الأحد 7 يونيو 2026
آخر مرة تمكّنت فيها من العودة إلى الوطن كانت قبل عشرة أعوام، بعدما أنهيت لتوّي سنتي الجامعية الأولى. كانت الرحلة من وسط ولاية آيوا إلى القرن الأفريقي تستغرق نحو خمسين ساعة. ومع أن وجهتي الأخيرة كانت صوماليلاند، حيث وُلدت وحيث يعيش والداي، كان عليّ أن أتوقف أولًا في جيبوتي المجاورة لحضور موعد في السفارة الأميركية، لإجراء مقابلة خاصة بتأشيرة العودة إلى الولايات المتحدة.
استغرق إصدار التأشيرة ثلاثة أشهر. كانت تلك الأشهر هي المدة التي قضيتها في صوماليلاند، أحاول خلالها أن أستعيد صلتي بوالديّ، لكنني أمضيت معظم الوقت في مشاهدة أفلام بوليوود والمسلسلات التركية المدبلجة إلى العربية، وفي الأكل وأنا أستشعر، بوعي حاد، أن عودتي إلى الغرب الأوسط الأميركي تقترب يومًا بعد يوم. وفي نهاية الصيف، أصبحت التأشيرة جاهزة، فسافرت إلى جيبوتي لاستلامها قبل أن أعود إلى الولايات المتحدة.
في السفارة، لم تختم الموظفة جواز سفري. بدلًا من ذلك، ختمت ورقة منفصلة، ثم طوتها إلى نصفين، ثم إلى نصفين مرة أخرى، وثبّتتها بدبّاسة داخل الجواز. وعلى ظهر تلك الورقة، في موضع ما، كانت مطبوعة العبارة الآتية: "المسافر المذكور اسمه أدناه يحمل جواز سفر لا تعترف به وزارة الخارجية الأميركية، أو أُعفي من شرط جواز السفر. تُصدر هذه التأشيرة بموجب CFR 41.113(b)".
لطالما بدت لي عبثية هذه الحركة الصغيرة مهينة ومضحكة في آن واحد. كيف يمكن لورقة شبه فارغة أن تُعدّ أكثر قيمة، وأكثر أهلية للثقة، من جواز سفري الذي يحمل ختم جمهورية صوماليلاند؟ هل كانت الموظفة تدرك كلفة ذلك الختم؟ هل كانت تعرف أنه، رغم أن أي دولة في العالم آنذاك لم تكن تعترف بسيادة صوماليلاند، فإن مئات الآلاف من البشر ماتوا من أجل هذا الاسم؟
ومع ذلك، كان في الأمر ما يدعو إلى الضحك أيضًا. فقد فعل ذلك "اللاجواز" ما تفعله جوازات السفر كلها، حيث ساعدني على عبور حدود إلى أخرى، كما لو أن الأمر يحدث بفعل السحر. وفي حالتي، نقلني من زاوية منسية ومرفوضة من العالم، بكل المقاييس، إلى قلب الإمبراطورية الأميركية. كان الجواز رمزًا ونقيض الرمز في اللحظة نفسها؛ إذ ترسّخت قوته في اللحظة ذاتها التي أُعلن فيها أنه بلا قيمة. وحده الصومالي يستطيع أن يدرك المفارقة المريرة الكامنة في هذه المفارقة المزدوجة.
لكن المرور بمفارقة مريرة لا يهيّئ المرء بالضرورة لمفارقة أخرى. وهذا ما تذكّرته في ديسمبر/كانون الأول الماضي، حين استيقظت في شقتي في بيركلي على خبر مفاده أن إسرائيل أصبحت أول دولة في العالم تعترف رسميًا بصوماليلاند دولةً ذات سيادة. وبموجب هذا الاتفاق، الذي اختُتم بمكالمة فيديو متلفزة بين بنيامين نتنياهو ورئيس صوماليلاند عبد الرحمن محمد عبد الله "عرّو"، نالت صوماليلاند أخيرًا نوع الاعتراف الذي سعت إليه طوال أكثر من ثلاثة عقود.
غير أن هذا الاعتراف لم يأتِ من إحدى الدول المجاورة، ولا من دولة أخرى خرجت، مثلها، من تجربة استعمارية. بل جاء من دولة احتلال تمارس الإبادة، وسعت بلا هوادة إلى تقويض حق شعب آخر في تقرير مصيره.
"هل يعرف أحد ما هي صوماليلاند؟" هكذا سأل ترامب الصحافيين عندما أُبلغ بقرار إسرائيل. وأظن أن كثيرين في الولايات المتحدة، ممن سمعوا بالخبر، استقبلوه بالدهشة نفسها. ولا بد أن عددًا أكبر منهم تساءل: ما الذي تريده إسرائيل، تحديدًا، من هذا الإقليم الأفريقي المغمور؟ أعتقد أن الإجابة عن هذين السؤالين تبدأ من سؤال المكان.
