تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 12 يوليو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

منعه الأميركيون فاحتفى به الصوماليون: قصة الحكم عمر عرتن

12 يونيو, 2026
الصورة
منعه الأميركيون فاحتفى به الصوماليون: قصة الحكم عمر عرتن
Share

لم تمضِ سوى أيام على موجة الاحتفاء التي عمّت الأوساط الكروية الصومالية بعد الإعلان عن اختيار الحكم عمر عرتن للمشاركة في كأس العالم، حتى تبدد ذلك التفاؤل سريعا مع اتضاح أنه لن يتمكن من حضور البطولة بسبب قيود الهجرة الأميركية.

منذ البداية، لم يكن هذا الاحتمال مستبعدا لدى كثيرين. فقد سبق للرئيس الأميركي دونالد ترامب أن هدّد بمنع إيران من المشاركة في البطولة قبل أن يتدخل الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا»، فيما حذّر عمدة نيويورك زهران ممداني، الذي كشف والده محمود أخيرا أنه كاد في وقت سابق يحصل على الجنسية الصومالية، من أن تصاعد نشاط وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأميركية في المدينة قد يقوّض روح البطولة.

كانت المخاوف أكبر بالنسبة إلى الصومال تحديدا، في ظل الخطاب التحريضي الذي وجّهه ترامب مرارا ضد الصومال والجالية الصومالية الأميركية، فضلا عن إدراج البلاد ضمن حظر السفر. لذلك، ظلّت مشاركة عرتن معلّقة على احتمال أن تطرأ عقبة ما، حتى بعد وصوله إلى الولايات المتحدة للانضمام إلى معسكر تدريب الحكام.

قبل أيام فقط من الواقعة، بدا عرتن المصنّف أفضل حكم في أفريقيا حالياً متفائلاً، وهو يكتب من فندقه في إسطنبول، حيث كان في محطة عبور إلى ميامي. وكان من المفترض أن يصبح أول حكم صومالي يدير مباراة في كأس العالم، وواحداً من سبعة حكام أفارقة اختيروا للمشاركة في البطولة.

"هذا مجرد مظهر آخر من مظاهر سياسة ترامب الانتقامية والمهووسة، التي دأبت على شيطنة كل ما يرتبط بالصومال"

لكن الرحلة انتهت عند مطار ميامي الدولي، حيث مُنع عرتن من الدخول، وأُعيد إلى إسطنبول رغم حمله تأشيرة صالحة، ورغم أن قواعد وزارة الخارجية الأميركية تستثني المشاركين في الفعاليات الرياضية الكبرى من قيود حظر السفر. وبدلا من السماح له بالدخول، اعتبره ضباط الحدود غير مؤهل لذلك، مستندين إلى «مخاوف تتعلق بالتدقيق الأمني» لم تُكشف تفاصيلها.

حظي عرتن عند وصوله، يوم الأربعاء، إلى مطار آدم عدي الدولي في مقديشو، باستقبال الأبطال. فقد كان في استقباله على مدرج المطار كبار المسؤولين الحكوميين، فيما احتشد خارج المطار مؤيدون مبتهجون، عبّروا عن تضامنهم معه بعد قرار منعه من دخول الولايات المتحدة.

وفي كلمة مقتضبة أمام الحشد، شكر عرتن الشعب الصومالي والحكومة الصومالية على الدعم الذي حظي به، متحدثاً بنبرة صلبة حملت رسالة أمل للشباب الصومالي حيث قال: «الصومال لنا جميعاً. سواء كانت الأوقات جيدة أو صعبة، أريد أن أقول لشبابنا ألا يفقدوا الأمل في بلدنا».

وكانت وزارة الشباب والرياضة الصومالية قد أعلنت يوم الثلاثاء أنها «حزينة للغاية» إزاء القرار، مشيرة إلى أن الحكومة بذلت «جهوداً دبلوماسية واسعة»، وخاضت مفاوضات مع السلطات الأميركية من دون أن تنجح في تغيير النتيجة.

من جهته، قال الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» إن القضية تقع ضمن اختصاص سلطات الهجرة الأميركية، وإنها لذلك خارج نطاق سيطرته. غير أن مسؤولين صوماليين قالوا إنهم يعتقدون أن «فيفا» يتحمل في نهاية المطاف مسؤولية ما حدث.

ووصف الصحفي الرياضي الصومالي محمد صلاد القرار بأنه ضربة قاسية للبلاد، قائلا: «عندما اختير عمر، احتفل الصوماليون كما لو أن المنتخب الوطني تأهل إلى كأس العالم. للمرة الأولى كان سيكون لدينا واحد منّا وُلد ونشأ في الصومال، ويمثلنا على أكبر مسرح في كرة القدم العالمية».

