تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 15 سبتمبر 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

مقديشو بوجهين.. أمن يتحسن وانقسام يهدد المكاسب

28 أغسطس, 2026
الصورة
مقديشو بوجهين.. أمن يتحسن وانقسام يهدد المكاسب
Share

دخلت مقديشو منذ منتصف ديسمبر/كانون الأول 2025 فترة هدوء أمني نادرة، إذ لم تنفذ حركة الشباب أي هجوم كبير داخل العاصمة طوال تلك المدة. غير أن هذا الهدوء لم ينعكس على المشهد السياسي؛ فقد انتهت ولاية الرئيس في 15 مايو/أيار، لكنه واصل الحكم مستندًا إلى تمديد لعام واحد ترفض المعارضة الاعتراف به. ولم تمضِ ثلاثة أسابيع على انتهاء ولايته حتى شهدت شوارع العاصمة، يومي 3 و4 يونيو/حزيران، اشتباكات بين القوات الحكومية وأخرى موالية للمعارضة.

يتزامن هذا التوتر الداخلي مع تصاعد الغموض المحيط بمستقبل بعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال «أوصوم». ففي مذكرة دبلوماسية مؤرخة في الأول من يوليو/تموز، أبلغت الولايات المتحدة الاتحاد الأفريقي بأنها ستعرقل تجديد ولاية مكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال، الذي يوفر للبعثة دعمًا لوجستيًا وعملياتيًا حيويًا. وبررت واشنطن موقفها بإخفاق الصومال في الحفاظ على مكاسبه الأمنية، وباستمرار «الخصومات الداخلية والصراعات السياسية» التي تقوّض جهود مكافحة حركة الشباب.

ولم تكن هذه الخطوة معزولة عن توجه أميركي أوسع؛ فقد سبق لواشنطن أن عرقلت، أواخر العام الماضي، قرارًا في مجلس الأمن يقضي بتمويل بعثة «أوصوم» من مساهمات الأمم المتحدة. ومع ذلك، يبدو موقفها محكومًا بتناقض واضح: فهي تقوّض إحدى أهم ركائز الدعم الأمني للصومال، بينما تشن في الوقت نفسه أكثر الحملات الجوية كثافة في تاريخ البلاد، مستهدفة حركة الشباب بوتيرة يُرجح أن تتجاوز الرقم القياسي المسجل العام الماضي.

وخلال زيارة حديثة إلى مقديشو، وجدت أن الانقسام بشأن حقيقة ما يجري في المدينة لا يقل حدة عن الانقسام السياسي نفسه. فهناك من يتحدث بثقة عن انتصار حاسم ونهائي يلوح في الأفق، في مقابل من يرى هذه الثقة سابقة لأوانها، وربما خطرة. ولا تخلو أي من الروايتين من شواهد حقيقية، لكن كل طرف يقرأ الوقائع ذاتها باعتبارها دليلًا على مسار مختلف تمامًا. وخلال الأشهر المقبلة، ومع بدء تفكيك الدعامات الخارجية التي أسندت الدولة الصومالية طوال عقدين، سيتضح أي الروايتين كانت أقرب إلى وصف الواقع.

مقديشو الأولى

تأتي الرواية الأولى من داخل الحكومة الصومالية، ولا سيما من المسؤولين الأمنيين، وتقدم صورة لعاصمة تجاوزت منعطفًا حاسمًا. فشوارع مقديشو، وفق هذه الرواية، أكثر أمنًا مما كانت عليه منذ جيل، وحياتها الاجتماعية تستعيد حيويتها، فيما ترتفع الأبراج الجديدة وسط المدينة، وتقترب حركة الشباب، بعد إبعادها عن العاصمة، من هزيمة نهائية.

ويتحدث المسؤولون بفخر عن منظومة أمنية صُممت خصيصًا لإحباط الأسلوب الهجومي المفضل لدى الحركة: السيارات المفخخة التي ترافقها أو تعقبها هجمات مسلحة. فقد باتت كاميرات المراقبة تغطي مساحات واسعة من المدينة، ولا سيما الطرق والمنشآت التجارية، بينما يطابق أفراد الأمن في نقاط التفتيش بيانات المركبات بنظام إلكتروني.

