تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 8 فبراير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
راهن

مقديشو تنتخب وسط انقسامات حادة… اقتراع محلي يهدّد بتعميق الأزمة السياسية في الصومال

25 ديسمبر, 2025
الصورة
التصويت
.يدلي ناخب بصوته عبر إلقاء ورقة الاقتراع في صندوق التصويت داخل مركز اقتراع خلال انتخابات المجالس المحلية في مقديشو، في 25 ديسمبر/كانون الأول 2025. © حسن علي علمي / وكالة فرانس برس عبر غيتي إيمجز .
Share

تستعد الحكومة الفيدرالية في الصومال لتنظيم انتخابات بلدية على أساس «شخص واحد، صوت واحد» في عدد من أحياء العاصمة مقديشو، في خطوة يصفها الرئيس حسن شيخ محمود بأنها «حلم طال انتظاره»، بينما ترى فيها قوى المعارضة محاولةً لـ«فرض أمر واقع» وتمرير مشروع سياسي مثير للجدل.

الرئيس حسن شيخ أعلن أن حكومته نجحت في تحقيق «هدف تاريخي» بإطلاق أول تجربة اقتراع مباشر في العاصمة، موضحاً أن هذه الانتخابات تقتصر حالياً على بلدية مقديشو، تمهيداً – بحسب رؤيته – لتعميم نموذج الانتخابات المباشرة في عموم البلاد خلال العام المقبل. واعتبر أن ما يجري في مقديشو هو «اللبنة الأولى» في مسار الخروج من نظام المحاصصة العشائرية إلى نظام انتخابي حديث يقوم على حق المواطنة.

غير أن مشهد المشاركة السياسية يبقى منقوصاً؛ إذ يقتصر السباق، عملياً، على الحزب السياسي الذي أسسه الرئيس حسن شيخ مع عدد من الحلفاء، إلى جانب بعض التشكيلات الحزبية الصغيرة ذات الحضور المحدود في المشهد العام. في المقابل، أعلنت معظم القوى السياسية المؤثرة في مقديشو مقاطعتها الكاملة للعملية الانتخابية، متهمةً الحكومة بعدم توفير بيئة سياسية وقانونية توافقية تضمن نزاهة الاقتراع وتمثيله الحقيقي لمختلف الأطراف.

وتعزَّز هذا الموقف الرافض مع دخول إدارتَي بونتلاند وجوبالاند على خط المواجهة السياسية؛ إذ اصطفّتا إلى جانب معارضي الحكومة في العاصمة، وشاركتا معهم مؤخراً في تأسيس إطار تنسيقي جديد يحمل اسم «مجلس مستقبل الصومال»، يهدف – وفق بياناته – إلى التصدي للمسار السياسي الذي يقوده الرئيس حسن شيخ، وعلى رأسه طريقة إدارة ملف الانتخابات.

وتتهم قوى المعارضة الرئيس بأنه يمضي منفرداً في إقرار «نظام انتخابي يفصّله على مقاسه»، وتشير إلى أن البلاد «لا تزال بعيدة» عن شروط إجراء انتخابات حقيقية من حيث الأمن، واستقلال المؤسسات، واستكمال الإطار الدستوري، خاصة بعد التعديلات التي طاولت بعض فصول الدستور الانتقالي، وما رافقها من جدل حول تشكيل لجنة الانتخابات الوطنية وطريقة اختيار أعضائها.

من شعار "صوت واحد" إلى أزمة جديدة

منذ عودته إلى الرئاسة في 2022، جعل حسن شيخ محمود من إنهاء نظام الانتخابات غير المباشرة القائم على المحاصصة العشائرية هدفاً معلناً، وتعهد بالانتقال إلى مبدأ "صوت واحد لكل مواطن". في 2023، صادقت حكومته على تشريعات تمهّد لإجراء انتخابات رئاسية مباشرة بحلول 2026، قبل أن يتوجّ الاتفاق في أكتوبر/تشرين الأول 2024 بلقاء جمع الرئيس مع رؤساء عدد من الولايات الفدرالية، ووُصف آنذاك بـ«اتفاق تاريخي» على خارطة طريق نحو اقتراع عام.

لكن المسار سرعان ما تعثّر. فولايات رئيسية، على رأسها بونتلاند وجوبالاند، رفضت الإطار المقترح، وانهار التوافق تدريجياً. ورغم إطلاق حملة لتسجيل الناخبين في إقليم بنادر (العاصمة) في أبريل/نيسان 2025، بوصفه ميدان التجربة الأولى للانتخابات المباشرة، لم يُحرز تقدم يُذكر على مستوى بقية البلاد. ومع غياب اتفاق شامل على نموذج الانتخابات، جاءت خطوة المضي منفرداً في اقتراع مقديشو لتُقرأ – من قبل خصوم الرئيس – كجزء من محاولة لتثبيت أمر واقع انتخابي. 

كثير من الفاعلين الصوماليين، بمن فيهم بعض المؤيدين المبدئيين لفكرة "صوت واحد لكل مواطن"، يرون أن البلاد غير مستعدة بعد لانتخابات عامة، في ظل استمرار تهديدات حركة الشباب، وضعف المؤسسات، والانقسامات السياسية الحادة بين المركز والولايات. ويخشى هؤلاء من أن يؤدي الفوز المتوقع على نطاق واسع للحزب الحاكم في مجالس العاصمة إلى مزيد من الاحتقان بدل أن يعزز الإصلاح.

يأتي هذا الاستحقاق في وقت تعيد فيه الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي تموضعهما في الصومال. فمجلس الأمن الدولي أقرّ مؤخراً تمديد مهمة الدعم والانتشار التابعة للاتحاد الأفريقي حتى نهاية 2026، مع إبقاء أكثر من 11 ألف عنصر عسكري وشرطي في البلاد، وفي الوقت نفسه حدّد جدولاً زمنياً لإنهاء عمل بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في الصومال بحلول أكتوبر/تشرين الأول 2026، ما يعني تقليصاً تدريجياً للحضور الأممي المدني. 

هذا التغيير في شكل الانخراط الدولي، بالتزامن مع تراجع التمويل الخارجي، وتوسع نفوذ حركة الشباب في بعض المناطق، واشتداد الاستقطاب بين الحكومة الفدرالية والولايات، يجعل من انتخابات مقديشو أكثر من مجرد اختبار محلي؛ إذ يُنظر إليها كعلامة على اتجاه النظام السياسي برمّته.

ويرى مراقبون أن إصرار السلطة على المضي في الاقتراع من دون توافق واسع قد يؤدي إلى تعميق الانقسام المؤسسي، وتسريع وتيرة القطيعة بين المركز وبعض الولايات، وتقويض ما تبقى من ثقة عامة في العملية السياسية. وبدل أن تحلّ عقدة الاستعصاء الانتخابي المزمنة في الصومال، يخشى كثيرون أن تكرّس هذه الانتخابات أزمة جديدة، وتدخل البلاد مرحلة أكثر غموضاً وتقلّباً على المستوىين السياسي والأمني.