تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 11 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
حوارات

عمر الصايم: الحرب في السودان ليست رصاصة طائشة بل "أعلى حلقات العطب"

6 مارس, 2026
الصورة
عمر الصايم: الحرب في السودان ليست رصاصة طائشة بل "أعلى حلقات العطب"
Share

لم يتكلم عمر الصايم في حديثه عن الحرب والسلام بوصفه روائيا يراقب المأساة من شرفة اللغة، بل كمن نزل إلى الشارع ذات يوم وهتف واختلف، وخاض التجربة السياسية بيد وكتب باليد الأخرى، لذلك جاءت كلماته مشوبة بخبرة مزدوجة حساسية الأدب وخشونة الواقع.

قال إن الحرب ليست حدثا طارئا في السودان، بل هي أعلى حلقات العطب؛ النتيجة المتأخرة لمراوحة طويلة في المكان الخطأ. لم تبدأ بالرصاصة بل حين فشلت الخطابات في الاعتراف بأعطابها، وحين غابت العدالة من كل تسوية من عنبر جودة إلى نيفاشا مرورا بلحظات الانتقال المرتبكة، فالحرب في نظره لم تفاجئنا، نحن الذين أرجأنا مواجهة أسبابها حتى انفجرت في وجوهنا.

وعن شعار (سلمية) قال إنه لم يسقط فجأة بل أعيد تأويله تحت ضغط صراع السلطة، فبعض ممن حملوه كانت لهم صلة مخفية بمعجم العنف، ولم ينتقلوا إلى السلمية انتقالا نظريا وأخلاقيا مكتمل الأسس بل فقط تكتيكا مؤقتا، يظل الباب فيه مواربا للعودة إلى السلاح، لذلك ظل خطاب السلام هشا وسريع الانكماش أمام إغراء القوة.

وكان تضخم خطاب الكراهية أكثر ما يقلقه، فهو يرى أن معجم العنف بمفرداته العرقية والدينية والجنسية تسلل إلى اللغة اليومية؛ في الميديا وفي أحاديث الناس، وحين يستقر هذا المعجم في العقل، يصبح السلام مجرد هدنة لغوية لا أكثر، ولا يمكن في رأيه بناء سلام حقيقي بينما تظل مفردات الحرب حية في الوعي.

ومع ذلك لم يكن متشائما تماما حين أشار إلى أن داخل هذا الجحيم إشراقات ومتطوعون وتضامن صامت، في الأحياء كان يميز دائما بين نخبة مأزومة تمارس التخوين و"ناس الحلة" الذين ما زالوا أقدر على الاندماج وقبول الآخر، لذلك دعا إلى قطيعة واعية مع لغة التحريض لا بوصفها تجميلا لفظيا بل كمراجعة أخلاقية تعيد تعريف العلاقة بين المختلفين.

مصعب محمد علي: تبدل الخطاب الثقافي والاجتماعي في السودان بين لحظة الثورة ولحظة الحرب، ما أثر هذا التحول على الأدب السوداني؟ وهل استطاع الأدب أن يقاوم تصاعد خطاب الكراهية في الفضاء العام، أم أنه تأثر بمفرداته وإيقاعه العنيف؟ ثم ما الذي تفرضه هذه المرحلة على الكاتب والمثقف من مسؤولية أخلاقية ومعرفية في مواجهة لغة العنف وإعادة صياغة المعنى؟

عمر الصايم: لحظتا الثورة والحرب كامنتان في الخطاب الثقافي والاجتماعي في السودان، قد تختفي إحداهما وتسود الأخرى؛ لذلك تاريخنا في دولة ما بعد الاستقلال -على الأقل - سلسلة من الثورات المُجهَضة، والحروب المشتعلة. المدهش في الأمر هو البريق والالتفاف الجماهيري الذي يصاحب الخطابين، وفي ظني أن مرجع ذلك يعود إلى التطلع للتغيير، واعتماد الحرب وسيلة للثورة. من الجهة الأخرى اعتمدت الدولة، والنخبة السياسية خطاب عنفي ضد التغيير، أو تم تجيير التغيير لمصلحة فئة محدودة، بعيدة عن مشاغل الناس وهموم عامة الشعب.