أما أبو بكر عرمان، الدبلوماسي الصومالي السابق في الولايات المتحدة، فأخبرني أن عرتن لا يشكل أي تهديد أمني، ولا يملك سجلا جنائيا. وأضاف: «هذا مجرد مظهر آخر من مظاهر سياسة ترامب الانتقامية والمهووسة، التي دأبت على شيطنة كل ما يرتبط بالصومال».

ولا يزال السبب الدقيق وراء منع عرتن من دخول الولايات المتحدة غير واضح. غير أن أندرو جولياني، مدير فريق العمل في البيت الأبيض المعني بكأس العالم، قال خلال ندوة استضافها مركز الأبحاث «المجلس الأطلسي»، إن هناك «سبباً وجيهاً» وراء القرار، من دون أن يقدم أي تفاصيل إضافية.

في وقت لاحق، قال مسؤول أميركي إن مواطنا صوماليا مُنع من دخول البلاد بسبب روابط مزعومة مع أفراد يُشتبه في تورطهم مع منظمات «إرهابية». وقال كريس كار، المحامي المتخصص في قضايا الهجرة الرياضية، إن السلطات الأميركية قد تكون امتلكت مبررات قانونية لرفض دخول عرتن، غير أن القرار يبقى غير مألوف، بالنظر إلى مكانته العامة، وإلى إجراءات التدقيق المكثفة التي تسبق عادة منح التأشيرة. وأضاف كار: «بالنظر إلى إنجازاته ومهنته، فإن هذا قرار مفاجئ للغاية».

رمز للإلهام

وُلد عرتن في مقديشو، وظل لسنوات مصدر فخر لمشجعي كرة القدم الصوماليين. وجاء صعوده في سياق طويل من الغياب الصومالي عن كبرى المنافسات الدولية، بعدما تراجعت حضور المنتخبات والشخصيات الرياضية الصومالية على الساحة العالمية منذ انهيار الدولة عام 1991.

وفي مقابلة أجراها عام 2018 مع وسائل إعلام محلية، أثناء إدارته مباريات في الدوري الوطني الصومالي، أعلى مسابقة كروية في البلاد، تحدث عرتن عن طموحه في الوصول إلى أعلى مستويات التحكيم، وعن رغبته في تمثيل الصومال على المسرح الدولي. وقال حينها: «لدي الرغبة والثقة، وبعون الله، سأدير يوماً ما مباريات في أكبر البطولات، وسأرفع مكانة الصومال على الساحة العالمية».

كما وجّه رسالة عن المثابرة والعمل الجاد، قائلا: «أيّاً كان ما تعقد العزم عليه، إذا عملت بجد وكرّست نفسك له بالكامل، يمكنك تحقيقه». وكان عرتن قد أوضح في حديث سابق له أنه حوّل طموحه من اللعب إلى التحكيم بعد إصابات تعرض لها في بداية مسيرته. كما استعاد جانبا من صعوبة العمل في مقديشو، حيث كان الوضع الأمني الهش والهجمات الدامية يضطرانه أحيانا إلى تغيير طرقه للوصول إلى الملاعب وإدارة المباريات، من دون أن يثنيه ذلك عن مواصلة طريقه.

«حكم معتمد من فيفا يُمنع من دخول الولايات المتحدة فقط لأنه صومالي»

تخوض الحكومة الصومالية منذ عام 2006 حربا ضد حركة الشباب، وهي جماعة محلية مرتبطة بتنظيم القاعدة، نفذت على مدى سنوات هجمات متكررة في أنحاء البلاد. وسط هذا السياق الصعب، شقّ عرتن طريقه إلى الساحة القارية. فقد سجّل أول حضور له في بطولة كبرى خلال كأس الأمم الأفريقية 2023، حيث لفت الأنظار بأسلوبه الحازم في إدارة المباريات وثباته الواضح تحت الضغط. والأهم أن ظهوره أشعل حماسة المشجعين الصوماليين، الذين انتظروا طويلاً رؤية أحد أبناء بلدهم على أكبر منصات كرة القدم.

ووصفت صحيفة «ذي إيستلي فويس» الشرق أفريقية مشاركة عرتن في كأس الأمم الأفريقية بأنها «لحظة رائدة لكرة القدم الصومالية»، بعدما أصبح أول حكم صومالي يشارك في البطولة. وكانت أول مباراة أدارها عرتن في كأس الأمم الأفريقية بين ناميبيا وتونس، وهي مباراة قال الصحفي الرياضي محمد صلاد إن «آلاف الصوماليين المتحمسين لمعرفة كيف سيتعامل رجلهم مع الضغط» تابعوها باهتمام.