ويُلزم النظام الجديد بتسجيل كل مركبة باسم شخص يحمل بطاقة هوية وطنية، كما يتعين الإبلاغ عن أي مركبة مفقودة خلال 48 ساعة، وإلا عُدّ مالكها متواطئًا في أي عمل تُستخدم فيه لاحقًا. أما المركبات المشبوهة، فتُدرج في قائمة سوداء تلزم عناصر نقاط التفتيش بإخضاعها للتفتيش. وإذا تقاعسوا عن ذلك، يرصد النظام تقصيرهم ويخضعون للمساءلة، ما يصعّب على حركة الشباب استمالة عناصر الأمن أو اختراق نقاط التفتيش. وفي أطراف المدينة، يتزايد الاعتماد كذلك على الكلاب المدرّبة على كشف المتفجرات.

دخلت مقديشو منذ منتصف ديسمبر/كانون الأول 2025 فترة هدوء أمني نادرة، إذ لم تنفذ حركة الشباب أي هجوم كبير داخل العاصمة طوال تلك المدة

ولا يتعامل المسؤولون مع هذه المنظومة باعتبارها مكتملة، بل يقولون إن العمل جارٍ على تطويرها باستمرار، انطلاقًا من إدراكهم أن حركة الشباب ستتكيف مع الإجراءات الجديدة، وأن على الأجهزة الأمنية أن تسبقها في تعديل أساليبها. ويؤكدون، في الوقت نفسه، أنهم تمكنوا من تفكيك شبكات «الجباية» التابعة للحركة داخل العاصمة، وهي إحدى أهم قنوات تمويلها، فيما تسهم الغارات الجوية الأميركية، بحسب تقديرهم، في إبقاء مقاتليها داخل مخابئهم والحد من قدرتهم على التخطيط لهجمات جديدة.

ولا تقتصر مؤشرات التحسن، في نظرهم، على الجانب الأمني. فحركة البناء المتسارعة، ولا سيما تشييد المباني السكنية، تمثل دليلًا آخر على تنامي الثقة بمستقبل المدينة؛ إذ يرون أن المستثمرين لم يكونوا ليضخوا أموالهم في هذه المشروعات لو لم يعتقدوا أن الاستقرار سيستمر. كما يتوقعون أن تسهم زيادة المعروض من المساكن، بمرور الوقت، في خفض الإيجارات الباهظة في مقديشو.

وتعكس الحياة اليومية بدورها تراجع الخوف بين السكان. فالمقاهي أصبحت أكثر ازدحامًا، والشواطئ تستقبل أعدادًا أكبر من الزوار، فيما ينشر الشباب الصوماليون صور نزهاتهم على تطبيق «تيك توك» بلا تردد. وقد تبدو هذه التفاصيل صغيرة، لكنها تكشف مقدار انحسار المخاوف الأمنية من حسابات الناس اليومية.

ولا تتوقف ثقة المسؤولين عند حدود العاصمة؛ فبعضهم، وربما معظمهم، يعتقد أن القوات الصومالية أصبحت قادرة على العمل من دون بعثة الاتحاد الأفريقي «أوصوم»، ولا سيما مع استمرار الدعم التركي. وقد شجعت هذه القناعة الرئيس حسن شيخ محمود على إعلان شن «هجوم نهائي» ضد حركة الشباب خلال الأشهر المقبلة.

وتنعكس الثقة نفسها على مقاربته السياسية، التي لا تترك مجالًا كبيرًا للتسوية، سواء كان الخصم حركة متمردة أم منافسًا سياسيًا. فخطة «صوت واحد لكل مواطن»، التي تمثل محور مسعاه للانتقال من الانتخابات غير المباشرة القائمة على العشائر، حيث يتولى شيوخ العشائر اختيار شاغلي المناصب المنتخبة، ما تزال ماضية من دون تعديل. كما يُتعامل مع تمديد ولايته، من الناحية العملية، بوصفه أمرًا محسومًا.

وبحسب هذه الرؤية، فإن أي محاولة لعرقلة نهوض مقديشو عن طريق العنف، سواء جاءت من حركة الشباب أم من قوى المعارضة، سترتد على أصحابها؛ لأن سكان العاصمة باتوا متمسكين بالهدوء الذي ينعمون به، ولن يتسامحوا مع أي جهة تحاول تعريضه للخطر.

