند، حيث خدع المتهمون الضحايا عبر استدراجهم بحيل عاطفية، وبمجرد وصولهم إلى غانا، أُجبر هؤلاء الضحايا على الانخراط في أنشطة احتيال إلكتروني، بما في ذلك عمليات نصب عاطفية تستهدف الأجانب، كما تعرضوا للإيذاء الجسدي والنفسي.
يأتي هذا الحادث في ظل تزايد المخاوف بشأن الاتجار بالبشر في غرب أفريقيا، حيث كثفت غانا مؤخرًا عملياتها ضد عصابات الاتجار بالبشر، والتي أسفرت عن إنقاذ 60 ضحية على مستوى البلاد، من بينهم 41 أجنبيًا - بمن فيهم العديد من النيجيريين - و19 غانيًا تم تهريبهم إلى الخارج، غالبيتهم لأغراض الاستغلال الجنسي والجرائم الإلكترونية.
لا تقف عمليات التبني المزيفة عند نيجيريا وغانا بل تمتد لمناطق في عموم القارة، فوفقا لبيانات قدمتها ورقة بحثية أعدها بنيامين داويت مزمور، رئيس لجنة الأمم المتحدة لحقوق الطفل فإن مخاطر التبني العابر للحدود تعرض لها صغار من (تشاد ومصر وإثيوبيا وغانا وكينا وليبيريا وسيراليون وجنوب أفريقيا والسودان وأوغندا).
تأتي إثيوبيا في طليعة هذه البلدان، فوفق تحقيق استقصائي أجرته إذاعة البي بي سي، تحولت هذه العمليات لنشاط تجاري رائج، إذ تُمثّل البلاد ما يقارب خُمس حالات التبني الدولي في الولايات المتحدة. وتشير التقديرات إلى أنه يوجد حوالي 5000 حالة تبني دولية سنويًا من إثيوبيا، ووفقا لوزارة الخارجية الأمريكية، فإن ما يقرب من 19٪ من جميع الأطفال المتبنين من الخارج، والذين يتم نقلهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية هم من إثيوبيا - وأشهر مثال على ذلك هو الممثلة أنجلينا جولي وابنتها زهرة، كما أن تكلفة تبني طفل ونقله إلى الخارج تتراوح ما بين 25000 و30000 دولار أمريكي.
أكثر الأطفال الذين يعيشون مع أسر بديلة في الولايات المتحدة هم من أصول أفريقية، وهو ما يعرض هؤلاء الصغار إلى مشكلات قاسية أقلها خطورة فقدان الهوية والاغتراب القسري، وأقصاها يصل إلى حد الاستغلال الجنسي
كما كشف تحقيق أنجزته مؤسسة رويترز عام 2015، تفاصيل جرائم مروعة حيث تعرضت عائلات أوغندية للرشوة والخداع والإكراه للتخلي عن أطفالها لمواطنين أمريكيين وأجانب آخرين بغرض التبني، حيث تبين وجود شبكات فساد استطاعت التلاعب بسجلات ميلاد الأطفال، لإظهارهم كأيتام وهم ليسوا كذلك. كما رصد التحقيق كيف تحولت هذه العمليات إلى صناعة مربحة يتقاضى فيها المحامون الذين يمثلون المتقدمين الأجانب مبالغ طائلة، وأن هذه العمليات رائجة في جميع أنحاء أوغندا، وهو ما أكدته بيانات وزارة الخارجية الأمريكية التي أظهرت وجود 201 طفلاً تبنّاه مواطنون أمريكيون من أوغندا بين عامي 2013 و2014، ما جعلها ثالث أكبر دولة مصدرة للأطفال في أفريقيا وقتها.
في مصر وظفت عصابات التبني وسائل التواصل الاجتماعي للترويج لأنشطتها عبر مجموعات مغلقة لهذا الغرض، حيث يتواصل السمسار مع أهالي الضحية، مقابل مبلغ مالي قد يصل إلى 30 ألف جنيه مصري (600 دولار أمريكي تقريبا)، مقابل تعهد الأم بعدم المطالبة بالطفل في المستقبل، وسرعان ما تقوم هذه العصابات بتزوير أوراق للصغير قبل أن تدفع به إلى أسرته الجديدة. تتم هذه العملية في أجواء سرية محكمة كون القوانين المصرية تحظر عمليات التبني سواء داخليا أو خارجيا، وتسمح فقط باستضافة الأسر الراغبة في أطفال أيتام عبر إجراءات حكومية صارمة.