بدأ ذلك منذ أحداث عنبر جودة فيما قبل الاستقلال، وظل يتنامى متحدياً الثوار والتغيير، هذا الاشتباك بدا لنا أنه انفض مع ثورة ديسمبر، التي وإن تأخرت بسنوات عن زخم ما اصطلح عليه بالربيع العربي إلا أنها ذهبت مستعيرة شعار هتافه (سلمية.. سلمية)، وفعلياً انتهجته. بينما في الطبقات العميقة من الوعي والتاريخ الوطني لم ينفك الصدام أو الارتباط بين لحظة الحرب ولحظة الثورة.

بالتأكيد الأدب ليس أرخبيلاً مقدسًا وسط كارتيلات العنف، وإن كنا نعتقد بعافيته؛ فالواقع يشير إلى غير ذلك، إذ ركن الفعل الثقافي والأدبي إلى الانجرار في مؤخرة قافلة يقودها السياسيون، ويرسمون أدوارا محددة، لذلك الفعل ذات طابع ديكوري أو تكميلي. أظن أن الحال كان أفضل بكثير في بواكير العشرية الأولى مما تلى الاستقلال؛ وذلك لأن السياسيين كانوا أكثر ثقافة واهتماماً بالآداب عموماً، ثم اضمحلت ثقافة السياسيين مع سيادة النزعة البرجماتية التي بثها التيار الإسلامي وسط المشتغلين بالسياسية، الآن وصلنا لمرحلة أن الفكر والأدب ليس في حالة استتباع إو ابتلاع، بل في حالة نكران الدور من الأساس، وإقصائه كفاعل من المشهد العام.

بالنتيجة تبدو مساهمة الأدب في مقاومة الخطابات العنفية، والتي تحض على الكراهية أقل مما يتعين؛ لجعل الفضاء العام قابلاً لمفردات التغيير وبناء السلام معاً، ولو أن ثمة تأثراً - ولو ضئيل - حدث في الخطاب الفكري والأدبي، بما هو سائد من كراهية ورفض للآخر يكون الفكر في مأزق كبير، حيث أنه فارق دوره لمساحة الاصطفاف هنا أو هناك، ولا بد أنه منزلق نحو التعبير السطحي عن أزمات المجتمع، وأتصور أن ذلك حدث بمقادير متفاوتة لا تنكرها العين المستبصرة.

الآن، وقد بلغنا عمق الأزمة التي إن حاقت بأي مجتمع؛ فإنها ستفكك أوصاله وتحيله إلى أثرٍ بعد عين، سيسكت الأدب لا خوفاً، ولا طمعاً. ولكن لفحص قيمته، وتبين مدى جدواه وصدقيته، سيحذر الأدب من الوقوع في مخاضة الدم ودق طبول الموت، وسيكون من الأجدى له تلمس الإنسانية في كل ما يُكتَب، ومهما يكن من أمر الأدب والفن إجمالاً هو الصوت الذي يجمعنا، ليس على هذا الصوت أن يكون بعيداً عن أحلام الناس وتطلعاتهم لحياةٍ جيدة ومستحقة.

مصعب محمد علي: وهل نحتاج اليوم إلى "أدب شهادة" يوثق الألم اليومي، أم إلى "أدب تخييلي" يخلق أفقاً رمزياً يتجاوز اللحظة الدامية؟

