تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأربعاء 17 ديسمبر 2025

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
راهن

منظومات بلا كوابح: تصاعد المسيّرات يقرّب "الهجوم الذاتي" في أفريقيا

8 نوفمبر, 2025
الصورة
منظومات بلا كوابح: تصاعد المسيّرات يقرّب "الهجوم الذاتي" في أفريقيا
Share

تشهد سماء أفريقيا تحولًا سريعًا في طبيعة استخدام الطائرات من دون طيار؛ إذ تنتقل من منصات تجارية منخفضة الكلفة تُقاد يدويًا إلى مسيّرات مزودة بقدرات رؤية حاسوبية وملاحة مستقلة وخوارزميات سرب تُمكّنها من إكمال المهمة حتى عند انقطاع الاتصال. هذا التطور يرفع احتمال وقوع هجمات «ذاتية التوجيه» لا تحتاج إلى مُشغّل لحظة التنفيذ، ويضاعف تحديات أجهزة الأمن في المدن والمرافئ والمناطق الحدودية. ما يسهّل هذا الانعطاف التقنيةَ المتاحة على حافة الدرون: رقاقات ذكاء اصطناعي خفيفة قادرة على التعرف إلى الأهداف وتتبعها محليًا، وتقنيات ملاحة بالمنظر ودمج للمستشعرات تعمل في بيئات مُعطّلة نظام التموضع العالمي، فضلًا عن أوضاع تشغيل في بعض الذخائر الجوّالة تهاجم الهدف المُلقّن مسبقًا إذا فُقد الربط اللاسلكي.

حذّر منتدى الدفاع الأفريقي من أنّ تسارع انتشار الطائرات المسيّرة في القارة، من ساحل الصحراء إلى القرن الأفريقي، يرفع احتمالات وقوع هجمات تنفّذها منصّات شبه ذاتية القيادة بقرارات آلية في أجزاء حسّاسة من أفريقيا. ويستعيد المنتدى في تحليل نشره القصة المسيّرة التركية «كارغو-2» في ليبيا عام 2020 نموذجًا تحذيريًا لطائرات قادرة تقنيًا على العمل ذاتيًا، ولو أنّ التحقيق الأممي آنذاك لم يجزم بأنها اتخذت قرار الاشتباك دون تدخل بشري. الفكرة مع ذلك تحوّلت إلى جرس إنذار لخبراء حقوق الإنسان والجيوش على السواء بشأن الأسلحة الفتّاكة ذاتية التشغيل (LAWS)، وما قد تعنيه لبيئة الأمن الأفريقية.

فما كان قبل أعوام ابتكارًا مكلفًا صار اليوم في متناول الدول الفقيرة والجماعات المسلّحة، مسيّرات تجارية رخيصة مُعدّلة للرصد وإلقاء الذخائر، وأنظمة عسكرية متوسطة الكلفة للاستطلاع والضربات. وقد تكون أفريقيا الحدود التالية لاختبار الذكاء الاصطناعي في القتال، وسط ادعاءات من مؤيّدي التقنية بأنها تزيد الدقة وتحدّ الخسائر الجانبية، مقابل مخاوف من تآكل السيطرة البشرية والاختلاط بين المدنيين والمقاتلين في مشاهد حرب حضرية.

ميدانيًا، تتراكم المؤشرات. ففي الساحل، رصدت تقارير مستقلة تصاعدًا كبيرًا في هجمات جماعات متطرّفة باستخدام مسيّرات تجارية معدّلة منذ خريف 2023، مع ذروة بين مارس/ آذار ويونيو/ تموز 2025 شملت أكثر من عشرين ضربة على قواعد ونقاط عسكرية في مالي وبوركينا فاسو، فيما ردّت حكومات المنطقة بطائرات بيرقدار التركية لكن بأعداد محدودة. هذا التحوّل من المراقبة إلى الهجوم يغذّيه نقل خبرات عابر للحدود، وتأثير ساحات تجريب كأوكرانيا على تكتيكات الميدان في أفريقيا.

وعلى الضفّة الشرقية، ضبطت قوات بونتلاند في 2024 خمس مسيّرات تجارية خُبّئت داخل صناديق سبيكر بعد تعديلها لحمل متفجرات. التحقيقات رجّحت أنّ الأجهزة هُرّبت من الحوثيين في اليمن عبر ميناء بوصاصو، وكانت في طريقها إلى حركة الشباب، ما يوضح هشاشة الممرات البحرية أمام تهريب تقنيات رخيصة قادرة على إنتاج أثر قتالي كبير.

لا يقف التطوّر عند طائرات فردية تكنولوجيًا. فعلى خطوط المواجهة في أوكرانيا أُدخلت أسراب مسيّرات تعمل بتنسيق ذكي وتتكيف أثناء المهمة، مع تقليص دور المشغّل البشري إلى الحد الأدنى، ما يوسّع خيال الجماعات والدول حول سيناريوهات سرب يطارد الهدف بسرعة آلة لا يواكبها قرار بشري. هذه القفزة التقنية، وإن كانت خارج القارة، ترسم سقفًا قريبًا عبر انتقال الخبرات والبرمجيات منخفضة الكلفة.

في المقابل، تتسارع أيضًا محاولات التحصين. فقد أعلنت بريطانيا عن تجارب ناجحة لسلاح طاقة موجّه (RF-DEW) قادر على تعطيل أسراب مسيّرات بكلفة زهيدة لكل طلقة عبر موجات راديوية تُعطب إلكترونيات الهدف. ورغم أن الأنظمة ما زالت طور التطوير، فإنها تشير إلى اتجاه دفاعي منخفض التكلفة/عالي الوتيرة قد يصلح لدول أفريقية تعاني ضيق الميزانيات إذا أُتيح بنقل تقني وتمويل ميسّر.

يبقى السؤال الأخطر، كيف تُدار العتبة الأخلاقية والقانونية؟ يذكّر باحثون أمميون بأن دخول المسيّرات التجارية إلى ترسانة فاعلين غير حكوميين في أفريقيا ترافق مع شبكات معرفة وشراء مرنة من الأسواق المفتوحة إلى المنتديات، ما سهّل التعديل والتسليح، ورفع في الوقت نفسه مخاطر الهجمات العشوائية وانتهاك قواعد التمييز والتناسب. وتخلص مراجعات أكاديمية حديثة إلى أنّ خص التقنية لا يعني انضباط استخدامها؛ بل العكس، كلما هبطت الكلفة، زادت احتمالات سوء الاستخدام وتراجع المساءلة.

خلاصة المشهد تشير أن أفريقيا ليست بعيدة عن لحظة القرار الآلي، وإن لم تُسجَّل بعد هجمات مؤكدة تُنفَّذ ذاتيًا بالكامل. لكن تلاقي عدة منحنيات تتلخص بوفرة العتاد التجاري المعدّل، انتقال الخبرات من حروب بعيدة، وضيق موارد الدفاع يخلق بيئة قابلة للاشتعال. وعلى عواصم القارة أن تتعامل مع الملف باعتباره أولوية أمنية وقانونية الآن، لا عندما تصبح قصة التحذير واقعًا ماثلًا على الأرض.