تقع جمهورية صوماليلاند، التي أعلنت استقلالها من طرف واحد، أسفل رأس القرن الأفريقي مباشرة، وتشترك في حدودها الغربية والجنوبية مع إثيوبيا وجيبوتي. أما من الشرق، فتجاورها الصومال، التي ما تزال تعتبر صوماليلاند، كما يفعل معظم المجتمع الدولي، إقليمًا شبه ذاتي تابعًا لها.
منذ انفصالها الأحادي عن الصومال عام 1991، في أعقاب السقوط الدموي لنظام سياد بري العسكري، كافحت صوماليلاند من أجل الحصول على اعتراف دولي. وقد فعلت ذلك رغم أنها لا تقيم أي روابط رسمية مع الصومال، ورغم امتلاكها معظم مقومات الدولة: جيش وشرطة ومؤسسات حكم وانتخابات وعملة وجوازات سفر. بل إنها تدير مكاتب بعثات دبلوماسية في عدد من الدول، من بينها الولايات المتحدة، وتستقبل بين حين وآخر ممثلين رسميين عن دول أخرى.
غير أن أيًا من هذه المظاهر البيروقراطية لا يضاهي أهمية ساحل صوماليلاند الممتد على مسافة 850 كلم بمحاذاة خليج عدن، قبالة مضيق باب المندب، حيث يصل البحر الأحمر المحيط الهندي بالبحر الأبيض المتوسط عبر قناة السويس. فهذا الممر البحري تمر عبره نحو ثلث حركة الحاويات العالمية.
يأتي الإغلاق الحالي لمضيق هرمز من جانب إيران، بوصفه تكتيكًا في حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، تذكيرًا صارخًا بما تمنحه هذه الممرات البحرية الضيقة من نفوذ حاسم في مشهد جيوسياسي يزداد ترابطًا واضطرابًا. وقد أدركت صوماليلاند منذ وقت طويل أن ساحلها هو ورقتها الأهم في سعيها إلى انتزاع الاعتراف الدولي.
وقّعت شركة "دي بي ورلد" متعددة الجنسيات، ومقرها دبي، صفقة بقيمة 442 مليون دولار في عام 2016، لبناء مركز لوجستي كبير في ميناء بربرة بصوماليلاند وتشغيله. وفي عام 2018، ترددت أنباء عن محادثات بين روسيا وصوماليلاند لإنشاء قاعدة بحرية في مدينة زيلع الساحلية التاريخية، المجاورة لجيبوتي، حيث تحتفظ عدة دول غربية، من بينها الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا، بقواعد عسكرية، وذلك مقابل اعتراف دبلوماسي بصوماليلاند.
في عام 2024، وقّعت صوماليلاند مذكرة تفاهم مع إثيوبيا، تمنح أكبر دولة حبيسة في العالم من حيث عدد السكان منفذًا إلى البحر، مقابل اعتراف مستقبلي بدولة صوماليلاند. غير أن الصومال احتجت على هذه الخطوة، ووصفت المذكرة بأنها انتهاك لسيادتها الإقليمية، واستدعت سفيرها من إثيوبيا، وهددت بإعادة جميع قوات حفظ السلام الإثيوبية الموجودة على أراضيها. عندها تراجعت إثيوبيا بهدوء، وأعادت علنًا تأكيد دعمها للصومال.
هذا الاعتراف لم يأتِ من إحدى الدول المجاورة، ولا من دولة أخرى خرجت، مثلها، من تجربة استعمارية. بل جاء من دولة احتلال تمارس الإبادة، وسعت بلا هوادة إلى تقويض حق شعب آخر في تقرير مصيره
أما إسرائيل، التي تبدو غير منشغلة كثيرًا بهذه الاعتبارات الدبلوماسية الحساسة، فترى في صوماليلاند فرصة استراتيجية ثمينة. فمن خلال إنشاء موطئ قدم لها في البحر الأحمر، تستطيع مراقبة الحوثيين المدعومين من إيران ومواجهتهم، بعدما شنّوا هجمات على سفن شحن إسرائيلية انطلاقًا من اليمن المجاور.
كما أن أي وجود إسرائيلي في القرن الأفريقي ستكون له انعكاسات على التنافس السياسي بين السعودية والإمارات في شبه الجزيرة. وقد يسهم أيضًا في الحد من النفوذ المتنامي لكل من تركيا ومصر في المنطقة. وفي مارس/آذار الماضي، ذكرت وكالة أسوشيتد برس أن الولايات المتحدة تواصلت مع ثلاث دول أفريقية ذات أغلبية مسلمة، هي: السودان والصومال وصوماليلاند، للبحث عن إمكانية إعادة توطين مليوني لاجئ من غزة داخل حدودها. وقد نفت صوماليلاند حتى الآن حدوث أي محادثات من هذا النوع، لكن ذلك لم يمنع كثيرين من قراءة اعتراف إسرائيل بها بوصفه جزءًا من مخطط أوسع لتهجير الفلسطينيين.