عمر الصايم: هذا سؤال عن الشكل الفنيّ في كثير من جوانبه، وفيما أظن أننا في حاجة إلى كافة أشكال الكتابة، أدب توثيقي وسيرة ذاتية وأدب تخييلي أو رمزي.. إلخ، ولا ينبغي علينا أن نُضيِّق واسعاً. اللحظة الدامية نفسها يتم التفاعل معها بطرق مختلفة وتجارب متغايرة، كما لا يمكن الإفلات منها إذا جنح الكاتب إلى إنتاج أدب صادق ومعبر عن ضمير أمته، سيكون تعدد أشكال الكتابة سانحا لتعدد الآراء وضروب المقروئية. من المهم بالنسبة لي أن يكتب الناس ويقرأون، تراكم فعلي الكتابة والقراءة هو أحد تجليات حضورنا القومي، وتحققنا في التاريخ كشعب، شعب دوّن مآسيه، وتخطاها. الشعوب هي مَن يكتب، وفي ظل التهديد الماحق لوجودنا كسودانيين؛ فإن الكتابة تجمعنا حتى لو فرقتنا السياسة وخططها الجهنمية.

مصعب محمد علي: لماذا يبدو قبول الاختلاف في سياقنا السوداني مثقلاً بشبهة التخوين، حتى يصبح الرأي المخالف موضع اتهام لا نقاش؟ وكيف يمكن، بعد حرب مزقت النسيج الاجتماعي وعمقت التعبئة المتبادلة، إعادة بناء الثقة بين مجتمعات أنهكها الخوف والاصطفاف؟ ثم ما الصلة بين اللغة التي تسود الفضاء العام وبين إمكان تحقيق مصالحة حقيقية داخل الأحياء السكنية (ناس الحلة)؟

عمر الصايم: لم يكن الأمر بهذا السوء داخل الأحياء السكنية، وبين (ناس الحلة) أو في المسرح القومي، وأروكسترا الإذاعة، وأزعم أن رفض الآخر نابت ومستشري بين النخبة الفاعلة سياسياً، وبين الأنتلجنسيا أكثر من (الحِلة)، شاهدي على ذلك التدامج في المدن التي تأسست مع خط السكك الحديدية، أو التجمعات السكنية حول ضرائح المتصوفة، ولا أرى ضرورة تقديم النماذج على سماحة البسطاء من الناس مقارنة بالنخبة، وأزعم أن كثيرًا من أزماتنا صنيعة مثقفين متذرعين. هذا لا ينفي أن مجتمعاتنا السودانية في جزء من سيرتها وسريرتها تتوجس من الآخر، وقد تعاديه أحياناً، ولكن ما السبب؟ وهل نهض المثقفون بأعبائهم كما يجب في نشر ثقافة القبول بالآخر المغاير؟ هل تواضعوا ليبصروا بعض معارف مجتمعاتهم؟ أم نظروا إليها كقطيع ينبغي أن يُقاد؟ هل محّصت النخبة الفكرية والسياسية نفسها، وتعاملت بطريقة تستدعي اكتشاف الآخر، أم بطريقة تمطيه لتحقيق أحلامها وأمانيها؟!

لعلّ هذه الحرب الكريهة مِطرقة قاسية؛ لتنبيهنا حول أهمية الطريق الذاتي نحو تعريف الذات، واكتشاف خطل خطاباتنا الفائتة. ما لم يتعلم من هذا النزيف، الألم اليومي، والمرارات سيتعذر عليه لاحقًا التأمل ومعالجة الإخفاقات، ربما كنا في حاجة إلى هذه الزلزلة العنيفة؛ لنستفيق، ومن الممكن إذا خلصت النوايا والأعمال إعادة اللُحمة الاجتماعية والإنسانية، على الأخص أنه، وفي هذا الجحيم، توجد إشراقات كثيرة، تتجلى في هيئة تكايا ومتطوعين.. إلخ.

سيشرع الناس آنذاك في انتقاء اللغة التي تواكب وتؤسس لمرحلة جديدة، تكون نفيض حالة الاحتراب والكراهية، وليس ذلك على الشعب - أي شعبٍ ببعيد- فعملية التدامج القومي تقع ضمن التحولات الهائلة والتاريخية، وهي تحتاج إلى مقاربة راتقة للفجوة بين عامة الناس والآخرين المشتغلين بالإنتاج الذهني والسياسي.