مقديشو الثانية

تأتي الرواية الثانية من مسؤولين موالين للمعارضة، وشخصيات في المجتمع المدني، ومحللين، وبعض أوساط المجتمع الدولي. ولا ينكر أصحابها ما حققته الحكومة من مكاسب أمنية داخل مقديشو، لكنهم يختلفون جذريًا في تفسير دلالتها ومدى قدرتها على الاستمرار.

فهم يقرون بأن الإجراءات الحكومية حسّنت الوضع الأمني وأجبرت حركة الشباب على تغيير تكتيكاتها، لكنهم يرون أن الحركة لم تُهزم، بل عادت إلى اتباع نهجها القديم القائم على الصبر وخوض معركة طويلة الأمد. ومن هذا المنظور، لا يمثل تراجع وتيرة الهجمات مؤشرًا على اقتراب نهايتها، وإنما يعكس انضباطًا تكتيكيًا وقدرة على انتظار اللحظة المناسبة.

وتستوعب الحركة الخسائر التي تلحقها بها الغارات الجوية الأميركية، وفق هذه الرواية، لأنها تدرك أن هذه الضربات لن تعقبها قوة ميدانية موثوقة قادرة على استثمار نتائجها. كما أن تنفيذ عدد محدود من الهجمات النوعية الكبيرة ضد أهداف حكومية، على غرار ما حدث في عام 2025، يخدم مصالحها حاليًا بصورة أفضل من العودة إلى العنف العشوائي ضد المدنيين، الذي أسهم سابقًا في تنفير سكان العاصمة منها.

الاختبار الحقيقي هو ما إذا كان خصوم مقديشو السياسيون والولايات الفيدرالية قادرين على التوصل إلى مصالحة تحرم حركة الشباب من المساحة التي وفرتها لها سنوات الصراع الداخلي

ولا يعني انخفاض عدد الهجمات أن نفوذ الحركة داخل مقديشو قد انتهى تمامًا. إذ يُعتقد أنها ما تزال تجبي بعض الضرائب سرًا، وتسجل أسماء المتخلفين عن الدفع لمحاسبتهم لاحقًا. وفي المقابل، أدى الحظر الحكومي على التغطية الإعلامية للقضايا التي قد تمثل تهديدًا أمنيًا إلى فرض قيود واسعة على الأخبار المتعلقة بحركة الشباب، ما يحرم الجمهور من المعلومات التي يحتاج إليها لفهم حقيقة الوضع.

ويمتد التشكيك إلى «الهجوم النهائي» الذي أعلنه الرئيس حسن شيخ محمود بهدف توسيع نطاق المكاسب الأمنية إلى خارج مقديشو. ويقول مسؤولون في هذا المعسكر إن الإعلان لا يستند إلى خطة عملياتية واضحة، فضلًا عن غياب استراتيجية لإدارة المناطق بعد انتزاعها من الحركة. وهذه هي الثغرة نفسها التي أفشلت حملات عسكرية سابقة، إذ كانت القوات تنجح في السيطرة على الأراضي من دون امتلاك القدرة على الاحتفاظ بها أو إدارة شؤونها.

وتلفت هذه الرواية أيضًا إلى الكلفة الاجتماعية للتحول العمراني الذي تشهده مقديشو. فقد أدت عمليات الهدم الحكومية، المنفذة لإفساح المجال أمام مشروعات البناء الجديدة، إلى تهجير سكان فقراء خسروا القليل الذي كانوا يملكونه، في حين لن يكون بمقدورهم تحمل أسعار الشقق التي تُبنى مكان مساكنهم.

ويقول أصحاب هذا الرأي إن الغضب من عمليات الهدم حقيقي ومتنامٍ، وإن مقديشو الجديدة تتحول تدريجيًا إلى مدينة شديدة الانقسام بين الميسورين والمحرومين؛ تزدهر فيها حياة النخب، بينما تزداد ظروف الفقراء قسوة.

أما على الصعيد السياسي، فتقدم الرواية نقدًا أكثر حدة. فهي لا ترى في مشروع «صوت واحد لكل مواطن» تقدمًا ديمقراطيًا، بل محاولة غير قابلة للتنفيذ للاستحواذ على السلطة من جانب رئيس يتجه، في نظر منتقديه، نحو مزيد من الاستبداد. ويذهب بعضهم إلى تشبيهه بسياد بري، الذي حكم الصومال دكتاتورًا عسكريًا من عام 1969 حتى الإطاحة به عام 1991، وما أعقب ذلك من انهيار الدولة وانزلاقها إلى حرب أهلية.

