تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 14 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
حوارات

مقديشو: المدينة المتلونة التي لا تُروى كاملة

1 مايو, 2025
الصورة
the mayor of moqadisho
Share

في حوار لأندرو هاردينغ، المراسل المخضرم في هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) في باريس مع جيسكا عن كتابه "عمدة مقديشو"؛ يصف هاردينغ مدينة مقديشو «بالمدينة المتلونة كالحرباء»، في إشارة إلى صعوبة الإمساك بجوهرها أو تعريفها بسهولة حتى بالنسبة لمن يعرفها جيدًا. غالبًا ما تُصوَّر المدينة من خلال الظروف التي صادفتها منذ سقوط الصومال في أتون حرب أهلية بشعة بداية التسعينيات، عندما انهار نظام محمد سياد بري العسكري. 

كان سياد بري، الحاكم العسكري السابق، قد توعّد بأنه إذا حاول أحدهم إخراجه من المدينة، بجر البلاد معه بأكملها إلى الخراب. ومع أن أجزاءً أخرى من البلاد نجت نسبيًا من هذا المصير، إلا أن العاصمة تحولت إلى مسرح لصراع أمراء الحرب المتنافسين الذين قسموا ما تبقى منها فيما بينهم. وهكذا أصبحت مقديشو رمزًا لما يعنيه الصوماليون عندما يشيرون إلى التسعينيات بلفظة البوربوركا، أي «الدمار»؛ وكانت أيضًا المكان الذي تجلّى فيه أسوأ ما في الحرب الأهلية.

لقد عزّز التدخل الأمريكي الفاشل بقيادة الأمم المتحدة، والاشتباكات بين القوات الأمريكية ومليشيات عشيرة فرح عيديد، ارتباط صورة مقديشو بالعنف. تسللت هذه الصورة إلى الثقافة الشعبية من خلال أفلام مثل: "سقوط الصقر الأسود"، وحتى في إحدى حلقات "ساوث بارك"، حين يقود إيريك كارتمن أصدقاءه إلى مقديشو ليصبحوا قراصنة. مع أن المدينة لم تعرف يومًا مشكلة القرصنة، إلا أن المشاهد العادي قد يرى هذا أمرًا معقولًا. فكما وصفها كبير مراسلي نيويورك تايمز السابق في شرق أفريقيا، جيفري غيتلمان، بأنها "أخطر مكان في العالم".

لقد سافر هاردينغ إلى مقديشو في أوائل الألفينيات، ويرى أن هذا التصور ليس خاطئا تمامًا. إن مقديشو يمكن أن تكون مكانًا خطيرًا للغاية، ولا يزال الوضع كذلك بالنسبة لسكانها، حيث تنتشر الحواجز ونقاط التفتيش الأمنية المسلحة في أنحاء المدينة، ولا تزال الحياة تعيش على حافة الترقب لهجمات حركة الشباب. لكنه يبوح لجيسكا أن هذه التصورات "ليست كل شيء، ولا تقترب حتى من أن تكون كل شيء".

في كتابه "عمدة مقديشو"، يُزيح هاردينغ بعض هذا الغموض، ويستشكل هذه السردية من خلال قصص عدد من الشخصيات البارزة في المدينة، من بينهم العمدة السابق محمد نور – المعروف بلقب "طرزان" – الذي تولى المهمة الشاقة لإعادة بناء المدينة، في أوائل العقد الثاني من الألفية. يقول هاردينغ: "لقد كان صريحًا ومثيرًا للاهتمام ومغامرًا»، مضيفًا أنه كان منفتحًا وصادقًا، ولديه "قصة رائعة تستحق أن تُروى".

الحنين عنصر مهم في الكتاب، إذ يستعيد الشخصيات التي يسلّط عليها هاردينغ الضوء زمنَ ازدهار مقديشو، من زيارة كريم عبد الجبار سنة 1972 إلى دور السينما المبهرة والمسارح والأسواق الصاخبة، والشواطئ الجميلة. يقول هاردينغ: "التقيت بالكثير من الصوماليين المسنين، لا سيما في لندن، وكانوا ينظرون إلى البعيد كلما بدأوا الحديث عن مقديشو التي عرفوها". 

يتناول جزء كبير من الكتاب التحولات التي شكّلت المدينة – من الاستقلال إلى انقلاب 1969 العسكري، مرورًا بحرب 1977، وانتهاء بانهيار الدولة سنة 1990، في ربط سردي بين الماضي والعصر الحديث، مضيفا أوصافًا حية على مقديشو اليوم، والتحديات التي لا تزال تواجهها وهي تحاول – ببطء شديد – أن تنهض من ركام الحرب الأهلية المستمرة.

فيصل علي: أشرتَ إلى أن كريم عبد الجبار كان بإمكانه زيارة أي مدينة في أفريقيا، لكنه اختار مقديشو عام 1972. وأظن أنك أيضًا كان بإمكانك أن تكتب عن أي مدينة أخرى، بما في ذلك مدن أكبر أو أغنى أو أكثر تأثيرًا مثل أديس أبابا أو القاهرة أو أكرا. ما الذي جذبك إلى مقديشو ودفعك إلى الشعور بضرورة حكاية قصتها؟

أندرو هاردينغ: إنها مدينة متطرفة ومتلونة كحرباء. وقد كنت محظوظًا برؤية وجوه كثيرة لها. أولًا، كانت هناك صدمة القيادة وسط الخراب عام 2000، في موكب مسلح من رجال مليشيات العشائر. ثم كانت هناك الخنادق والأنفاق في زمن سيطرة الشباب. ثم بدأت أكتشف الكنوز المدفونة – دور السينما والمعمار وجمال المدينة القديمة التي حجبتها أزمنة الحرب.