مصعب محمد علي: تعرض شعار "سلمية" لإعادة تأويل تحت ضغط صراع السلطة وتعثر الانتقال، بحيث تبدلت لغة بعض الفاعلين في المجال العام من خطاب جامع إلى نبرات أكثر حدة؟ فهل يمكن بناء سلام سياسي واجتماعي مستدام من دون قطيعة واضحة مع معجم العنف، ومن دون مراجعة لغوية تعيد تعريف العلاقة بين المختلفين، من غير التفريط في مطلب العدالة؟

عمر الصايم: كما ذكرتُ آنفاً هؤلاء الفاعلين الذين قاموا بتأويل أو تحوير شعار سلمية كانت لهم صلة وثيقة، مخفية مع شعارات العنف، والواقع أنه في السودان، وفي دول الإقليم، يتم تبني العمل العسكري القتالي كآلية للتغيير، وإذا تم تجاوزها لا يتم نقدها، والانتقال منها إلى السلمية على أسس نظرية، انتقال عشوائي ويظل الباب مواربًا للعودة مرة أخرى للعنف والعنف المضاد، ورغم تكاثر مراكز السلام وإذاعته إلا أن خطاب السلام بهشاشته، وانتهازية دعواته ودعاته سرعان ما ينكمش في مواجهة العنف المفضي إلى السلطة أو المتشبث بها.

مسألة العدالة ظلت لبنة غائبة في تسويات السلام السياسي، أو المجتمعي، غابت في أحداث عنبر جودة، وفض الاعتصام، وفي أكبر وثائق السلام (نيفاشا) هذا الغياب يعكس الهرولة على السلطة وتناسي العدالة كأساس لها، كما يعكس هزال مشروع التغيير. بكل أسف وفي أتون هذه الحرب تضخم خطاب العنف بطبيعة الحال الذي يغذي الحرب، عنف ذو طابع عرقي، وديني، وجنسي. إن اقل جهد في تحليل قاموس الخطاب العام بين الناس أو في الميديا سيصل إلى نتيجه مفادها غلبة خطاب الكراهية وتنوع سماته في توصيف الواقع. بالطبع لا يمكن بناء سلام سياسي واجتماعي بينما التواصل ممتد مع معجم العنف؛ لأن مفردات هذا المعجم ثاوية في العقل الذي يدير ويمارس الاشتغال بالعمل السياسي او الاجتماع، مع ملاحظة ضرورة إنجاز حالة السلام كمدخل ابتدائي لخوض صراع ذهني مع معجم العنف وخطابه، فليس من الممكن أن نكون من مرجئة السلام السياسي بانتظار انقضاء خطاب الكراهية، سيكون تحقيق السلام العتبة الأولى لإنجاز قطيعة مع السلوك العنفي.

مصعب محمد علي:لماذا ظل سؤال العدالة مؤجلا في كل المنعطفات الحاسمة من تاريخنا السياسي من أحداث عنبر جودة إلى اتفاقية نيفاشا؟ ولماذا جرى التعامل معه دائما كعبء يمكن تأجيله لصالح تسوية سريعة أو اقتسام للسلطة؟ وهل كان ذلك التأجيل مجرد اضطرار مرحلي أم تعبيرا عن خلل أعمق في تصورنا لمعنى الدولة والشرعية؟