ويشير هؤلاء إلى أن حسن شيخ كان، خلال ولايته الأولى، أكثر انفتاحًا على التشاور مع المجتمع المدني وشيوخ العشائر وقوى المعارضة، لكنه بات اليوم يحكم من خلال دائرة ضيقة من المستشارين، وأصبح الوصول إليه أكثر صعوبة. كما يرون أن سلطته تستند جزئيًا إلى سلسلة من الاتفاقيات الغامضة مع تركيا، من دون أن يتضح بعد الثمن الذي سيدفعه الصومال في مقابلها، أو الفائدة الفعلية التي ستعود عليه منها.

وفوق ذلك كله، تؤكد هذه الرواية أن مقديشو لا تختزل الصومال بأكمله. فبينما تبدو العاصمة أكثر استقرارًا، تتجه بقية البلاد نحو مزيد من التفكك بدلًا من التماسك. فقد انسحبت ولايتا بونتلاند وجوبالاند الفيدراليتان فعليًا من مؤسسات الحكومة الاتحادية، وأصبحتا تعملان بصورة مستقلة عنها.

وحاولت ولاية جنوب الغرب أن تسلك المسار نفسه في مارس/آذار، ما أشعل مواجهات استمرت أشهرًا بين قوات مدعومة من الحكومة الاتحادية وأنصار الرئيس المعزول، وبلغت ذروتها بتنصيب متنازع عليه في يوليو/تموز. وفي غضون ذلك، حصلت صوماليلاند على اعتراف إسرائيل، لتكون الأخيرة أول دولة تعترف رسميًا باستقلالها، فيما تواصل حركة الشباب السيطرة على مساحات شاسعة من المناطق الريفية.

وفي هذه الظروف، تظل قوات الاتحاد الأفريقي، التي تصر الحكومة على أنها لم تعد بحاجة إليها، تؤدي مهام لا غنى عنها وفق أصحاب هذه الرواية. وينطبق ذلك خصوصًا على القوات الأوغندية، التي تضطلع بعمليات ضد حركة الشباب وتؤمّن مطار مقديشو، وهي أدوار لن يكون من السهل على القوات الصومالية توليها بعد انسحابها.

لماذا تكتسب الفجوة أهميتها الآن؟

لا تقوم أي من الصورتين المتعارضتين لمقديشو على اختلاق كامل. فرواية الحكومة ليست مجرد دعاية؛ إذ أصبحت نقاط التفتيش أكثر كفاءة بالفعل، وحركة البناء ظاهرة في أنحاء المدينة، كما تراجعت وتيرة هجمات حركة الشباب داخل العاصمة بصورة ملموسة.

وفي المقابل، ليست رواية المعارضة مجرد تعبير عن مرارة الخاسرين. فقد وقعت عمليات الهدم بالفعل، وبدأت التوترات بين الحكومة الاتحادية والأطراف تتحول إلى مواجهات مسلحة، فيما يلمس أشخاص تعاملوا مع حسن شيخ خلال ولايته الأولى نزعة استبدادية متزايدة، بعدما كان آنذاك أكثر انفتاحًا على التشاور.

ولا يكمن الخلاف، إذن، في الوقائع نفسها، بل في كيفية تفسيرها. فبينما يراها طرف دليلًا على أن مقديشو تشهد تحولًا راسخًا وطويل الأمد، ينظر إليها الطرف الآخر بوصفها مظاهر لاستقرار مؤقت وهش، تستفيد منه النخب أساسًا، ويخفي وراءه برميل بارود قد تشعله أكثر من شرارة.

وقد لا تكون هذه الفجوة في قراءة الواقع جديدة، لكنها تكتسب اليوم أهمية استثنائية؛ لأن الدعم الخارجي الذي أتاح للصومال شق طريقه بصعوبة طوال العقدين الماضيين بدأ يتراجع في لحظة شديدة الحساسية. فقرار واشنطن عرقلة تجديد الدعم اللوجستي الذي تقدمه الأمم المتحدة إلى بعثة «أوصوم» يسحب من تحت قوات الاتحاد الأفريقي أرضيتها المالية، في وقت تعاني فيه البعثة بأكملها نقصًا حادًا في التمويل.