علي: هل يمكنك أن تحدّثنا قليلًا عن كيف نسجتَ هذه القصة؟ يبدو أن رواية كهذه تطلبت العثور على قطع صغيرة عديدة من الأحجية، وإعادة ترتيبها بعناية لتشكّل سردًا قويًا ومتماسكًا.

هاردينغ: كان هذا أول كتاب لي، لذا كنت أتعلم أثناء العمل! قررت أن أبدأ بأكثر الحلقات درامية، ثم وجدت نفسي مفتونًا بعدد كبير من القصص المختلفة، لكنني حاولت أن أربطها زمنيًا، مع تضمين بعض تجاربي الشخصية أيضًا.

علي: تشتهر مقديشو كثيرا بأشياء سلبية كثيرة – كالحرب وأمراء الحرب والجوع والإرهاب، وما إلى ذلك. عندما بدأتَ العمل على هذا المشروع، هل كنت تهدف إلى تصحيح هذه الصورة أو تحديها؟ أم أن اهتمامك كان منصبًا على مجرد معرفة ما جرى هناك؟

هاردينغ: الأمر معقد. هذه التصورات ليست خاطئة. لكنها ليست كل شيء. ولا قريبة من أن تكون كل شيء. وفي أثناء بحثي للكتاب، جرفتني القصص التي تحكي عما كانت عليه مقديشو؛ مكان جميل ومثقّف. وعن كل ما فُقد. وسريعًا ما أصبحتُ مصممًا على أن يؤدي هذا الكتاب دورًا – ولو صغيرًا – في تحدي صورة سقوط الصقر الأسود السائدة عن المدينة.

علي: خلال بحثك ومقابلاتك، من المؤكد أنك صادفت أشخاصا كثرا شاركوك قصصهم الشخصية. هل كانت هناك لحظات أو لقاءات أثّرت فيك بشدة أثناء إعداد الكتاب؟

هاردينغ: حقيقة ما يتبادر إلى ذهني الآن هو تجربتي أثناء الترويج للكتاب. جئت لإطلاقه في معرض مقديشو للكتاب عام 2016، وأُصبت بالذهول من الحماسة والدعم الذي لقيته هناك. مئات الشباب الصوماليين كانوا في غاية السرور لرؤية أجنبي (أظن أنني كنت الوحيد في ذلك اليوم – كانت الأوضاع الأمنية غير مستقرة طوال الأسبوع) يشاركهم هذه التجربة. كما أن زيارتي للجالية الصومالية في ولاية مينيسوتا (خلال عاصفة ثلجية) كانت رائعة أيضًا.

علي: اخترتَ محمد فرح "طرزان" بوصفه شخصية محورية لقصتك عن المدينة. لماذا فضّلتَ أن يكون هو بطل القصة، بدلًا من أن تحكي قصة المدينة بشكل عام، كما يفعل كثيرون هذه الأيام؟

هاردينغ: بدأتُ أتعرف على طرزان بعد مدة من تعيينه عمدة لمقديشو. استمتعت بصحبته. كان صريحًا ومثيرًا للاهتمام ومغامرًا. وكانت لديه قصة رائعة تستحق أن تُروى. معظم السياسيين يكونون أكثر تحفظًا. شعرتُ أن حياته يمكن أن توفر هيكلًا مناسبًا لكتاب لا يقتصر فقط على ذكر التحديات المعاصرة للصومال، بل يحاول أيضًا أن يستعيد جذورها ومسارها التاريخي.

علي: الحنين إلى الماضي يبدو موضوعًا مركزيًا في هذا الكتاب. كثير من الأشخاص الذين تحدثوا إليك عن مقديشو عبّروا عن شوقهم إلى ماضيها القريب. ما الذي يكشفه هذا الحنين الحزين عن نظرتهم إلى الحياة في المدينة اليوم؟

هاردينغ: آه، الحنين! التقيتُ بكثير من كبار السن الصوماليين، خصوصًا في لندن، والذين كانوا عادة ما يبدؤون الحديث عن مقديشو - التي عرفوها - بنظرات شاردة. ينخرطون في جدال حول التنانير القصيرة والقهوة والدين والسينما؛ وكل ما تغيّر منذ ذلك الوقت. أتذكّر بيتًا للشاعر الإيرلندي الكبير ويليام بتلر ييتس: "الإنسان يقع في حب ما يفنى، فماذا عسى بَعْدُ أن يُقال؟".

علي: لقد عملتَ في العديد من المدن حول العالم صحفيا ميدانيا. ويثير فضولي أن أسألك: هل هناك مدينة أخرى شعرتَ أن قصتها لامستك بطريقة قريبة مما وجدته أثناء بحثك في العاصمة الصومالية؟

هاردينغ: عرفتُ مدنًا أخرى بشكل أعمق. أماكن مثل غروزني، التي عانت دمارًا أسوأ بكثير، ومدن صاخبة مثل جوهانسبرغ، والتي يُساء الحكم عليها في كثير من الأحيان. هناك مدن خلابة تستحق أفضل بكثير مما هي عليه؛ مثل: غوما في الكونغو الديمقراطية. إنه من الصعب، لرجل أبيض لا يتحدث لغة القوم، أن يبقى في مقديشو بالقدر الذي تستحقه المدينة؛ ومع ذلك مكان فإنها ساحرة ومخادعة في آن.