تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 18 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
حوارات

من يملك تخيّل المستقبل؟ حوار مع نغوني فال حول معرض "حين تتداعى الأشياء"

9 أغسطس, 2025
الصورة
من يملك تخيّل المستقبل؟ حوار مع نغوني فال حول معرض "حين تتداعى الأشياء"
Share

وُلدت نغوني فال في داكار عام 1967. أنهت دراستها في باريس، أولًا في «المدرسة العليا للفنون الغرافيكية» (إيساغ) التي تخرّجت منها عام 1986، ثم في «المدرسة الخاصة للعمارة»، حيث قدّمت أطروحتها عام 1993. أثناء عملها مهندسة معمارية اطّلعت على مجلة "ريڤو نوار" (Revue Noire)، ولم تمضِ فترة طويلة حتى انضمّت إلى فريقها (1994–2001)، ولاحقًا تولّت رئاسة تحريرها.  كان مشروعها الأبرز "مختارات من الفنّ الأفريقي: القرن العشرون" (2001)، وغادرت دار النشر على نحوٍ لافت.

عملت فال مستشارةً في السياسات الثقافية لمؤسّسات روكفلر، والأمير كلاوس، وموندريان، والاتحاد الأوروبي، ومجموعة دول أفريقيا والكاريبي والمحيط الهادئ-الاتحاد الأوروبي (ACP–EU)، وحكومة السنغال. وقدّمت محاضرات في «جامعة سنغور» بالإسكندرية (مصر)، وفي «جامعة عبدو موموني» في النيجر، وتعاونت مع «مؤسّسة نوبوكي» في غانا. وبصفتها المفوّضة العامة لـ«موسم أفريقيا 2020»، قادت مشروعًا في فرنسا عام 2021 يركّز على الابتكار في الفنون والعلوم وريادة الأعمال، تم تكريسه للقارّة بأسرها. ينصبّ هذا الحوار على مسيرة فال بوصفها قيّمةً أفريقية رائدة منذ تسعينيات القرن الماضي، في زمنٍ قلّت فيه الأصوات النسائية السوداء في هذا الحقل. وقد استوقفني على نحوٍ خاصّ معرضها «حين تتداعى الأشياء: أصوات نقدية على الرادارات» (2016) الذي أُقيم في متحف «ترافهولت» بالدنمارك.

باسكال مارتين تايو، «الأشياء تتداعى». عمل تركيبي يضمّ: 150 قناعًا إفريقيًا، 20 كتابًا مدرسيًا، 12 كرة بلاستيكية وسلسلة، 100 كومة خشبية، 41 قطعة خشب منجرفة، 800 فرشاة إفريقية. 10 × 6 × 2.6 م (ط × ع × ا). بإذن من الفنان، وبيلدريشت فيينا، وكونستهاوس برغنتس.
باسكال مارتين تايو، «الأشياء تتداعى». عمل تركيبي يضمّ: 150 قناعًا إفريقيًا، 20 كتابًا مدرسيًا، 12 كرة بلاستيكية وسلسلة، 100 كومة خشبية، 41 قطعة خشب منجرفة، 800 فرشاة إفريقية. 10 × 6 × 2.6 م (ط × ع × ا). بإذن من الفنان، وبيلدريشت فيينا، وكونستهاوس برغنتس

رياسون نايدو: كيف دخلتِ مجال القيمية وتنظيم المعارض؟

نغوني فال: كنتُ أعمل مع «ريڤو نوار». كنّا ننشر، ولكننا كنّا أيضًا نكتشف ونتشارك تلك الاكتشافات. بالنسبة إلينا، كان من البديهي بعد النشر واستضافة كل هؤلاء الفنانين في المجلة أن نقول: نستطيع أن نفعل أكثر. كنّا شركاء لـ«بينالي داكار» (داك آرت) عام 1996، وقرّرنا في الوقت نفسه تنظيم معرضٍ يواكب صدور عدد المجلة عن «الفنّانين الأفارقة والإيدز» الذي صدر عام 1995. قدّمنا معرضًا متعدّد الوسائط ضمن البرنامج الموازي (OFF) للبينالي. هكذا بدأتُ. كما شاركنا في «بينالي لقاءات باماكو للتصوير الفوتوغرافي»، الذي كان قد انطلق قبل عام، في 1994، بمعرضٍ لمصوّرين أفارقة. تعلّمنا القيمية من الصفر. ما كان يثير اهتمامي حقًا في القيمية أنك تبلغ جمهورًا قد لا يقرأ المجلات أصلًا… لم أجد المعارض التي كانت تُقام في باريس في التسعينيات مثيرة. بدأتُ ألتفت إلى البلدان الأنغلوساكسونية، إلى ما يجري في لندن والولايات المتحدة. في ذلك الوقت بدأ القيّمون يصيرون «نجومًا»، مثل هانس أولريش أوبريست. كانت الخطابات هناك مختلفةً تمامًا عمّا كان يفعله أو يقوله القيّمون المتحفيون في فرنسا. هكذا وجدتُ الصلة بما كان يفعله هؤلاء القيّمون. وكلّما سافرتُ خارج فرنسا زرتُ المعارض هناك. ساعدتني دراستي في مدرسة العمارة، إذ كان التركيز على الإبداع والمفهوم، لذلك تعلّمتُ القيمية بالممارسة، وكأيّ شيءٍ آخر: كلّما فعلتَه أكثر صرتَ فيه أفضل.

