الأحد 18 يناير 2026
أكّدت الحكومة الفدرالية في الصومال رسمياً تأخّر استلام الدفعة السنوية من الدعم التركي للموازنة العامة، في مؤشر جديد على الضغوط المالية التي تواجهها حكومة مقديشو وهي تنتظر إقرار موازنة تتجاوز قيمتها مليار دولار في البرلمان.
وقال وزير المالية، بيحي إيمان عغه، في تصريحات لوسائل إعلام محلّية، إن أنقرة لم تحوّل حتى الآن مبلغ 30 مليون دولار المخصَّص هذا العام لدعم الموازنة، رغم التزامها بتقديم هذا الدعم بشكل منتظم في السنوات الماضية. وأضاف: "تركيا كانت تقدّم دعماً ثابتاً للموازنة في الأعوام السابقة، لكن مساهمة هذا العام، وقدرها 30 مليون دولار، تأخّرت ولم تُدفَع في موعدها المعتاد".
وأوضح الوزير أن الحكومة اعتمدت هذا العام بدرجة أكبر على مساهمات شركاء دوليين آخرين، من بينهم الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وعدد من الدول الصديقة، لسدّ جزء من احتياجات الموازنة الجارية وتمويل النفقات الأساسية.
تأخّر الإفراج عن الدعم التركي أثار تساؤلات في مقديشو، نظراً إلى المكانة التي تمثّلها تركيا كأحد أهم الشركاء الدوليين للصومال في ملفات التنمية والأمن والمساعدات الإنسانية منذ زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان لمقديشو عام 2011، وما تبعها من توسّع في الاستثمارات، وإدارة مطار وميناء مقديشو، وإنشاء أكبر قاعدة عسكرية تركية خارج البلاد لتدريب آلاف الجنود الصوماليين.
تقدّر تقارير مستقلة إجمالي المساعدات المالية والتنموية التركية المقدَّمة للصومال بأكثر من مليار دولار خلال الأعوام الماضية، تشمل دعم الموازنة، ومشاريع بنية تحتية، وخدمات صحية وتعليمية، إلى جانب تعاون عسكري متنامٍ توِّج باتفاق دفاعي موسَّع في 2024 يمنح أنقرة دوراً رئيسياً في دعم وتحديث القوات المسلحة الصومالية، ولا سيما القوة البحرية.
يأتي هذا التطور فيما تنتظر الموازنة الفدرالية للعام الجاري، والتي تتجاوز قيمتها مليار دولار، موافقة البرلمان الصومالي، وسط نقاشات سياسية وتأخيرات إجرائية تزيد من الضغط على السيولة الحكومية. وتشير تقارير مالية محلّية إلى أن الضائقة طاولت كلاً من الحكومة الفدرالية والإدارات الإقليمية، ما جعل الاعتماد على الدعم الخارجي عاملاً حاسماً لاستمرار دفع الرواتب وتمويل الخدمات الأساسية.
تحذّر تحليلات اقتصادية من أن أي تأخيرات إضافية في التدفقات الخارجية – سواء من تركيا أو غيرها من الشركاء – قد تنعكس مباشرة على قدرة حكومة مقديشو على الوفاء بالتزاماتها، في ظل اقتصاد هشّ يعتمد بدرجة كبيرة على المنح والقروض الميسرة لسدّ العجز البنيوي في الموازنة.
تزامن إعلان تأخر الدعم مع نشر تقرير استخباري تركي حديث يحذّر من أن حكومة مقديشو تدخل مرحلة "هشاشة متزايدة" بفعل تهديدات حركة الشباب، والانقسامات السياسية بين المركز والأقاليم، وضعف المؤسسات، والضغوط الاقتصادية والمناخية، رغم توسع الشراكة بين البلدين إلى نموذج "متعدد الأبعاد" يشمل الأمن، والبنية التحتية، والطاقة، والاستثمار الخاص.
ويشير مراقبون إلى أن هذه الهشاشة البنيوية تعني أن أي تأخير، ولو مؤقتاً، في دعم بحجم 30 مليون دولار من شريك بحجم تركيا، يحمل دلالات تتجاوز القيمة المالية المباشرة؛ إذ يسلّط الضوء على مدى اعتماد حكومة مقديشو على شريك واحد في ملف بالغ الحساسية مثل دعم الموازنة، وعلى الحاجة إلى توسيع قاعدة الشركاء وتنويع مصادر التمويل لتقليل المخاطر السياسية والاقتصادية المرتبطة بأي تغيّر في أولويات المانحين.