مع ذلك، فإن دوافع إسرائيل لا تمثل سوى جانب واحد من الصورة. أما ما يبدو أكثر إثارة للدهشة، على الأقل لكل من يعرف التاريخ السياسي لصوماليلاند، فهو أن تسعى صوماليلاند بهذه الحماسة إلى كسب صداقة إسرائيل. لكن هل ينبغي لهذا الأمر أن يدهشنا حقًا؟
وُلدت ونشأت في بلدة زراعية صغيرة تُدعى غبيلي، تقع على بُعد نحو ستين كيلومترًا غرب هرجيسا، عاصمة صوماليلاند. وغبيلي هي المركز الإداري لمنطقة تنتج معظم غذاء البلاد، كما أنها مسقط رأس عدد من الشعراء البارزين، وبطل أولمبي واحد على الأقل نال ميدالية ذهبية، هو محمد فارح.
حين كان والداي طفلين في غبيلي، كانت صوماليلاند محمية بريطانية. لكن بحلول الوقت الذي غادر فيه كل منهما البلدة، وهما في سن المراهقة، بحثًا عن حياة أخرى في مكان آخر، لم تكن صوماليلاند موجودة بالمعنى السياسي نفسه. فقد توحّدت صوماليلاند مع الصومال بعد الاستقلال عام 1960، وأصبحت غبيلي جزءًا من جمهورية الصومال الاتحادية.
غير أن التجربة المحدودة لمشروع "الصومال الكبير"، القائم على جمع كل المناطق التي يسكنها الصوماليون تحت جمهورية واحدة، سرعان ما بدأت في التفكك. فقد طبعت السنوات اللاحقة انقسامات حادة وصراعات قبلية مريرة. وفي عام 1969، وبعد أقل من عقد على الاستقلال، وقع انقلاب عسكري فتح الباب أمام دكتاتورية عسكرية وحشية استمرت عقدين، قادها الجنرال في الجيش والضابط الاستعماري السابق سياد بري.
لذلك، عندما وُلدت عام 1995، وهو العام نفسه الذي توفي فيه بري، كانت غبيلي قد أصبحت مرة أخرى جزءًا من صوماليلاند؛ ذلك الكيان المنفصل الذي اقتطع نفسه من الصومال على امتداد الحدود الاستعمارية القديمة. كان على صوماليلاند وعليّ، منذ ذلك الحين، أن نكبر معًا، وأن يتصرف كل منا كما لو أن الآخر كان موجودًا منذ البداية.
في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، ومع احتدام حرب التمرد ضد الدكتاتورية العسكرية، اعتُقل آلاف السكان في غبيلي والمناطق المحيطة بها من دون سبب واضح، ثم أُعدموا ميدانيًا ودُفنوا في مقابر جماعية بلا شواهد. كان ذلك جزءًا من حملة العقاب الجماعي التي شنّها نظام سياد بري على المناطق الشمالية ذات الأغلبية الإسحاقية، وهي المناطق التي كانت تسعى إلى الاستقلال.
وفي ما عُرف لاحقًا باسم "إبادة الإسحاق"، أمر بري بتدمير الشمال بالكامل، حيث كانت تعيش غالبية أبناء عشيرة إسحاق. وتشير التقديرات إلى أن ما يقرب من 200 ألف شخص قُتلوا بين عامي 1987 و1989، فيما نزح ملايين آخرون. وقد وُثّق أن الطائرات كانت تلاحق المدنيين الفارين من العنف، وتواصل قصفهم من مسافات قريبة. ومع تقدّم المقاومة، صعّدت الحكومة أساليبها في العقاب الجماعي. فقد استهدفت القوات العسكرية أنظمة ضخ المياه الرئيسية في المناطق الخاضعة للمعارضة، وذهبت أحيانًا إلى تلويث مصادر المياه ببقايا حيوانية أو بحمض الكبريتيك.
دُمّرت المدن الكبرى، وزُرعت الألغام في المزارع والمراعي، وسُمّمت مياه الشرب، وصودرت ممتلكات المدنيين، واختفى معارضون سياسيون، ووقعت مذابح جماعية. كان لبري هدف واحد واضح: الإبادة.
كانت تلك حملة إبادة موّلتها الحكومة الأميركية ووفرت لها غطاءً دبلوماسيًا، بعدما بدأت تزويد بري بمساعدات عسكرية كبيرة في سياق أجندتها خلال الحرب الباردة. فبعد انهيار العلاقات الصومالية السوفييتية عام 1977، إثر غزو الصومال لإثيوبيا بسبب إقليم أوغادين المتنازع عليه، رأت الولايات المتحدة في الوضع فرصة مناسبة. وعلى مدى العقد التالي، قدمت لبري مئات الملايين من الدولارات على شكل مساعدات عسكرية، مقابل الحصول على منفذ إلى الموانئ الصومالية.
