الأحد 8 فبراير 2026
أعلنت الحكومة الفدرالية الصومالية، الاثنين 12 يناير/كانون الثاني 2026، إلغاء جميع الاتفاقيات المبرمة مع دولة الإمارات العربية المتحدة، بما في ذلك اتفاقات الموانئ والتعاون الأمني والدفاعي، في خطوة قالت إنها تستند إلى “تقارير موثوقة وأدلة مقنعة” بشأن “أعمال عدائية” تقوض السيادة والوحدة والسلامة الإقليمية والاستقلال السياسي للبلاد.
وبحسب البيان الرسمي الصادر عن مجلس الوزراء – الذي نشرته وكالة الأنباء الوطنية الصومالية (SONNA) – فإن القرار يشمل الاتفاقيات الموقعة عبر مؤسسات فدرالية أو جهات تابعة لها أو إدارات إقليمية داخل أراضي الجمهورية الفدرالية، وينطبق كذلك على “جميع الاتفاقيات والترتيبات التعاونية” المرتبطة بموانئ بربرة وبوصاصو وكيسمايو، إضافة إلى إنهاء ما وصفه البيان بـ“جميع الاتفاقيات الثنائية” بين مقديشو وأبوظبي، بما فيها اتفاقات الأمن والدفاع.
ورغم سقف القرار المرتفع، لم تُعلن الحكومة الصومالية تفاصيل علنية عن طبيعة “الأدلة” المشار إليها أو آليات التطبيق الفوري على الأرض، فيما قالت وكالة رويترز إن وزارة الخارجية الإماراتية لم ترد فوراً على طلب للتعليق. كما أشار تقرير رويترز إلى أن شركة “موانئ دبي العالمية” (DP World) – التي تمثل ركيزة رئيسية في استثمارات الإمارات بالموانئ – امتنعت عن التعليق على بيان مجلس الوزراء.
وتأتي الخطوة في سياق توتر سياسي وأمني متصاعد؛ إذ يربط مراقبون بين قرار إلغاء الاتفاقيات وبين تحقيق أطلقته السلطات الصومالية الأسبوع الماضي بعد اتهامات من التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن للإمارات بالمساعدة في نقل زعيم جنوبي يمني خارج اليمن عبر مسار قيل إنه مرّ بصوماليلاند ثم مطار مقديشو قبل الوصول إلى أبوظبي. وكانت مقديشو قد قالت إن ثبوت تلك المزاعم سيُعد “انتهاكاً خطيراً” للسيادة.
وبحسب رويترز، فإن الإمارات نسجت خلال السنوات الأخيرة علاقات اقتصادية وأمنية وثيقة مع صوماليلاند على وجه الخصوص، وتتمثل نقطة الثقل في استثمار قدرته الوكالة بـ442 مليون دولار لتطوير وتشغيل ميناء بربرة عبر “موانئ دبي العالمية”. ويضيف المصدر ذاته أن هذا الحضور الإماراتي بات جزءاً من معادلة نفوذ أوسع في القرن الأفريقي، لا سيما مع حساسية خطوط الملاحة في خليج عدن وبالقرب من باب المندب.
غير أن السؤال الأكثر إلحاحاً بعد إعلان مقديشو لا يتعلق فقط بمستوى التصعيد مع أبوظبي، بل بقدرة الحكومة الفدرالية على تنفيذ قرارها في موانئ تخضع عملياً لسلطات محلية وإدارات أمر واقع. فالقرار يذكر ميناء بربرة في صوماليلاند وميناء بوصاصو في بونتلاند وميناء كيسمايو في جوبالاند، وهي ساحات تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد وبميزان القوة المحلي.
وتعيد هذه الإشكالية إلى الواجهة سابقة لافتة. ففي مارس/آذار 2018، أعلن البرلمان الصومالي حظر “موانئ دبي العالمية” واعتبار اتفاقها مع صوماليلاند “باطلاً”، غير أن تطبيق تلك القرارات ظل موضع تشكيك واسع بسبب محدودية قدرة الحكومة الفدرالية على إنفاذ قراراتها خارج نطاق سيطرتها المباشرة. ويشير مراقبون إلى أن تكرار النهج نفسه بعد سنوات، من دون إعلان أدوات تنفيذ واضحة، يعزز الانطباع بأن القرار يحمل بعداً سياسياً ورسالة ضغط أكثر مما يمثل تغييراً قابلاً للتطبيق فوراً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بميناء بربرة الواقع في صوماليلاند.
وفي هرجيسا، رأت أوساط سياسية وإعلامية أن قرار 2026 يعيد إنتاج خطاب سيادي لا يغير كثيراً في المعادلات الفعلية داخل صوماليلاند، التي تدير مؤسساتها وأمنها ومرافئها بصورة منفصلة منذ 1991، وتعتبر نفسها خارج سلطة مقديشو. ويزيد من حدة التباين أن الصومال يواجه منذ سنوات تمرداً مسلحاً وتحديات أمنية عميقة، ما يدفع كثيرين في صوماليلاند إلى تقديم نموذجهم بوصفه “أكثر استقراراً” و”أكثر قابلية للتعامل الاقتصادي” مقارنةً ببيئة الأعمال في الجنوب.
وفي خطوة تصعيدية موازية ولكن باتجاه مختلف، أعلنت حكومة صوماليلاند أنها ترفض ما وصفته بـ“دعوات” صادرة من الحكومة الصومالية لطلب تدخل عسكري خارجي ضد صوماليلاند. وقالت وزارة الخارجية في صوماليلاند – وفق بيان نقلته وسائل إعلام محلية – إن هذه الدعوات تمثل “تصعيداً خطيراً وغير مسؤول” و“انتهاكاً واضحاً” لميثاق الأمم المتحدة ولمبادئ القانون الدولي، مؤكدة أن صوماليلاند “ليست تحت سلطة مقديشو”، وأنها “استعادت سيادتها” عام 1991 ضمن حدود 1960، ودعت الشركاء الدوليين إلى رفض أي تحريض على عمل عسكري، مع تأكيدها “الالتزام بالسلام” واحتفاظها بـ“الحق في الدفاع عن النفس” وفق القانون الدولي.
وبينما تحاول مقديشو تقديم قرار إلغاء الاتفاقيات مع الإمارات باعتباره دفاعاً عن “الوحدة الوطنية” و”النظام الدستوري”، فإن التجربة السابقة – إلى جانب واقع تعدد مراكز القرار داخل البلاد – تجعل مآلات القرار مفتوحة على أكثر من سيناريو: إما أن يتحول إلى ورقة ضغط سياسية في مواجهة أبوظبي وحلفائها المحليين، أو أن يدخل في مسار نزاعات تعاقدية وتشغيلية طويلة، أو أن يرفع منسوب الاستقطاب بين مقديشو وهرجيسا في لحظة إقليمية حساسة.