في وقت سابق من هذا العام، اختير عرتن، الذي تُوّج حكم العام في أفريقيا عام 2025، ضمن حكام كأس العالم. وأشاد به الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، قائلا إنه: «أصبح رمزاً للإلهام للجيل الجديد من الصوماليين». وكان عرتن قد عبّر في حديث سابق عن حماسته للمشاركة في كأس العالم، قائلاً: «بالنسبة إليّ، إنه شرف أن أكون أول صومالي يذهب إلى هناك، وآمل أن أقدم أداء رائعاً هناك». وأضاف: «في كل مرة تدير فيها مباراة، يجب أن تكون مثاليا. إذا ارتكبت خطأ، فلن تكون كل إنجازاتك ذات أهمية».

وقال جمال شيل، المدير العام السابق في وزارة الشباب والرياضة الصومالية، للجزيرة إن عرتن أصبح «اسماً معروفاً في كل بيت»، ومصدر إلهام للشباب في مختلف أنحاء البلاد. وأضاف شيل: «لقد بلغ القمة في الصومال، ثم وصل إلى القمة على مستوى أفريقيا، قبل أن يحقق حلمه بالوجود في كأس العالم. كان يقدم نموذجاً للشباب الصوماليين وللناس في أنحاء أفريقيا».

وأردف أن إعادة عرتن من حيث أتى تبعث برسالة سلبية إلى الشباب الصومالي الطامح، قائلا: «قد يقول بعضهم: أبذل قصارى جهدي، وأفعل كل ما ينبغي عليّ فعله، لكن في النهاية يمكن لشيء واحد كهذا أن يسلبني كل شيء».

موجة دعم واسعة

تلقى عرتن منذ منعه من دخول الولايات المتحدة موجة واسعة من الدعم داخل الصومال وخارجه، وعقب عودته، التقى رئيس الوزراء الصومالي حسن حمزة عبدي بري، والرئيس حسن شيخ محمود، في تأكيد رسمي لمكانته الرمزية، وما أثاره القرار من تعاطف وطني واسع.

كما أعلنت شخصيات بارزة في المعارضة الصومالية، بينها الرئيس السابق فرماجو ورئيس الوزراء السابق حسن علي خيري، دعمها العلني لعرتن. ومن خارج الصومال، عبّر وزير المالية الجيبوتي إلياس موسى دواله عن تضامنه معه، كاتباً على منصة إكس: «نحن جميعا عمر عبد القادر عرتن».

«لقد بلغ القمة في الصومال، ثم وصل إلى القمة على مستوى أفريقيا، قبل أن يحقق حلمه بالوجود في كأس العالم. كان يقدم نموذجاً للشباب الصوماليين وللناس في أنحاء أفريقيا»

ظهر عرتن لاحقا ضيفا خاصا في مباراة كرة قدم محلية، حيث استقبله آلاف المشجعين الذين حملوا صوره ولوّحوا بالأعلام الصومالية. وقال مخاطباً الجماهير: «سأتذكر هذا دائماً. إنه شرف خاص لي أنكم جئتم من أجلي من مختلف أنحاء مقديشو والبلاد».

لم تقتصر ردود الفعل على الصومال والمنطقة، إذ أثار القرار انتقادات من شخصيات بارزة في الرياضة والسياسة الدوليتين. فقد عبّر إيان رايت، مهاجم أرسنال ومنتخب إنجلترا السابق، عن أسفه لما وصفه بالأثر المتزايد لقيود السفر على البطولة.

وقال رايت في رسالة مصورة: «كل بضع ساعات، تظهر قصة أخرى. قصة أخرى عن جماهير مُنعت، ولاعبين مُنعوا، ومسؤولين مُنعوا، وصحفيين مُنعوا. والآن الحكام؟ أهذه هي الطريقة التي يتصرف بها المضيفون؟».

ووصف جيريمي كوربن، الزعيم السابق لحزب العمال البريطاني، القرار بأنه «عار كبير»، وكتب في منشور على منصة إكس: «حكم معتمد من فيفا يُمنع من دخول الولايات المتحدة فقط لأنه صومالي». كما وصفت هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، القرار بأنه «يأتي بنتائج عكسية» و«متخلف للغاية».

أما تيدروس أدهانوم غيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، فقال في منشور على منصة إكس إن عرتن بلغ قمة مهنته، بوصفه «أول حكم صومالي يصل إلى هناك، وبوصفه الأفضل في أفريقيا. سيظل هذا الإنجاز قائماً مهما حدث». وأضاف مخاطباً عرتن: «لن تكون هذه نهاية قصتك على المسرح العالمي».