عمر الصايم: تأجيل العدالة هو الوجه الآخر لغياب الوظيفة الحقيقة والمرتجاة من السياسيين. إن أي سياسي مستوعب لدوره ولأهمية العدالة في بناء الدولة وسلامة المجتمعات لا يمكن أن يفرط في العدالة وبصورة متكررة، دون أن يلوم نفسه أو يطرف له جفن. التأجيل وسرعة الانخراط في كل مرحلة سبقتها مظالم يعني عدم الحساسية تجاه الشعب، وأنه ليس هدف العملية السياسية، أو مصدر إلهامها. هنالك قول مأثور: "مَن أمن العقوبة؛ أساء الأدب"، وهذا ما حدث بالضبط، تعرضنا خلال السبعين عاماً لسياسيين أفلتوا من العقاب الجزائي القضائي، والجزاء المعنوي. وبالتالي كنا محط قلة أدبهم، وسامونا سوء الإساءات. إن إعادة النظر في دور الدولة والسلطة، وتحديد مهام السياسي بدقة هو ما يمنح الدولة مشروعيتها، وقدرتها على الاستمرار، وما الدولة إلا خادمٌ للناس. أمّا الناس فهم كما قال أبو العلاء المعري:

الناسُ للناسِ من بدوٍ وحاضرةٍ

بعضٌ لبعض وإن لم يشعروا خدمُ.

مصعب محمد علي: إذا كانت الحرب قد كشفت عطباً بنيوياً عميقاً يتجاوز مجرد صراع على السلطة - عطباً يتعلق بإدارة التنوع، وتوزيع السلطة، وعلاقة الجيش بالسياسة، والاقتصاد والولاءات؛ فهل يمكن لأي تسوية سياسية تقوم على تقاسم السلطة وحده أن تمنع تكرار الانفجار، أم أن غياب تصور واضح لشكل الدولة وقواعدها سيعيد إنتاج الأزمة بأدوات جديدة وتحت عناوين مختلفة؟

عمر الصايم: الحرب أعلى حلقات نتائج العطب، كنا نراوح مكاننا المعطوب، ونشأت الحرب كنتاج مباشر لهذه المراوحة، باعتبارها تعبيرا عن فشل الخطابات والممارسات السياسية، أعني أننا كنا مكتشفين لمكامن العطب، وبفعل عوامل متعددة، داخلية وخارجية فشلنا في المعالجة، ومن ثمّ حصدنا نتيجة الحرب المزرية والكريهة. وبالتالي فإن أي تسوية سياسية لا تشمل اعترافاً بالحقيقة ومصالحة مجتمعية، تتم بصدق وتجرد، وتشمل المؤسسات الحزبية ومؤسسات الدولة والأفراد، وما بين الأخيرين من منظمات مجتمع مدني.. الخ أي تسوية ناقصة لن تعالج المشكل، ومع ذلك وإن شابتها عيوب إلا أنها مدخل لما بعدها، ويمكن إصلاح أعطابها واعتبارها تسوية ذات أمدٍ أطول، إن إنضاج تجاربنا، وإتاحة الزمن لذلك في غاية الأهمية، مع الانتباه دائما لأننا بالأساس بشر يحبون الحياة، ويستحقون الجيد منها، ولسنا حقل تجارب بالتأكيد.

مصعب محمد علي: هل أزمتنا كامنة في من يتولى السلطة أم في الفكرة التي نحملها عنها بوصفها غنيمة لا مسؤولية وبوصفها امتلاكاً لا تكليفاً؟ وهل العطب في الدولة كمؤسسات وقوانين أم في تخيلنا لمعناها حين نراها جهازاً للهيمنة لا فضاء مشتركاً لتنظيم الاختلاف؟ وهل الخلل في اللغة التي نتداولها في السياسة والاعلام أم في الوعي الذي ينتج هذه اللغة ويعيد تدوير مفردات الاقصاء والتخوين والعنف؟

عمر الصايم: في كل ذلك أزمتنا مفاهيمية بالدرجة الأولى، تعريفنا الضبابي للسلطة ومهامها وأهميتها ودورها. تعريفنا الناجز للسلطوي والسياسي ودوره ومهامه. عندما سلمنا الإنجليزُ الدولةَ، كانت على نسق ديمقراطية وستمنستر، وقد تدرب قادتنا عليه حتى أنهم قدّموا وأجازوا مقترح الاستقلال من داخل البرلمان. كانت الخدمة المدنية في أبهى أطوارها، مشروع الجزيرة ذو إنتاجية عالية، والسكك الحديدية تعمل بكفاءة وانضباط، كل هذا تحوّل إلى نوستالجيا تشعل أنس المسنين.

