تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 7 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
راهن

منبر تركيا ورسائل مصر: البرهان يبحث عن "ظهير إقليمي" لتثبيت الشرعية

26 يناير, 2026
الصورة
منبر تركيا ورسائل مصر: البرهان يبحث عن "ظهير إقليمي" لتثبيت الشرعية
Share

في مقال نشره رئيس مجلس السيادة الانتقالي وقائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان في مجلة "ألمانك ديبلوماتيك" التركي يوم الأحد، رسم فيه رؤية شاملة لما وصفه بـ"أزمة السودان" من منظور حكومته، مؤكداً أن الأولوية القصوى بالنسبة له تتمثل في صون وحدة السودان، واستمرارية الدولة السودانية في مواجهة ما سماه "تمردًا مسلحًا" يهدد كيانية الدولة وشرعيتها. خلال هذا المقال، الذي حمل عنواناً يشير إلى "إطار عمل حول أزمة السودان: السيادة والشرعية وإعادة الإعمار"، حاول البرهان وصف الصراع ليس كـ"نزاع داخلي معقد"، بل كـ"اختبار جوهري لسيادة الدولة واستقرارها" في سياق إقليمي مفصّل، مع التركيز على ضرورة ألا تُبنى أي تسوية سياسية دون أن تتخلى المكونات المسلحة عن ادعاءات سيادة موازية فوق سلطة الدولة الرسمية.

استعرض البرهان في مقاله أبعاد الأزمة من عدة زوايا، منها ما يتعلق بالأثر الميداني والإنساني للحرب، بالقول إن ملايين المدنيين دفعوا ثمن استمرار القتال، سواء بالنزوح أو بتدمير البنية التحتية والخدمات الأساسية، وجعل ذلك ما وصفه بـ"الدبلوماسية الإنسانية" ضرورة ملحة، تضمن وصول المساعدات وحماية المدنيين. في الجانب السياسي، جدد التأكيد على أن أي عملية تفاوضية حقيقية لابد أن تستند إلى شروط واضحة قبل وقف إطلاق النار، مشددًا على أن الجيش تقع على عاتقه "مسؤولية دستورية وتاريخية في الحفاظ على وحدة البلاد ومنع فرض وقائع قسرية قد تؤدي إلى تفكك السودان".

المقال السياسي للبرهان في مجلة تركية – وليس في صحيفة تركية عادية فحسب – يحمل أبعادًا متعددة: أولاً، هو رسالة موجهة للمجتمع الدولي خصوصًا في أنقرة، وأنقرة ترى في السودان شريكًا استراتيجيًا محتملًا في القرن الأفريقي، وهو ما يتسق مع تصريحات سابقة للبرهان حول أهمية العلاقات السودانية–التركية، والسعي لتعزيزها في ظل الحرب الجارية. ثانيًا، يمثل محاولة لإعادة بناء صورة حكمه عربيًا ودوليًا كحامي للسيادة الوطنية، وفي الوقت نفسه تطرّق إلى دور الشركاء الإقليميين في دفع عملية السلام والعودة إلى الاستقرار. وأشار البرهان ضمنًا إلى تأثير شبكات الدعم الخارجي في إطالة أمد الصراع ورفع تكلفة الحرب على السودان، مؤكّداً أن الحل السياسي يجب أن يكون بوصلة سودانية–سودانية، وليس عبر معادلات مفروضة من الخارج.

هذا الخطاب الإعلامي والسياسي يأتي في سياق تحولات دبلوماسية وإقليمية نشطة. ففي بورتسودان يوم 24 يناير/كانون الأول 2026 التقى البرهان في إطار لقاءات رسمية رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد، في حضور مدير المخابرات السودانية الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل، حيث ناقش الطرفان العلاقات الثنائية بين السودان ومصر، وسبل دعمها وتعزيزها، إضافةً إلى التعاون في مكافحة الإرهاب وحماية أمن البحر الأحمر والإقليم، الأمر الذي يبرز الاهتمام المشترك بين الخرطوم والقاهرة في ملفات الاستقرار الإقليمي ومكافحة التهديدات الأمنية العابرة للحدود. كما تم بحث الترتيبات الإنسانية لتيسير وصول المساعدات وإيصالها إلى المحتاجين بأمان، في ظل استمرار الحرب في السودان وما تسبّب فيه من معاناة للسكان المدنيين. كما نقل رئيس المخابرات المصرية رسالة من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تتضمن تهنئة ودعماً لاستمرار الأمن والاستقرار في السودان.

يشير التقاطع بين ما كتبه البرهان من رؤية في المقال وما دار في لقائه مع رئيس المخابرات المصرية إلى سياسة خارجية سودانية مزدوجة الاتجاه: الأولى توجيه الرسائل السياسية والاستراتيجية إلى الرأي العام الدولي والإقليمي، خاصةً من خلال وسائل إعلام وصحف تركية ذات توجهات تحليلية واستراتيجية، للتأكيد على موقف الخرطوم ومبادئه تحت عنوان وحدة الدولة وسيادتها؛ والثانية تعزيز العلاقات الثنائية مع دول الجوار والشركاء الإقليميين على الأرض، لا سيما مع مصر، عبر لقاءات رسمية ومعالجات أمنية وإنسانية مشتركة، وذلك في إطار مسعى لإيجاد دعم دولي وإقليمي للفترة الانتقالية ومحاولة احتواء الأزمات.

بالمحصّلة، يبدو أن تحركات البرهان – إعلاميًا عبر المقال وديبلوماسيًا عبر اللقاء مع المخابرات المصرية – تستهدف تثبيت موقعه كجهة شرعية تمثّل السودان رسميًا في المسارين السياسي والأمني، وتأكيد موقفه من الصراع الراهن كاختبار لسيادة الدولة، في مقابل ما يصفه بالتمرد المسلح، وهو ما يعكس موقفه الثابت من ضرورة أن تكون أي عملية سياسية شاملة مبنية على أساس من الشرعية والدولة الموحدة قبل أي تسويات مؤقتة.