حين كنتُ مراهقةً في داكار كنتُ أعيش في الحيّ نفسه الذي يقع فيه مختبر «آجيت آرت» (Laboratoire Agit’Art)  في وسط المدينة. كنتُ في ذلك الوسط الثقافي من غير وعيٍ بتأثير الفنانين والسينمائيين والشعراء من حولي. ظننت أنه من الطبيعي تمامًا أن أكون محاطةً بأناسٍ مبدعين. ولمّا كبرتُ أدركتُ أنّني محظوظة جدًا! أعتقد أنّ كلّ هذه العوامل - مكان النشأة والناس من حولك ومن يُؤثّرون فيك- تُسهم في ما أنت عليه اليوم. عندها أدركتُ أنّ القيمية فعلٌ مؤثّر وقويٌّ وأنا أحبّه.

أرحمياني فيسال، «لا تمنع خصوبة العقل»، 1997–2014. تصوير فوتوغرافي و250 فوطة صحية نسائية بلا أجنحة، 12 مصباحًا فلوريًا، كرسيٌّ أبيض، قارورة زجاجية بسائلٍ أحمر، قماش تول أبيض. 3.6 × 3 م. بإذن من الفنانة وغاليري تايلر رولينز للفنون، نيويورك.
أرحمياني فيسال، «لا تمنع خصوبة العقل»، 1997–2014. تصوير فوتوغرافي و250 فوطة صحية نسائية بلا أجنحة، 12 مصباحًا فلوريًا، كرسيٌّ أبيض، قارورة زجاجية بسائلٍ أحمر، قماش تول أبيض. 3.6 × 3 م. بإذن من الفنانة وغاليري تايلر رولينز للفنون، نيويورك

نايدو: ما المعارض الأخرى التي شاركتِ فيها مع «ريڤو نوار»؟

فال: أوّلها «بينالي لقاءات باماكو للتصوير» (1994)، ثمّ كتاب «مختارات من التصوير الأفريقي» (1998) الذي اقترن بمعرض «قرنٌ من الصور الأفريقية» - 400 صورة - قدّم أولًا في باريس في «البيت الأوروبي للتصوير الفوتوغرافي» (1998)، ثم تحوّل إلى معرضٍ جوّال طاف برلين ولندن ونيويورك وواشنطن العاصمة وبولونيا وساو باولو وباماكو وكيب تاون. هكذا وطئتُ كيب تاون، للمرة الأولى، في ديسمبر/كانون الأول 1998، حين قُدّم المعرض في «المعرض الوطني لجنوب إفريقيا».

نايدو: ما أبرز محطّاتك القيمية؟

فال: مشروعان عزيزان عليّ لأسبابٍ مختلفة. الأوّل بعنوان «Contact Zone» (منطقة تماس) 2007. كلّفني صامويل سيديبي، مدير «المتحف الوطني في مالي»، بتنظيم معرضٍ لافتتاح المبنى الجديد المخصّص للمعارض المعاصرة. فكّرتُ: أمثالنا ينقصهم على قارتنا البنية التحتية؛ كان عملنا في الغالب في الغرب. وفجأةً تتاح لك فرصةٌ في مبنى بمساحة 700 مترٍ مربّع في أفريقيا. كان لا بدّ أن أتقاسم هذه الفرصة مع زملائي.