بعد أن تحقق الاستقلال واجهنا التباس المفاهيم، تناقض بنية السلطة مع أهداف شاغليها، المفارقة أن السلطة الاستعمارية، والتي بحسب أهدافها ووظيفتها تعمل على تحقيق مكاسب جبائية وريعية؛ كانت أفضل حالاً من السلطة الوطنية؛ فالمشاريع التي أنجزتها كمشروع الجزيرة، أو مشاريع الإعاشة بالنيل الأبيض، أو خدمة السكك الحديدية، وضعت مواطني المناطق في اعتبارها، استفادوا منها في التعليم والصحة وبناء المراكز الحضارية.

الآن هل يمكن لراصد دقيق أن يحدد لنا ماذا استفاد المواطن من مشروع سكر كنانة، سكر النيل الأبيض، وسد مروي، بالنسبة لي هذه المشاريع لم تخدم الإنسان البسيط حيث تم إنشاءها، بل كانت خصماً عليه. إذن لم تعِ دولة ما بعد الاستقلال دورها أبداً، وفضلت أن تعتمد على ريع يأتيها من الأرياف والمدن، وكنتيجة لذلك يمكنني أن أقول أن الدولة في فترة الاستعمار كانت أنجح، والسياسة أنجع، وهذا التخريب الذي أحدثناه هو ثمرة ناضجة حد التعفن لفشلنا المفاهيمي والوظيفي، وأن العيب لم يكن في الهيكل بل في تصوراتنا وممارساتنا، وأرى فيما أرى، أن هذه الحرب وما سبقها من حروب هي نتاج أزمتنا في مفهوم السلطة، ودور السياسي من حيث أن الهدف عند كليهما هو خدمة الناس، تخيل لو ان الدولة أنجزت تعليماً ممتازاً في الأرياف، ومراعي خصبة، هل كان ثمة حروب ستندلع على مدى سبعين عاماً؟!

مصعب محمد علي: هل أزمة السودان تكمن في تدخل الجيش في السياسة فحسب، أم في غياب تصور دستوري واضح يحدد علاقة المؤسسة العسكرية بالسلطة المدنية، ويضبط حدودها ودورها في دولة ديمقراطية؟ وكيف يمكن إعادة تعريف هذه العلاقة بحيث تُحمى الدولة من الانقلابات، وتُصان المؤسسة العسكرية من التسييس، ويُضمن خضوعها للرقابة المدنية دون إضعاف قدرتها المهنية، أم أن المشكلة أعمق وتعود إلى بنية دولة جعلت من العسكر حكما وشريكا وخصما في آن واحد؟

عمر الصايم: المشكلة أعمق، وكل ما ذكرته هو إفراز من عميق المشكلة. أسئلة وجود العسكريين في السلطة، وضعف التجربة الديمقراطية، والدوران التاريخي فيما عُرف بالحلقة الشريرة، كل هذا لا يؤشر لمشكلة بنيوية في الدولة فقط، إنما يؤشر لمشكلة بناء دولة حديثة وديمقراطية في مجتمع يفارق نظريتها واقعياً. هذه المشكلة الحضارية لا تخصنا نحن فقط كدولة أو مجتمع، إنها تواجه أوغندا ومصر وأفريقيا الوسطى. لا دولة في منأى بنفسها عن أطروحات الحداثة والتحديث، خاصة مع عولمة المعارف والاتصالات.