وفي أعقاب الثورة الإيرانية، كانت الولايات المتحدة حريصة على الحفاظ على وجود عسكري قريب من الخليج الفارسي، مهما بلغت قسوة الحاكم الذي تدعمه. وإذا بدا كل ذلك مألوفًا على نحو غريب، فينبغي أن أضيف أن أحد أبرز من عملوا لصالح بري في دوائر الضغط بالغرب كان بول مانافورت، الذي أصبح، بعد ثلاثة عقود، رئيس الحملة الرئاسية الأولى لدونالد ترامب.
كانت الحركة الوطنية الصومالية (SNM) هي القوة التي قادت التمرد ضد النظام العسكري. وقد تأسست على برنامج يقوم على عدم الانحياز، ويدعو إلى إنهاء أي وجود عسكري أجنبي في المنطقة. ولإسقاط نظام سياد بري، كان على الحركة أن توسّع قاعدة التمرد المناهض له داخل الصومال، فدخلت في تحالفات مع جماعات معارضة أخرى ذات طابع عشائري في وسط البلاد وجنوبها، من بينها المؤتمر الصومالي الموحّد (USC) الحركة الوطنية الصومالية (SPM).
وعلى الرغم من الخلافات السياسية والأيديولوجية الواضحة بين هذه الجماعات، وما كان يعتري كلًا منها من انقسامات داخلية، فقد أثبت تحالفها فاعليته. ففي عام 1991 انهار النظام العسكري، وذهب بري إلى المنفى. وعند تلك اللحظة، تفكك تحالف الحركة الوطنية الصومالية مع الجماعات شبه العسكرية الأخرى. وبعد رفضها الحكومة الانتقالية، مضت الحركة في مشروعها الانفصالي، وأعلنت من جانب واحد انفصالها عن جمهورية الصومال الاتحادية، لتؤسس جمهورية صوماليلاند.
من بين ذلك الركام تشكّلت مطالبة صوماليلاند بالسيادة. فشعبها لم يسأل إذنًا بممارسة حقه في تقرير المصير، ولم يُمنح غفرانًا على اختياره هذا الطريق. لذلك كان عليه أن يقرر بنفسه أي كيان سياسي يريد أن يبنيه، ومع من سيبنيه، ولأي غاية. وكان عليه، كذلك، أن يحدد كيف سيتعامل مع هذا التاريخ الثقيل، وأي معنى سيمنحه له في مشروعه الجديد.
وعند النظر إلى سلسلة الأزمات التي عصفت بالدول الأفريقية في العقود التي تلت الاستقلال الرسمي، من حكام مستبدين طال بقاؤهم في السلطة، إلى حروب أهلية وركود اقتصادي وتدهور بيئي، يصبح من المغري القول إن الدولة القومية ما بعد الاستعمارية قد استنفدت رصيدها السياسي والنظري.
هذه باختصار، هي الخلاصة القاتمة التي تنتهي إليها، صراحة أو ضمنًا، كثير من الدراسات المعاصرة في حقل ما بعد الاستعمار. فقد حاولت الكتابات التاريخية التنقيحية الحديثة أن تبيّن كيف أغلقت الدولة القومية، حين أصبحت الصيغة الغالبة للاستقلال، الباب أمام احتمالات أخرى كان يمكن أن تتخذها الحرية بعد نهاية الإمبراطوريات.
فعلى سبيل المثال، تعود أعمال حديثة لأدوم غيتاشيو، وفريدريك كوبر، وغاري وايلدر، إلى أواخر المرحلة الإمبراطورية، لتتأمل المأزق الذي واجهه القادة الأفارقة المناهضون للاستعمار. فقد كانوا يفاوضون رغبتين متعارضتين: رغبة في الاعتماد المتبادل والانتماء إلى عالم أوسع، ورغبة في الاستقلال الذاتي والتحرر من الهيمنة. وفي قلب هذا التوتر، لم تبدُ الدولة القومية لهم حلًا كاملًا، بل تسوية ناقصة وغير مُرضية.
لكن، حتى لو كان النضال المناهض للاستعمار في أواخر العهد الإمبراطوري قد تخيّل أشكالًا أوسع وأكثر مثالية للاستقلال الثقافي والسياسي، مثل الفيدرالية، أو تقرير المصير من دون سيادة الدولة، أو غيرها من الصيغ غير الهرمية لإعادة تشكيل العالم، فإن الاستقلال انتهى، في نهاية المطاف، إلى الشكل الذي نعرفه.