اتّصلتُ بشريكتي في المغامرة بيسي سيلفا، التي كانت قد عادت إلى لاغوس. كان لقاؤنا بديهيًا: أنا غرب-أفريقية ناطقة بالفرنسية مقيمة في باريس، وهي غرب-أفريقية ناطقة بالإنجليزية مقيمة في لندن. ابن المصوّر ج. د. «أوخاي» أوجيكيري -وكان من المصوّرين الذين عملتُ معهم في لاغوس لصالح «ريڤو نوار»- هو من عرّفنا إلى بعضنا. أنا فرنكوفونية لكنني أتحدث الإنجليزية، وبيسي أنغلوفونية لكنها تتحدّث الفرنسية. هكذا التقينا أواخر التسعينيات، وتعاهدنا أن نرعى بعضنا وأن نكون بأقصى قوّتنا، وأن نخوض كلّ المعارك معًا، وأن نبدأ بتوجيه الشباب.

دعوتُ أيضًا رشيدة تريكي من تونس للعمل معي، جعلنا الثلاثةُ صامويل يجنّ! تولّيتُ عملية الكتالوغ -تحريرًا وتصميمًا وطباعةً في داكار- ووصلته إلى باماكو. كنّا، بيسي وأنا، نتحدّث دائمًا عن إنجاز مشاريع أخرى معًا، لكن في ما بعد تبيّن أنّه المشروع الوحيد الذي تمكّنّا من إنجازه.

أما المشروع الثاني فهو «حين تتداعى الأشياء: أصوات نقدية على الرادارات» بسبب الأسئلة التي أثرتها في هذا المعرض. بدأتُ العمل عليه عام 2015: كان «البريكست» موضوع الساعة في أوروبا؛ وكانت هناك موجة جديدة من رهاب الأجانب في جنوب أفريقيا؛ وفي الولايات المتحدة كانت الحملة الرئاسية بين هيلاري كلينتون ودونالد ترامب. شعرتُ أنّ كلّ شيءٍ ينهار في العالم. كنتُ أتحدّث إلى باسكال مارتين تايو، الذي كان يعمل آنذاك على معرضٍ فردي في «غاليري سربنتاين»، وطلب منّي كتابة مقالة لكتالوغه. اقترحتُ عليه بدلًا من ذلك أن نجري حوارًا، إذ تعود علاقتنا إلى 1994، وقد شارك في المعرض الذي نسّقته في داكار عام 1996، وقد أقمتُ في بيته. تربطنا صداقة قديمة! أخبرته بتكليفي بتنظيم معرضٍ في الدنمارك، وبأنني أفكّر في عنوان رواية تشينوا أتشيبي «الأشياء تتداعى» (Things Fall Apart). خلال نشأتي في السنغال، كنّا نقرأ هذه الكتب في المدرسة -كلّ كتّاب أفريقيا مترجمون إلى الفرنسية؛ كان زمن سنغور. انفجر باسكال ضاحكًا وقال إنه أنجز للتوّ تركيبًا ضخمًا بعنوان «الأشياء تتداعى» - طوله 10 أمتار- وعرضَ عليَّ أن أستعيره للمعرض إن أردت.

كنتُ أرغب أيضًا في زيارة جنوب شرق آسيا للتعاون مع فنانين في فيتنام وإندونيسيا، ومع آخرين في أمريكا الوسطى وفلسطين وأفريقيا. نسّقتُ ذلك المعرض كما لو أنّي أكتب رواية: جزءٌ أول حول حقوق الإنسان، وجزءٌ أخير ينتهي بنبرة أكثر إيجابية حول التعاطف. كانت هناك أعمال لفنانين رغبتُ طويلًا في العمل معهم، فنانين يُلهمونني. ضمّ المعرض أعمالًا متنوّعة: منها المباشر ومنها الألطف. واستمرّ تسعة أشهر، وأقمنا فيه نوادي قراءة، قرأ الناس فيها الرواية بالدنماركية ثم جاؤوا إلى المتحف ليناقشوها. في الواقع، دعونا الدنماركيين إلى قراءة رواية أفريقية كلاسيكية وطلبنا منهم أن يُسقطوها على سياقهم هم.

نايدو: يمكن أن يُقرأ نصّ كتالوغك بوصفه رؤيةً متشائمة للعالم؟

فال: شيء من الدراما؟ كان ذلك مزاجي في 2015/2016. لكنه ينتهي بالتعاطف، أي بنبرة أكثر إيجابية، ليقول إن هناك مخرجًا. أحبّ الكتابة، ولا حدود عندي بين القيمية والكتابة. كنتُ محظوظة في هذا المشروع، إذ أُتيح لي ترفُ نحو عامين لأغوص عميقًا في القضايا ثم أخرج بنصي الخاص.