تشير المعلومات المتوفرة حول هذه العمليات أن اختطاف الأطفال وتحويلهم إلى سلع يتم تبادلها بين الأسر الغربية، عادة ما تتم من خلال جمعيات تبني دولية تنشط تحت غطاء إنساني أو ديني، ويكون لها عملاء في الداخل الأفريقي، إذ وثقت شبكة CNN سقوط عائلات أفريقية في شراك هذه الشبكات، تحت دعوى توفير بيئة دراسية وأجواء معيشية أفضل للطفل. وهو ما رصدته كاثرين جويس، مؤلفة كتاب "صائدو الأطفال: الإنقاذ والاتجار بالبشر والإنجيل الجديد للتبني"، والتي تقول إنه "عادةً ما يمر التبني الدولي بدورة ازدهار وانكماش... فدولة ما تُغلق أبوابها، ثم تُصبح دولة أخرى مركزًا رائجًا للتبني".
اكتشفت إحدى الكاتبات الأمريكيات عام 2015، أن الفتاة الأوغندية التي تبنتها ليست يتيمة، بل يوجد لها أسرة في بلدها الأم، وهو ما دفعها لإعادتها لأمهما مرة ثانية
تشير الكاتبة إلى أن العديد من وكالات التبني انتقلت من غواتيمالا إلى إثيوبيا، حيث "قفز عدد الوكالات من خمس إلى خمسين وكالة في غضون سنوات قليلة في أديس أبابا"، وأنه يمكن للوسطاء الذين يُوفرون الأطفال للوكالات أن يكسبوا ما يصل إلى 5000 دولار أمريكي لكل طفل. بناء على هذه العمليات ينشأ اقتصاد بأكمله عندما يزدهر التبني الدولي في الدول النامية، حيث توفر هذه الوكالات فرص عمل، وتنشئ دور ضيافة وفنادق جديدة لاستقبال الآباء والأمهات الراغبين في التبني.
لا تقف حالات التبني على الجهود الإجرامية المعقدة التي تقوم بها شبكات إجرامية عابرة للحدود، ففي كثير من الأحيان تكون الأسر المستقبلة للطفل لا تعلم تفاصيل ما تم، بل إن أسرة الطفل الأصلية نفسها هي من تعرضه للتبني هربا من الفقر الذي تعانيه، وهو ما تكشفه الأسر البديلة سريعا بعد أن يبدأ الأطفال في الحديث عن أمهاتهم وآبائهم الحقيقين، وبعضهم يعيد الطفل مرة أخرى إلى أسرته الأفريقية. كما حدث مع إحدى الكاتبات الأمريكيات عام 2015، والتي اكتشفت أن الفتاة الأوغندية التي تبنتها ليست يتيمة بل يوجد لها أسرة في بلدها الأم، وهو ما دفعها لإعادتها لأمهما مرة ثانية.
الأمر ذاته تعرض له زوجان مسيحيان، كانا ضحية لوكالة تبنى كانت تديرها امرأة إثيوبية مقيمة في الولايات المتحدة تُدعى أجيتو ووداجو، حيث قدمت لهما مديرة الدار طفلة تبلغ من العمر أربعة سنوات على أنها يتيمة. لكن الطفلة بعد أن بدأت الحديث مع الزوجان قالت إنها تحلم بعد أن تكبر أن تلتقي بأمها البيولوجية، وهو ما دفع الأسرة للتحري، وظهر لاحقا أن الصغيرة تم جلبها من أسرتها الأصلية في إثيوبيا. تبين أن الكثير من الأمهات الإثيوبيات يدفعن أطفالهن تحت ضغط الفقر والظروف الاجتماعية لمثل هذه الجمعيات، لضمان مستقبل أفضل للأطفال والحصول على مبالغ مالية لإعاشة بقية أعضاء الأسرة.
