الجمعة 13 مارس 2026
شهد القرن الأفريقي في السنوات الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في معدلات الهجرة غير الشرعية، مدفوعًا بتفاقم النزاعات المسلحة والتدهور الاقتصادي، مما دفع أعدادًا متزايدة من المواطنين للبحث عن ملاذ آمن أو فرص اقتصادية أكثر استقرارًا. تشير التقارير إلى ارتفاع معدلات الهجرة بين الدول الأفريقية، خاصة باتجاه ليبيا التي أصبحت محطة رئيسية للمهاجرين قبل التوجه إلى وجهات أخرى. في المقابل، انخفضت أعداد المهاجرين غير الشرعيين المتجهين نحو أوروبا، في ظل تشديد سياسات الهجرة وتعزيز الرقابة الحدودية.
في هذا السياق، يواجه مهاجرو القرن الأفريقي في ليبيا أوضاعًا إنسانية كارثية، إذ باتوا عرضة لجرائم القتل والابتزاز، بالإضافة إلى عمليات الاتجار بالبشر التي تديرها شبكات تهريب منظمة وميليشيات مسلحة.
كشف النائب العام الليبي، يوم الثلاثاء الماضي، عن جريمة مروعة راح ضحيتها عشرة لاجئين من السودان والصومال وإريتريا، بعد تعرضهم لتعذيب وحشي على يد عصابة متورطة في الاتجار بالبشر. وأكدت التحقيقات أن هذه العصابة احتجزت 164 مهاجرًا غير شرعي من نفس الدول في ظروف غير إنسانية. وتمكنت السلطات الأمنية من اعتقال أربعة من أفراد العصابة. كما أظهرت التحقيقات أن المهاجرين كانوا يُرغمون، تحت التهديد والتعذيب، على دفع فدية تصل إلى 10 ألاف دولار لكل فرد مقابل الإفراج عنهم.
اكتشفت الشرطة الليبية، الشهر الماضي، مقبرتين جماعيتين في صحراء الكفرة جنوب البلاد، حيث تم العثور على حوالي 60 جثة، تعود لمهاجرين من جنسيات أفريقية مختلفة. وأكدت السلطات أنها نجحت في تفكيك الخلية الإجرامية المتورطة في هذه الجريمة البشعة. وفي الشهر ذاته، انتشر مقطع فيديو صادم يُظهر مهاجرة إثيوبية، وهي تتعرض للتعذيب على أيدي مختطفيها، الذين طالبوا بفدية قدرها 6 ألاف دولار مقابل إطلاق سراحها.
أكد المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان أن معاناة مهاجري القرن الأفريقي في ليبيا لا تقتصر على استغلال تجار البشر فقط، بل تمتد إلى العنف المفرط الذي تمارسه قوات الأمن الليبية
مطلع العام الجاري، عثرت الشرطة الليبية على مخبئ سري في شرق ليبيا، حيث احتُجِز 263 مهاجرًا من إثيوبيا والصومال وإريتريا لمدة تجاوزت ثمانية أشهر، وسط تعرضهم للتعذيب والإهانة والقتل بهدف إرغام ذويهم على دفع الفدية. نتيجة لتكرار هذه الجرائم، دعا الباحث في قضايا حقوق الإنسان، إحميد الزيداني، إلى فرض عقوبات رادعة تتناسب مع فداحة هذه السلوكيات الإجرامية.
شهد عام 2024 اكتشاف مقبرتين جماعيتين في ليبيا، ما يعكس حجم الانتهاكات التي يتعرض لها المهاجرون. ففي مارس /آذار، عُثِر على 65 جثة في منطقة الشويرف، حيث يُعتقد أنهم لقوا حتفهم أثناء عمليات تهريب عبر الصحراء، وفي يوليو/ تموز، تم الكشف عن مقبرة جماعية جديدة بالقرب من الحدود الليبية التونسية، في ظل تقارير عن انتهاكات جسيمة تشمل الاتجار بالبشر والتعذيب والاستغلال القسري. هذه الاكتشافات تضع ملف الهجرة غير النظامية في قلب الأجندة السياسية الإقليمية والدولية، كما أفادت شبكة "سكاي نيوز" بأن عام 2023 شهد مقتل ما لا يقل عن 962 مهاجرًا أفريقيًا، بالإضافة إلى فقدان 1563 آخرين داخل ليبيا.