ولفهم علاقة الأفارقة بحاضرهم السياسي فهمًا دقيقًا، لا بد من التعامل بجدية مع استمرار تمسّكهم بهذا الشكل، ولا سيما في اللحظات التي يكشف فيها عن تناقضاته، بل عن طابعه المدمّر أحيانًا. فماذا يحدث حين تصبح الدولة القومية هي القالب الذي يُمنح للتاريخ، والكيان الذي ينظّم تجربتنا للزمن السياسي؟ وماذا يحدث حين يُحرم من هذا القالب أولئك الذين يسعون إليه بإلحاح ويأس؟
لقد مرّت خمسة وثلاثون عامًا على الانفصال، وخلال هذه المدة أعاد مواطنو صوماليلاند بناء بلدهم ببطء، وبعناد، وفي عزلة شبه كاملة. أعادوا فتح المستشفيات، ونظموا انتخابات ديمقراطية دعوا إليها بحماسة مراقبين دوليين، واحترموا التداول السلمي للسلطة، وطوّروا جواز السفر بإضافة شريحة بيومترية إليه، وجعلوا التعليم من الروضة حتى الصف الثاني عشر مجانيًا، وأرسلوا مبعوثين إلى الخارج، وأعادوا فتح فضاءات الموسيقى، وبنوا مكتبة وطنية، ونظموا فعاليات رياضية وطنية، وجرّبوا نماذج للرعاية الصحية التي تخطط لها الدولة، وابتكروا خدمات مالية عبر الهاتف المحمول.
لكن تحت هذا الفخر بالاكتفاء الذاتي، وتحت العمل اليومي الشاق لتأمين قدر من الاستقرار في منطقة مضطربة، ظل هناك وعي دائم بأننا إذا فعلنا كل ما يُفترض بنا فعله، وإذا ظللنا ملتزمين بأفضل سلوك ممكن، فربما، وربما فقط، يُفتح لنا الباب بعد طول إقصاء، وندخل إلى النادي الوحيد الذي يهم حقًا: النادي الذي يضمن الحق في امتلاك الحقوق.
بالنسبة إلى صوماليلاند، لم تكن السيادة، أي السيادة بحكم القانون، مجرد مسألة عملية، خصوصًا أنها قائمة بوصفها دولة بحكم الواقع منذ مطلع الألفية. لقد كانت السيادة، قبل كل شيء، مسألة وجودية.
أثناء الحرب، كانت الكتيبة الخامسة من الجيش الوطني متمركزة قرب غبيلي، على الأرجح بسبب قربها من إثيوبيا، حيث كان مقر الحركة الوطنية الصومالية. وكان قائد تلك الكتيبة هو المقدم يوسف عبدي علي "تُوكي"، المعروف بقسوته البالغة. أما لقبه، فيحيل إلى عبارته الشهيرة: "اقتلوا الجميع إلا الغربان".
وليس من المبالغة القول إن "تُوكي"، وما مثّله من وحشية، كانا جزءًا أساسيًا من الخراب الذي شكّل ملامح طفولتي. كان هناك الملعب المتهالك المقابل للمدرسة الابتدائية؛ ذلك المكان الذي كنا نلعب فيه أثناء الفسحة، والذي كان يتحول مساءً إلى ملتقى للمراهقين الباحثين عن تجاربهم الأولى مع التبغ والحشيش وبعضهم بعضًا، ثم يصبح في أشهر الشتاء مأوى للمشردين ومن فقدوا اتزانهم النفسي.
كان هناك أيضًا بيت الضيافة شبه المعطّل في منزل طفولتي، الذي لم يُرمم بالكامل إلا بعد أن بلغت سن البلوغ. ذات مرة، عثرت أنا وأختي على مجموعة من القطط الصغيرة في ما كان يُفترض أنه مطبخ الضيوف، لكنه بالنسبة إلينا، كما بالنسبة إلى القطط، لم يكن سوى بناء بلا سقف ولا ملامح واضحة، تخزن فيه أمي أثاثًا مهملًا وأدوات متفرقة.
وكان هناك أستاذ اللغة العربية في مدرستي الإعدادية، رجل هادئ ولطيف، لكنه كان يختفي عن المدرسة بضع مرات في السنة، ثم يتجول في البلدة شبه عارٍ، صارخًا ومتشاجرًا. في تلك الأيام، كنا نقضي الحصة الشاغرة بين أطلال الملعب، من دون أن نتحدث عنه، مزيجًا من الاحترام والخوف. وفي طريق عودتنا من المدرسة إلى البيت، كنا نمر بعاملين من منظمة "هالو ترست"؛ (منظمة دعم الحياة في المناطق الخطرة) يرتدون معدات الوقاية، ويرسمون على رمال الطرق الخلفية والأزقة خطوطًا بدت لنا عشوائية.
مع ذلك، قيل لي وأنا أكبر إن التمرد، لا الجيش، هو الذي كان متمركزًا في غبيلي، وإن كل الدمار الذي أصاب بلدتنا كان نتيجة مباشرة لمقاومة وحشية بري. أي إن العنف القاسي والإعدامات الجماعية كانت، نعم، شكلًا من أشكال العقاب الجماعي، لكنها كانت أيضًا عقابًا تحمّله الناس من موقع المقاومة والقدرة على الفعل.
