الأحد 8 فبراير 2026
أعلنت إريتريا مؤخراً انسحابها من منظمة "إيغاد"، التي تضم أغلب دول إقليم شرق أفريقيا. وقد مثل هذا الانسحاب نهاية طويلة لعلاقة غير مستقرة، شابها الشك وانعدام الثقة.
المنطق الإريتري هو أن المنظمة التي بدأت كمجموعة إقليمية تهدف إلى التكاتف من أجل درء خطر الجفاف والتصحر، والتي يشير اسمها بوضوح لحدود عملها، "الهيئة الحكومية للتنمية"، تحولت إلى أداة إقليمية تستخدم لممارسة ضغط سياسي على بعض أطرافها.
هذا الموقف لا يخص إريتريا فقط، بل يتشارك معها الكثير من القادة والزعماء السياسيين، الذين، وإن لم يذهبوا إلى حد للانسحاب من المنظمة، لكنهم لا يتفقون مع وجهة النظر، التي تقول إن هذه الرابطة تجاوزت الحدود، حتى باتت تتدخل في الشؤون الداخلية، وأضحى الدور السياسي، الذي كان مكملاً، هو الدور الأساسي لها.
المشكلة ليست في محاولة "إيغاد" لعب دور سياسي جماعي، يمكن أن يجعل المجموعة مسموعة الصوت في عالم ملىء بالتكتلات، بل المعضلة الكبرى في محاولة بعض الدول لعب دور سياسي، والاستفادة من المنظمة بما يخدم مصالحها.
في بداية الأزمة في السودان، على سبيل المثال، كان من الممكن تجاهل تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي، الذي كان يعبر عن رأيه حينما قال: إنه لا يرى شرعية لأي طرف في السودان. كان ذلك تصريحاً مؤسفاً، وبالإمكان تجاوزه، لو لم يتحول إلى رأي رسمي لمجموعة "إيغاد"، التي ضغطت باتجاه تعليق عضوية السودان، إحدى أهم الدول المؤسسة، بحجة انعدام الشرعية.
ما فجر الأمر أكثر هو شعور أسمرا بأن "إيغاد"، التي تتحدث كثيراً عن دورها كضامن للاستقرار والسلام في المنطقة، بلغت مرحلة التواطؤ مع إثيوبيا، التي تهدد حدودها وسيادتها على أراضيها بحديثها عن ضرورة إيجاد منفذ لها على البحر
هذا العامل مهم، ويشتبك معه عامل آخر هو التمويل، والاعتماد على المنح الغربية. نذكر في هذا السياق بالمقولة الشهيرة: "من يدفع للزمار يختار اللحن"، فمن العبث أن تطالب دول المجموعة التي تعتمد على ما يقدم لها من المانحين بأن يكون لها رأي مستقل، أو أن تدافع عن حقوقها بجدية ضد محاولات الاتحاد الأوروبي التغول على استحقاقاتها، أو التدخل بشكل سافر في شؤونها.
هذا الاعتماد يحول المنظمة بشكل تدريجي إلى مجرد ذراع لتنفيذ الأجندات الغربية، وهو ما يمكن ملاحظته في البرامج الاجتماعية للمنظمة، التي تهدف إلى تكريس القيم الأوروبية، بما فيها تلك التي تتعارض مع ثقافات المنطقة. هذا يفسر أيضا لماذا يكون بند مكافحة الهجرة غير الشرعية لأوروبا أساسياً في أهم الاجتماعات، على الرغم من أنه لا يمثل هاجساً محلياً وإنما أولوية أوروبية.
الأصل في التجمعات الإقليمية هو أن تكون ممثلة للجميع، وأن يحصل الكل فيها على الاحترام وعلى نفس ثقل التمثيل، لكن ما يتهم به الإريتريون "إيغاد" هو أنها لا تمنح أصوات الدول ثقلاً متساوياً. ما فجر الأمر أكثر هو شعور أسمرا بأن "إيغاد"، التي تتحدث كثيراً عن دورها كضامن للاستقرار والسلام في المنطقة، بلغت مرحلة التواطؤ مع إثيوبيا، التي تهدد حدودها وسيادتها على أراضيها بحديثها عن ضرورة إيجاد منفذ لها على البحر. هذه التصريحات العلنية، التي كانت تطالب بضرورة تصحيح خطأ التقسيم، الذي حرم إثيوبيا من الإطلالة البحرية، والتي لم تجد من المنظمة أي إدانة كانت من أسباب إحساس إرتريا بالإحباط والخذلان.
ما يقال عن إريتريا و"إيغاد"، يمكن أن يقال عن السودان وعن علاقته بالمنظمات الإقليمية الأخرى. لمدى أكثر من عامين ترك هذا البلد المهم وحيداً في مواجهة جماعة وحشية متمردة، استهدفت تخريب الدولة وتفكيك مؤسساتها. من ينظر إلى التفاعلات الإقليمية، وتعاطي دول الجوار مع هذا الحدث يشعر أن الكيانات المعنية بالسلم والأمن كانت تصر، ولأسباب مختلفة، على التعامل ببرود مع الأزمة. كان هؤلاء يتعمدون تجاهل حقيقة تأثير هذه الفوضى بشكل لا مفر منه على مجمل المحيط، سواء عبر تعزيز فوضى السلاح أو عبر خلق أزمة لاجئين إقليمية ودولية.