خذ الديمقراطية مثلاً تجد البعض ينشدها فقط من حيث هي تداول سلمي للسلطة؛ أي يأخذ قاعدتها السياسية، ويرفض الحقوقية والاجتماعية، يفعل ذلك لأنه يدرك أن ممارسته تقع ضمن مجتمعات قبلية وعشائرية مفتقرة إلى البرهة التنويرية في الفكر الأوربي، إلى القواعد الفلسفية التي تأسست عليها المجتمعات الغربية، إذن أقصر الطرق بالنسبة له أن يؤمن ببعض الكتاب إذا كان يحقق له هدفه السلطوي، ويكفر أو يتجاهل القواعد الأخرى. الدول تختار طرائق مختلفة كمدخل للتحديث، وبعض جيراننا يختارون الدكتاتورية، وكثير من ساستنا يتوسمون الديمقراطية من أعرق الدكتاتوريات في أفريقيا.

هذه المشكلة المتمثلة في التناقض بين أسس الديمقراطية ومجتمعاتنا لا تعني أننا غير أكفاء لتحديث مجتمعاتنا، بقدر ما تعني ضرورة صياغة أسس تلائم هذه المجتمعات، وتعمل على تحديثها تدريجيا لا بضربة لازب. كلما رأيت سخرية ترامب من الصومال، وتعاليه المفرط على المجتمعات الأفريقية، أدركت أنه واعٍ بأزمتنا، وبالمفارقة التي وقعنا فيه، ولكنه وسائر الدول الأوروبية مع علمهم بالحادث يراعون مصالح دولهم وشعوبهم كما هو مُناط بهم، ولذلك يقدمون لنا المساعدات لنكون مثلهم، لا لنكون نحن، ومهما فعلنا لن نكون الآخر وتلك نهاية محزنة ومخزية، لن نتجنبها ما لم نبدأ في حوار جدي حول مسألة تحديث مجتمعاتنا، وطرائق الخروج من أزماتنا المركبة.

مصعب محمد علي: إذا كانت اللغة الحادة تنتشر في المجال العام أسرع من لغة التوافق، فهل يعكس ذلك بنية سياسية مأزومة تغذّي الاستقطاب وتكافئ الخطاب التعبوي، وهل نحن بحاجة إلى "ثورة لغوية" تعيد تعريف مفاهيم مثل الثورة والسلام والعدالة، بحيث يتحول شعار "سلمية" من تكتيك ظرفي إلى ثقافة سياسية راسخة تضبط الصراع وتؤسس لاعتراف متبادل بين المختلفين؟

عمر الصايم: قضية اللغة الحادة أعادتني مرة أخرى إلى دونالد ترامب، الرجل الأقوى والمتحكم في العالم، وهو أيضاً أكثر الرؤساء إساءةً وتجريحاً للصحفيات ومراسلي وكالة الأنباء، بطريقة صادمة يسأل الصحفية عن القناة التي تعمل فيها، ثم يصفها بأنها غبية وسبب تدني مستوى مشاهدة القناة! الآن العالم في منتهى التفاهة والسطحية، وتبدو المشكلة كونية مع توفر الأنترنت، فالجميع يصرخون، ويسيئون استخدام اللغة.

في هذا السياق نشبت الحرب السودانية، وتغذت من حبل سري للتفاهة، أنشط من يغذي أوارها بعيدين عن لهبها، أنظر إلى الميديا سواء أيام الثورة المأمولة أو في الوقت القتالي العصيب؛ ستجد أن اللغة مخاتلة وزائفة، والناطقين بها من ذوي الجهل بما يقولون، وحتماً مع هذا التوتر ستخرج عبارات كريهة وغير محتملة تعبر عن واقع يكتنفه الجهل، ومرض الأنانية.

بالطبع نحن بحاجة إلى تنقية الخطاب العام وتثويره ضد الكراهية بإحداث نقلة في مفردات التخاطب العام، ربما نحتاج لبعض الحياء، وصناعة فراغات في الخطاب؛ تستدعي مشاركة المخاطب في فهم النص وإذكاء شعوره بالوجود ضمن الخطاب الفكري أو السياسي، ونفي أنه يتناول معلبات خطابية سامة أو منتهية الصلاحية. على العموم مسألة اللغة في الفضاء العام، وفي فضاء الكتابة غاية في الأهمية، بها يمكن أن نمضي إلى النور أو نقبع في قعر النفق.