حتى وقت قريب جدًا، كنت أعتقد أن هذه الرواية صحيحة. غير أنني، حتى الآن، لا أجد إلا أدلة على وجود "تُوكي"، لا على وجود الحركة الوطنية الصومالية في غبيلي. صحيح أن مليشيات "أفراد"، (المعروفة أيضًا باسم اللواء الرابع أو جبهة الجيش الإسلامي)، وهي جماعة مسلحة ذات أغلبية إسحاقية، نشأت في غبيلي. وكانت هذه الجماعة في البداية جزءًا من جبهة تحرير الصومال الغربي، أي حرب العصابات المدعومة من الحكومة ضد إثيوبيا، قبل أن تنشق عنها وتنضم إلى الحركة الوطنية الصومالية التي كانت قد تأسست حديثًا. لكن بحلول عام 1982، كانت "أفراد" قد انتقلت بالفعل إلى إثيوبيا.
فلماذا إذن ترسّخت هذه الرواية تحديدًا في بلدة نادرًا ما كان أهلها يتحدثون عن الحرب، مع أنها لم تكن، في أحسن الأحوال، سوى جزء من الحقيقة؟
أظن أن الأمر يرتبط بالنهايات. فبينما كنا نتجنب الحديث عن الأطلال، وعن الرجال المضطربين الذين كانوا يجوبون البلدة بملابس عسكرية ممزقة حاملين بنادق كلاشنيكوف خرجت من الخدمة، وعن لافتات "هالو ترست"، وعن الذين اختفوا، كنا نتحدث عمّا جاء بعد العنف: صوماليلاند.
لم تكن الدولة القومية مجرد تعويض رمزي عما فقدناه، بل أصبحت اختزالًا لمعاناة جماعية مستمرة لم يكن من الممكن الكلام عنها مباشرة. وهكذا غدت صوماليلاند، حتى وهي تستند إلى نظام استعماري أقدم لتبرير شرعية حدودها، وسيلة للإعلان عن بداية جديدة. ومن خلال تصوير بلدتهم بوصفها مقرًا للتمرد، أراد أهلها، بأثر رجعي، أن يجعلوا من أنفسهم جنودًا طوعيين في خدمة الجمهورية الجديدة: أبطالها وورثتها، ومن ثم رعاياها المثاليين.
كل البلدان تصوغ حول بداياتها أساطيرها الخاصة، والقصة التي روتها صوماليلاند عن نشأتها كانت تعني لي الكثير. كنت أفهم أن الذين قاتلوا من أجل استقلال الأمة، سواء في ساحة المعركة أو عبر القصيدة، كانوا يرون أنفسهم جزءًا من النضال الإنساني الطويل من أجل الحرية والكرامة.
شاهدت برعب وذهول مقاطع فيديو وصورًا لحشود مبتهجة من أبناء وطني وهي تحتفل. وأثار في نفسي امتعاضًا عميقًا مشهد الشبان الملتفين بالأعلام الإسرائيلية، والمباني الزجاجية العالية في وسط هرجيسا وقد أضيئت باللونين الأزرق والأبيض
في غبيلي دُفن الشاعر المناهض للاستعمار والقبلية عبد الله سلطان محمد تيمعَدّي، الذي حملت المدرسة الثانوية العامة في البلدة اسمه، وكانت آنذاك المدرسة الثانوية الوحيدة فيها. وعشية استقلال صوماليلاند عن بريطانيا، وبينما كان العلم الجديد يُرفع، أنشد تيمعَدّي قصيدته في الحرية "Kana Siib Kana Saar"، أي: أنزل هذا العلم وارفع ذاك مكانه.
لاحقًا، وبعد أن خاب أمله في الدولة الصومالية ما بعد الاستعمار، وفي الطرق التي قوّضت بها العشائرية المشروع القومي، كتب تيمعَدّي قصائد سياسية كثيرة أخرى، من بينها قصيدته التي أصبحت اليوم كلاسيكية "Dugsi Ma Leh Qabyaaladi" أي: لا مأوى في القبلية.
وكتب تيمعَدّي أيضًا عن الإمبريالية والاستعمار الجديد، فخصّ اغتيال باتريس لومومبا لا بقصيدة واحدة، بل بقصيدتين، واصفًا إياه بأنه: "Geesiga madow uma ogola guusha reer Yurub" أي الرجل الأسود الشجاع الذي ترفض أوروبا الاعتراف بانتصاره.
ورغم أن أحدًا خارج العالم الناطق بالصومالية لم يكن يعرف الكثير عن ذلك الشاعر الكبير، فإنه رأى نفسه مسؤولًا تجاه العالم. وفي المدرسة الابتدائية، كنا نُكلّف بحفظ شعره الثوري وإلقائه، وبذلك كنا نرث، من حيث ندري أو لا ندري، ذلك الإحساس بالمسؤولية الذي حمله في العالم وتجاهه.
في الحياة السياسية الصومالية، كثيرًا ما يكون الشاعر شخصًا ثائرًا. ففي سبعينيات القرن الماضي، أمضى الراحل محمد إبراهيم ورسمي "هدراوي"، الذي يُعد على الأرجح أشهر شاعر صومالي خارج المنطقة الصومالية، خمس سنوات في سجن قنسح ديري سيئ السمعة، بسبب شعره ومسرحياته المناهضة للاستبداد، ومن بينها قصيدته Ha La Qalay Raqdeedaa أي "جيفة الناقة المذبوحة".