"لا يمكن أن نكون عضوا في منظمة بإرادتنا ثم تتحول إلى منظمة تحاربنا، ولا يمكن أن نضع أموالنا في البنك الأفريقي العام الذي يتحول إلى مصدر تجويع لشعوبنا"
إن من راهنوا على الصمت والخذلان، أو الذين رأوا أن مصلحتهم في الاصطفاف مع الجنرال المنشق محمد حمدان دقلو "حميدتي" لم يقدروا الأزمة وتأثيراتها قدرها. في الآثار الإقليمية يكفي أن نذكر بما تمخض عن الصراع من تعثر لتصدير نفط جنوب السودان؛ المورد الأهم للبلد. وما يمكن أن ينتجه ذلك من صعوبات اقتصادية في بلد لا تنقصه التعقيدات. يكفي أيضاً التفكير في أن حرب حميدتي هذه قد نقلت موضوع المقاتلين المرتزقة عابري الدول إلى مربع جديد، فصحيح أنه لم تكد تخل حرب أفريقية من المرتزقة، إلا أن ما حدث في السودان من تدفقات غير مسبوقة للمال وللرجال، ومن ميزانيات مفتوحة للنقل والمساعدات اللوجستية، كان يضع الأمر كله في إطار جديد.
في غرب أفريقيا تعيش منظمة "إيكواس" تحديات مماثلة. المنظمة، التي بات إسمها الأصلي "المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا" لا تشير لحدود تحركاتها، تواجه نفس وضع منظمة "إيغاد"، وتعاني من ذات مشكلاتها، التي تجعل الحانقين عليها يتهمونها بأنها صارت مجرد لعبة في أيدي مموليها الغربيين.
طفت هذه الاتهامات على السطح بشكل خاص عقب أزمة النيجر، فبعد تهديدات فرنسية قاسية بشأن ضرورة إعادة الرئيس المعزول والحليف محمد بازوم، عمدت إدارة المنظمة إلى التلويح بالتدخل العسكري، بل سعت إلى التخطيط لذلك لولا تراجع الدولة الأهم، نيجيريا، في آخر لحظة بعد إدراكها لما يمكن أن يخلفه ذلك من تأثيرات سلبية عليها.
لم تستطع فرنسا، الغاضبة من تمرد دول الساحل وخروجها عن سيطرتها، أن تتدخل بشكل مباشر، لكنها استخدمت تأثيرها على حلفائها من أجل خلق ضغوط مختلفة وصلت حد الحصار القاسي على كل من النيجر ومالي باستخدام "إيكواس". حينها قال وزير الخارجية المالي مستنكراً: "لا يمكن أن نكون عضوا في منظمة بإرادتنا ثم تتحول إلى منظمة تحاربنا، ولا يمكن أن نضع أموالنا في البنك الأفريقي العام الذي يتحول إلى مصدر تجويع لشعوبنا".
النيجر ومالي وبوركينافاسو، التي رأت أن "إيكواس" لم تعد تمثلها ولا تعبر عن تطلعاتها ومصالحها، لم تكتف بوقف التعاون مع المنظمة، بل شرعت في تكوين تحالف بديل أُريد له أن ينمو متجاوزاً للمشكلات البنيوية، التي صاحبت المنظمات الإقليمية الأخرى.
الاعتماد على الأجنبي يحول المنظمة بشكل تدريجي إلى مجرد ذراع لتنفيذ الأجندات الغربية، وهو ما يمكن ملاحظته في البرامج الاجتماعية للمنظمة، التي تهدف إلى تكريس القيم الأوروبية، بما فيها تلك التي تتعارض مع ثقافات المنطقة
المنظمة الوليدة، والتي أطلق عليها اسم "تحالف دول الساحل" أو "آيس"، عقدت اجتماعها على مستوى القادة في العاصمة المالية باماكو هذا الأسبوع. كان الاجتماع ناجحاً في إثبات أن بإمكان التفكير خارج الصندوق أن يكون عملياً.
لأن التحدي الأمني هو الأكبر مع وجود خطر الجماعات الإرهابية، فقد اقترحت "آيس" تكوين قوة مشتركة يمكن أن يتم توزيعها في المساحة، التي تنتشر فيها هذه الجماعات. من المبكر اليوم تقييم هذه الفكرة، لكنها ستكون بأي حال أكثر نجاحاً من محاولات الدول الغربية التدخل بحجة محاربة الإرهاب.
لن يكون طريق المنظمة الجديدة مفروشاً بالورود، حيث تواجهها مشكلات عدة، أهمها التربص الإقليمي وعداء الدوائر الغربية، التي لن يسعدها أن تتحول "آيس" لمثال يحتذى، لأن ذلك يهدد مجمل القوالب القديمة في القارة، بما فيها مؤسسة الاتحاد الإفريقي نفسها، والتي لا تخلو من الأمراض، التي يعاني منها غيرها.