في أجواء التبني المزيفة يواجه الصغار الأفارقة واقعا مأساويا، وهو ما يدفع الكثير منهم للاستقلال بعد وصوله لسن البلوغ، وبعضهم يخوض رحلة قانونية لمعاقبة من تسببوا في حرمانه من أسرته، وارتكبوا بحقه العديد من الجرائم، ومن هذه الوقائع ما سجلته وسائل الإعلام الأمريكية إذ حُكم على زوجين مثليين أمريكيين بالسجن 100 عام بتهمة اغتصاب ابنيهما بالتبني، حيث أصدرت محكمة مقاطعة والتون أحكامًا بالسجن دون إمكانية الإفراج المشروط. كما أصدر قاضٍ أمريكي في أبريل/ نيسان الفائت أمرا بحماية طفل يدعى جونا بيفين، كان ابنا بالتبني لحاكم ولاية كنتاكي السابق مات بيفين وزوجته السابقة جلينا، وذلك بعد أن قدم جوناه بيفين، البالغ من العمر 18 عامًا، تفاصيل إساءة معاملة واستغلال زعم أنه تعرض لهما بعد تبنيه من إثيوبيا من قبل عائلة بيضاء.
المعنيون بهذه القضية يرون التحركات الأفريقية أقل من المطلوب، فعادة ما تحتال وكالات التبني على القوانين لتهريب الأطفال إلى الخارج
وقتها قال المراهق للمحققين إن عائلة بيفين استغلته لتحسين الصورة السياسية للحاكم السابق، ثم تخلوا عنه في مركز احتجاز للأحداث في جامايكا العام الماضي عندما لم يعد مفيدًا، وهو واقع يعانيه كثير من الأطفال السود الذين يتم جلبهم للولايات المتحدة على حد وصف مؤسس منظمة "من الخوف إلى الحب"، وهي منظمة تُعنى بتربية الأطفال ودعم الأسر مع مراعاة الصدمات النفسية.
الحالات السابقة هي مجرد شواهد على واقع، تقول عنه أرقام المعهد الوطني لرعاية الشباب بالولايات المتحدة إن 60٪ من ضحايا الاتجار الجنسي بالأطفال كانوا تحت رعاية نظام الطفل، كما تُسجّل مدينة ساكرامنتو انتشارًا واسعًا لهذه الظاهرة، حيث تُشير دراسة إلى وجود أكثر من 13000 ضحية مُحتملة خلال الفترة من 2015 إلى 2020، وأن غالبية هؤلاء الضحايا يتعرضون لجرائم من بينها "الاستغلال الجنسي التجاري".
دفع تكرار مثل هذه الحوادث السلطات في عدد من البلدان الأفريقية لوضع محاذير على عمليات التبني الدولية، وبعضها أصدر بالفعل قرارات تحظر مثل هذه العمليات كما هو الحال مع البرلمان الإثيوبي الذي أصدر في عام 2018، قرارا بحظر برامج التبني الدولية، في خطوة جاءت استجابةً لتقارير رصدت عمليات استغلال للأطفال. كما أصدرت السلطات الكينية عام 2019، قرارات بوقف عمليات التبني الدولي، وكانت جنوب أفريقيا تفرض حظراً على التبني الدولي أيضاً، إلا أنها رفعت هذا الحظر لاحقاً بعد وضع إطار قانوني يمكّن الوكالات الحكومية من تتبع تحركات المتبنين، وبررت الحكومة ذلك بأن هذا الإطار سيسهل مراقبة رفاهية الأطفال بعد التبني، وفي زامبيا، يجب أن تمر جميع عمليات التبني بعملية معقدة تشمل أكثر من منظمة حكومية واحدة لضمان بذل العناية الواجبة.
رغم هذه الإجراءات لا يزال نشطاء حقوق الإنسان المعنيون بهذه القضية يرون التحركات الأفريقية أقل من المطلوب، فعادة ما تحتال وكالات التبني على القوانين لتهريب الأطفال إلى الخارج، وهو دفع جمعيات حقوقية للمطالبة بضرورة تعزيز التكامل والتنسيق بين مختلف الجهات المعنية بحماية الطفل، كالشرطة، وخدمات حماية الطفل، والمحاكم، ومحامي الدفاع، والخدمات الاجتماعية، وكذلك تعزيز الرقابة على دور الرعاية وتعزيز شبكة الملاجئ والدعم للأطفال ضحايا الإساءة والاتجار بالبشر، إضافة إلى توسيع نطاق سياسات التعاون الدولي لمكافحة الاتجار بالأطفال، لضمان وقف هذه العمليات التي قد يكون لها أثار سلبية على المجتمعات الأفريقية والغربية على حد سواء