تصوّر القصيدة استباحة الناقة المرضعة، وهي في المخيال الصومالي رمز للرزق والازدهار الجماعي، على أيدي قوى جشعة وظالمة. وفي ثمانينيات القرن الماضي، انضم هدراوي إلى الحركة الوطنية الصومالية، وحمل السلاح ضد ديكتاتورية سياد بري العسكرية. غير أن التزامه بسيادة أرض الصومال لم يكن، بالنسبة إليه، نقيضًا للأخوّة الصومالية، بل كان قائمًا عليها. وفي العقد الأول من الألفية الجديدة، أطلق "رحلة السلام"، حيث جاب شبه الجزيرة سيرًا على الأقدام، داعيًا إلى السلام والأخوّة والمصالحة.
ولأن الشاعر حارس لغة الناس، فإنه يتحمل مسؤولية خاصة في الكلام عنهم وباسمهم. فهو يمنح الأمة شكلها وصوتها، لكنه لا يبقى أسير حدودها الوطنية. لم تكن أول قصيدة سياسية لهدراوي، Galangal عن الأخوّة الصومالية ولا باسم قومية صوماليلاند، بل كانت من أجل فيتنام، تضامنًا مع نضالها ضد الإمبريالية الغربية. وفي عام 1982، بعد الغزو الإسرائيلي للبنان، كتب هدراوي قصيدة تمجّد المقاومة الفلسطينية. وسيشرح لاحقًا هذا الموقف بقوله: "القضية الفلسطينية هي نفسها القضية اللبنانية، والقضية الصومالية، والقضية الفيتنامية. كلها مترابطة. وينبغي أن نفهم أن يوم انتصارهم هو يوم انتصارنا، وأن خسارتهم خسارتنا".
لا تستطيع صوماليلاند أن تضع حدًا لمعاناة الشعب الفلسطيني، كما لا تستطيع إسرائيل أن تُجبر الولايات المتحدة، أو أي دولة أخرى، على ختم جواز سفر صوماليلاند والاعتراف به. بل إن ما حدث، إن كان قد فعل شيئًا، فهو أنه أضرّ بقضية صوماليلاند
من شعر التضامن الدولي عند هدراوي وتيمعَدّي، فهمت معنى حق صوماليلاند في تقرير المصير، وما ينطوي عليه من رهانات أخلاقية وسياسية. ففي كل مرة انضممت فيها إلى عمل تنظيمي، أو شاركت في احتجاج، أو وقّعت عريضة، أو كتبت افتتاحية، أو أعددت الطعام لاعتصام، أو تحدثت في تجمع، كنت أتخيل أنني أواصل ذلك الإرث. لا بد أن يكون لحريتي معنى في نضال الآخرين من أجل حريتهم، لأن حريتي نفسها كانت ذات معنى لأولئك الذين قاتلوا من أجلها.
وأنا أكتب هذا، مدركة تمامًا أن كلماتي قد تستدعي غضبًا انتقاميًا، لا من هذه الإدارة فحسب، بل من الإدارة في الوطن أيضًا، أفكر في صورة بالأبيض والأسود لآلاف النساء الصوماليات وهن يتظاهرن في مقديشو، مطالبات بالإفراج عن أنجيلا ديفيس قبيل محاكمتها عام 1972. هل عرفت ديفيس بأمر هؤلاء النساء؟ وهل كان ذلك مهمًا أصلًا؟ أم أن الأهم هو أن هؤلاء النساء شعرن بمسؤولية تجاه العالم، وتخيّلن حريتهن مرتبطة بحرية كل نساء العالم؟
هذا هو التاريخ، وهذه هي المسؤولية، اللذان جرت مقايضتهما بثمن بخس في تلك المكالمة المتزلفة بين نتنياهو وعرّو. في الأيام التي أعقبت الإعلان، شاهدت برعب وذهول مقاطع فيديو وصورًا لحشود مبتهجة من أبناء وطني وهي تحتفل. وأثار في نفسي امتعاضًا عميقًا مشهد الشبان الملتفين بالأعلام الإسرائيلية، والمباني الزجاجية العالية في وسط هرجيسا وقد أضيئت باللونين الأزرق والأبيض. وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، رأيت زملاء سابقين يعبّرون عن فرحهم، بل عن "امتنانهم"، كما قال بعضهم، لما عدّوه شجاعة إسرائيل المزعومة.
وحين بدأ الذهول يفسح مكانه للاشمئزاز، ثم لخيبة الأمل، استحضرت البيتين الأولين من قصيدة هدراوي الشهيرة "Daalacan" والتي كتبها بعد وقت قصير من خروجه من السجن، مساهمةً في سلسلة Dheelley المؤثرة، وهي مناظرة شعرية دارت حول سؤال القومية الصومالية.