أكد المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان أن معاناة مهاجري القرن الأفريقي في ليبيا لا تقتصر على استغلال تجار البشر فقط، بل تمتد إلى العنف المفرط الذي تمارسه قوات الأمن الليبية. فقد نفذت السلطات في أكتوبر/ تشرين الثاني 2021، حملة أمنية واسعة في منطقة قرقارش بطرابلس، أسفرت عن مقتل مهاجر أفريقي، وإصابة أكثر من 20 آخرين، واعتقال نحو4 ألاف مهاجر ولاجئ، بينهم نساء وأطفال، في ظروف غير إنسانية. بررت الحكومة الليبية الحملة بأنها تستهدف أوكار الجريمة والمخدرات، فيما كشفت تقارير حقوقية عن انتهاكات جسيمة، شملت الاستخدام المفرط للقوة، واحتجاز مهاجرين يحملون وثائق رسمية من الأمم المتحدة.
الهجرة عبر ليبيا ليست مجرد انتقال من بلد إلى آخر، بل رحلة تتداخل فيها الأبعاد الإنسانية والاجتماعية والسياسية. في هذا المسار المظلم، تُستغل أرواح المهاجرين كسلع تُباع وتُشترى، حيث يدفعون مبالغ طائلة لشبكات التهريب، قبل أن ينتهي بهم المطاف في قبضة الميليشيات المسلحة التي تمارس بحقهم أشكالًا مختلفة من الابتزاز والاستغلال، وصولًا إلى القتل.
تنقسم هجرة مواطني القرن الأفريقي إلى ثلاث جهات رئيسية: شمالاً وجنوباً وشرقاً. يتجه نحو 4٪ منهم شمالاً إلى ليبيا، وهو الطريق الأخطر والأطول، حيث يطمح هؤلاء المهاجرون في الوصول إلى أوروبا أو العثور على فرص عمل في دولة ليبيا.
أكدت الأمم المتحدة أن المهاجرين السودانيين في ليبيا يتعرضون لانتهاكات واسعة، تصل في بعض الحالات إلى القتل بسبب الإهمال والجوع. وعند وصولهم إلى ليبيا، يواجهون مصيرًا غامضًا، حيث يتم احتجازهم في أقسام الشرطة أو مراكز احتجاز، أو يتم تسليمهم إلى قوات الدعم السريع
يمر المهاجرون الذين ينتقلون من القرن الأفريقي إلى ليبيا عبر السودان، بدءا من مدينة القضارف في شرق السودان صوب الخرطوم، ثم يواصلون رحلتهم شمالًا إلى مدينة دنقلا السودانية، وصولًا إلى الصحراء. وغالبًا ما يكون المهاجرون من دول إريتريا وإثيوبيا والصومال.
تنتشر الانتهاكات على طول هذا الطريق البري، حيث تم الإبلاغ عن حوالي 165 حادثة تهريب واتجار بالبشر خلال عام 2021. وفي دراسة أُجريت، تُعد ليبيا من أخطر الدول على اللاجئين والمهاجرين في أفريقيا، حيث سجلت أعلى معدلات انتهاكات الحماية بين عامي 2018 و2022. فقد بلغ عدد حالات الخطف 3290 حالة، ووصلت حالات العنف الجنسي إلى 3505 حالة، وهي الأعلى مقارنة بالدول الأفريقية الأخرى.
منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل/ نيسان 2023، لجأ أكثر من 200 ألف سوداني إلى ليبيا. وقد أكدت الأمم المتحدة أن المهاجرين السودانيين في ليبيا يتعرضون لانتهاكات واسعة، تصل في بعض الحالات إلى القتل بسبب الإهمال والجوع. وعند وصولهم إلى ليبيا، يواجهون مصيرًا غامضًا، حيث يتم احتجازهم في أقسام الشرطة أو مراكز احتجاز، أو يتم تسليمهم إلى قوات الدعم السريع. وفي هذا السياق، تتراوح عدد طلبات اللجوء اليومية في منطقة الكفرة وحدها بين 400 و500 طلب، وهو ما أكدته المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في عام 2024.
استقبل رئيس الوحدة الوطنية الليبية، عبدالحميد الدبيبة، نظيره الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، في شهر فبراير/ شباط الماضي، وتم توقيع عدة اتفاقيات مشتركة بين البلدين، حيث ركز الرئيس الصومالي بشكل خاص على وضع المهاجرين الصوماليين في ليبيا، مؤكدًا أهمية العمل على إيجاد حلول دائمة لهذه القضية الإنسانية والمعقدة.
يوم الإثنين الماضي، جرت عملية إعادة 145 مهاجرًا صوماليًا عالقًا في ليبيا، وذلك في إطار برنامج العودة الطوعية الممول من الاتحاد الأوروبي. وأكد العائدون أنهم واجهوا ظروفًا قاسية في ليبيا خلال فترة إقامتهم. من جانبها، أكدت الحكومة الصومالية استمرار سعيها الحثيث لإعادة المزيد من المواطنين العالقين في ليبيا، في إطار جهودها لحل الأزمة الإنسانية.
أكد رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة رفض ليبيا لأي ضغوط أو مساومات في هذا الملف، مشددًا على ضرورة تحمل المجتمع الدولي لمسؤولياته، وعدم ترك ليبيا تواجه الأزمة وحدها، فيما تستمر التحديات مع كون البلاد نقطة عبور رئيسية للمهاجرين غير الشرعيين نحو أوروبا
بدأت وزارة الخارجية السودانية، في مارس /أذار 2022، برنامج للعودة الطوعية للمهاجرين السودانيين في ليبيا، بالتعاون مع منظمة الهجرة الدولية. وقد تكفل المنظمة بتأسيس مراكز إيواء وتحمل تكاليف الترحيل عبر رحلات جوية من بنغازي إلى الخرطوم. وفي أبريل/ نيسان وصل 131 مواطن سودانياً ضمن البرنامج.
رحّلت السلطات الليبية أكثر من 52 ألف مهاجر غير قانوني، منذ عام 2023، ضمن جهود مكثفة لضبط الحدود ومكافحة الهجرة غير الشرعية، حيث تم ترحيل 20 ألفًا عام 2023، و32 ألفًا منذ بداية عام 2024. وأكد رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة رفض ليبيا لأي ضغوط أو مساومات في هذا الملف، مشددًا على ضرورة تحمل المجتمع الدولي لمسؤولياته، وعدم ترك ليبيا تواجه الأزمة وحدها، فيما تستمر التحديات مع كون البلاد نقطة عبور رئيسية للمهاجرين غير الشرعيين نحو أوروبا.
تشكل الهجرة غير الشرعية من القرن الأفريقي إلى ليبيا أزمة إنسانية وأمنية متفاقمة، حيث يواجه المهاجرون مخاطر الاستغلال والانتهاكات الجسيمة. رغم الجهود الدولية والمحلية لإعادة المهاجرين إلى أوطانهم، تبقى الحاجة مُلحة لمعالجات جذرية تعالج أسباب النزوح، وتعزز الأمن والاستقرار، وتضمن حماية حقوق المهاجرين، في ظل استمرار ليبيا كنقطة عبور رئيسية نحو أوروبا.