ويتزامن ذلك مع تراجع قدرة المجتمع الدولي على الوساطة، في ظل غياب واضح للقيادة الأميركية. فالولايات المتحدة لا تملك حاليًا سفيرًا في مقديشو، كما لا يزال منصب الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة شاغرًا، بعدما كان آخر من شغله سفيرًا أميركيًا سابقًا.

ومن ثم، ستحدد طريقة استجابة الصومال لهذا التحول ما إذا كانت التطورات الأخيرة تمثل بداية مكاسب أمنية حقيقية وقابلة للاستمرار، أم أنها لا تبدو كذلك إلا من داخل طوق نقاط التفتيش المحيط بمقديشو.

الاختبار الحقيقي للصومال

تمكنت حركة الشباب من الصمود أمام كل حملة شُنّت ضدها، لا لأنها عصية على الهزيمة، بل لأنها لم تُضطر يومًا إلى مواجهة خصم موحد لفترة طويلة. فقد شهد الصومال لحظات من التكاتف والتركيز في الحرب على الحركة، لكنها سرعان ما تلاشت، ما أتاح لها امتصاص خسائرها والتعافي مرارًا من نكساتها.

وفي كل مرة استنزفت فيها الصراعات السياسية الداخلية اهتمام الحكومة ومواردها، سواء تعلقت بمدة ولاية الرئيس أم بالعلاقة بين الحكومة الاتحادية والولايات الفيدرالية أم بالتمثيل العشائري، وجدت حركة الشباب المساحة التي تحتاج إليها لإعادة تنظيم صفوفها واستعادة قوتها.

في مذكرة دبلوماسية مؤرخة في الأول من يوليو/تموز، أبلغت الولايات المتحدة الاتحاد الأفريقي بأنها ستعرقل تجديد ولاية مكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال، الذي يوفر للبعثة دعمًا لوجستيًا وعملياتيًا حيويًا

ولم يتغير هذا النمط حتى الآن، لكن حجبه خطاب يتعامل مع التمرد بوصفه مشكلة أمنية في المقام الأول، إن لم تكن مشكلة أمنية بحتة. وقد أسهم المجتمع الدولي بدوره في ترسيخ هذا التصور، فيما يعيد الموقف الأميركي إنتاج الخلل نفسه؛ إذ تترك واشنطن منصب سفيرها في مقديشو شاغرًا، بينما تصعّد حملتها الجوية الأحادية إلى مستويات قياسية، فتضاعف اعتمادها على الأدوات العسكرية من دون أن تقابلها باستراتيجية سياسية.

لقد مثّلت نقاط التفتيش وكاميرات المراقبة والغارات الجوية وتمويل بعثة «أوصوم» جميعها استثمارات مهمة في القطاع الأمني، وحققت في بعض المراحل نتائج قابلة للقياس. لكنها لم تكن كافية بمفردها في السابق، ولن تكون كافية اليوم؛ لأن ما يتيح لحركة الشباب الاستمرار ليس فراغًا أمنيًا في المقام الأول، بل خلل سياسي مزمن.

فقد أسهمت سنوات الدعم الخارجي في تعزيز قدرات أجزاء من المنظومة الأمنية الصومالية، من دون أن تنجح في بناء تسوية سياسية أكثر رسوخًا واستدامة. وفي الفجوة بين تحسن الأداء الأمني واستمرار هشاشة النظام السياسي، تجد حركة الشباب المجال الذي يسمح لها بالبقاء والعمل.

ومن ثم، لن يقتصر الاختبار الذي ينتظر الصومال خلال الخريف والشتاء المقبلين على قياس اتجاهات الوضع الأمني، كما لن يتمثل في قدرة الحكومة على تحقيق النصر في «هجوم نهائي» مفترض. الاختبار الحقيقي هو ما إذا كان خصوم مقديشو السياسيون والولايات الفيدرالية قادرين على التوصل إلى مصالحة تحرم حركة الشباب من المساحة التي وفرتها لها سنوات الصراع الداخلي. وهذه المرة، سيتعين عليهم تحقيق ذلك في ظل انخراط دولي أضعف ودعم خارجي أقل بكثير.