تبدأ قصيدة «Daalacan»، وهي قصيدة عن سعي الإنسان العنيد والبديهي إلى الحرية، وعن مسؤولية الشاعر الفريدة في رصد الظلم وحفظه في الذاكرة، بهذا الإعلان: «Ma da’furin ogaalkay / Xaska dabada maan gelin». عدت أبحث عن هذه القصيدة التي عرفتها في سنوات تعليمي الأولى، لا بحثًا عن أبيات مألوفة فحسب، بل عن نظرة الشاعر إلى الشخصية الوطنية، وعن تصوره لما يعنيه أن يكون المرء صوماليًا، وعن الطريقة التي تجسّد بها القصيدة نفسها هذه المعاني. فكّرت ألم نكن، كما تقول كلمات هدراوي، شعبًا يُعرف بالصدق والتواضع؟ ألم نكن شعبًا يصعب على الطغاة خداعه؟ وحين يطلّ الطغيان برأسه، أليس واجبنا أن نسمّي الظلم باسمه، وأن نحفظه في الذاكرة كي لا يُمحى؟
في الأشهر القليلة الماضية، حاولت أن أدفع عن نفسي تهمة السذاجة التي كان من السهل أن أوجّهها إلى تعلّقي المؤلم بوطني. فقد كانت صوماليلاند، بماضيها وحاضرها، الإطار الذي وضعت داخله سلسلة المصادفات التي حدّدت موقعي الخاص في التاريخ، وكل ما قايضته في سبيل أفعالي الشخصية في تقرير المصير. لقد منحتني صوماليلاند طريقة لفهم نفسي.
لا تستطيع صوماليلاند أن تضع حدًا لمعاناة الشعب الفلسطيني، كما لا تستطيع إسرائيل أن تُجبر الولايات المتحدة، أو أي دولة أخرى، على ختم جواز سفر صوماليلاند والاعتراف به. بل إن ما حدث، إن كان قد فعل شيئًا، فهو أنه أضرّ بقضية صوماليلاند. فبعد الإعلان، عقد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة جلسة طارئة، أدانت فيها أربع عشرة دولة من أصل أعضائه الخمسة عشر قرار الاعتراف بصوماليلاند، وعدّته انتهاكًا لميثاق الأمم المتحدة والقانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي. كما أدان الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، إلى جانب جهات كثيرة أخرى، هذه الخطوة.
لكن احتضان صوماليلاند لإسرائيل، بما يحمله من خيانة مؤسفة لتاريخها ومثلها التأسيسية، يكشف الكثير عن عواقب تخيّل الحرية السياسية والثقافية بوصفها نضالًا من أجل السيادة الوطنية وحدها. فبالنسبة إلى صوماليلاند، لم يكن الاعتراف الدولي بدولتها مجرد مسألة رمزية، ولا حتى مكسبًا استراتيجيًا، بل كان مسألة وجودية بامتياز؛ إلى حد أن شكل الدولة القومية صار يتقدم على التاريخ نفسه الذي استمد منه النضال من أجل تقرير المصير شرعيته.
وبما أن الاعتراف بات يُنظر إليه باعتباره الطريق الحقيقي الوحيد إلى العضوية الكاملة في مجتمع العالم، توقفت صوماليلاند عن التفكير في نفسها بوصفها جزءًا من ذلك المجتمع ومسؤولة تجاهه. هنا، ينحدر الرمز إلى مجرد علامة، ويغدو التاريخ أداة تُستخدم في خدمة شكل سياسي محدد سلفًا.
إذا كانت اعتباطية الحدود الأفريقية تكشف أن شكل الدولة القومية ليس أمرًا طبيعيًا ولا مقدّرًا سلفًا، فإن إعادة رسم الأراضي الصومالية باستمرار، وبصورة متنازع عليها، تذكّرنا أيضًا بأنه لا يحمل بالضرورة معنى رمزيًا ثابتًا.
كثيرًا ما أفكر في مدى اختلاف حياتي، بل في مدى سهولتها، لو أن العالم اعتبر جواز سفري الصوماليلاندي وثيقة شرعية. كان بوسعي أن أزور والديّ المسنين، وأن أقضي العطل في البلدان التي يقيم فيها إخوتي وأخواتي، وأن أتعرف إلى بنات وأبناء إخوتي. كان بوسعي أن أحضر بينالي عموم أفريقيا في نيروبي في سبتمبر، وأن أسبح في بحر إيجة، وأتسلق جبل رأس الأسد، وأستمتع بروائح سوق داراجاني.
باختصار، كان بوسعي أن أكون حاضرة في العالم، وأن أشعر بالحرية. لكن هذه كلها أشياء تُفعل؛ حريات برجوازية متواضعة كان يمكن أن يتيحها لي أي جواز سفر آخر تقريبًا. وفي غياب تلك الحرية، يبقى ما يمكن أن أكونه، ويبقى الاستخدام الذي أستطيع أن أمنحه لهذه المصادفة التاريخية. أما الآن، فلا أملك سوى أن أنضم إلى الشاعر في مهمته: قول الحقيقة، وتثبيت الذاكرة، وحفظ ما جرى من النسيان.