نايدو: تذكرين في نصّك أن المصير التراجيدي لأوكونكو- الشخصية الرئيسة في رواية «الأشياء تتداعى» -أنه لم يستطع التكيّف مع التحوّلات في مجتمعه. أيمكن أن نقرأ هذا أيضًا بوصفه الفارق بين الاستيعاب والتمثّل في المستعمرات الفرنسية، وحكم الذات في نظيراتها الإنجليزية؟

فال: الردود تتعدّد. يمكنك أن تقول: أستسلم. أو تقول: أستسلم، لكن بعد أن أقتل بضعة آلاف. للمقاومة طرائق شتّى. إن لم تتملّك الأدوات التي يستخدمها خصمك فلن تجد مخرجًا؛ الأمر عائدٌ إلى منهجيتك واستراتيجيتك. كوني قيّمة سنغالية سوداء مدعوّة لتنظيم مشروعٍ في مدينة صغيرة في الدنمارك - حيث لم يكن الناس يعلمون أصلاً بوجود قيّمين أفارقة سود في أفريقيا- كان ذلك دافعي! حين وصلتُ بدا كأنهم يمنحونني فرصة، لكنني في الحقيقة علّمتُهم عن أفريقيا. وبمعنى من المعاني استعمرتُهم ثقافيًا. هذا ما أعنيه بالاستراتيجية. كنتُ أعلم أنّ مصير أوكونكو سينتهي على نحوٍ سيّئ؛ كان صلبًا أكثر من اللازم. أتذكّر أنه في زمن «ريڤو نوار» كان البعض يقول إنه لا وجود لفنٍّ معاصر في أفريقيا، والآن هؤلاء أنفسهم يريدون أن يشرحوا لي من هو باسكال مارتين تايو ومن هو بارتليمي توغو.

ثاي توان نغوين، «بلا عنوان»، 2014. زيت على قماش. 200 × 150 سم. بإذن من الفنان.
ثاي توان نغوين، «بلا عنوان»، 2014. زيت على قماش. 200 × 150 سم. بإذن من الفنان

نايدو: عملتِ حصريًا مع فنانين منخرطين اجتماعيًا من «الجنوب العالمي». ما منطق هذا الخيار؟

فال: هؤلاء الفنانون يتبنّون موقفًا. «إن لم تدافع عن شيءٍ ستنخدع بكل شيء». في السنغال كنّا نشعر بشيءٍ من الانفصال عن نضالات أفارقة آخرين، في أنغولا أو جنوب أفريقيا مثلًا. كان والدي يُعدّ لسنغال مستقلّة، لذا كانت السياسة حديثنا الدائم؛ الوعي جزءٌ من البصمة الوراثية لعائلتي. شدّتني فنانة مثل تيفاني تشونغ من فيتنام، إذ تجمع بين الشعري والدرامي ولديها مفهومٌ قويّ وصورةٌ بصرية متينة. صحيحٌ أنني انجذبتُ إلى الفنانين المعنيّين بالقضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، لأن لدينا على القارّة الأفريقية كمًّا هائلًا من المسائل التي ينبغي معالجتها. ولهذا اعتمدتُ، في عملي كقيّمة، استراتيجية «الاستعمار الثقافي المضاد» بما هو أفريقي، بسؤالٍ محوري: ماذا يمكن أن نقوله نحن الأفارقة لِنُلهم الآخرين وثقافاتهم؟

نايدو: ما الذي دفعكِ إلى تجاوز الفنّ الأفريقي المعاصر في هذا المعرض؟

فال: لأن الفرصة سنحت! بوجهٍ عام، حين تكون قيّمًا أفريقيًا، لا يُستدعى الواحد منّا إلا لتنظيم عرضٍ عن «الفنّ الأفريقي». هكذا كان الأمر في التسعينيات وبداية الألفية. لستُ واثقةً إن كان تغيّر. في الدنمارك مُنحتُ تفويضًا كاملًا. كان المعرض جزءًا من مهرجان بعنوان «الفنانون في المجتمع»، وهو عنوان واسع جدًا. كانت فرصةً للعمل مع فنّانين مختلفين أدرجتُهم لاحقًا في المعرض. وسّعتُ عائلتي الإفريقية إلى عائلة «الجنوب العالمي». والأمر اللافت الآخر أنّ رواية تشينوا أتشيبي «الأشياء تتداعى» تُرجمت إلى أكثر من خمسين لغة. حين تواصلتُ مع الفيتناميين قالوا إنها الرواية الأفريقية الوحيدة التي قرأوها لأنها الوحيدة المتاحة في فيتنام. هكذا قرأ جميع الفنانين من البلدان المختلفة حول العالم الرواية من أجل هذا المعرض.

ليلاه بابيريي، «آمنٌ هنا»، (غير مؤرّخ). 30 × 65 سم. بإذن من الفنانة.
ليلاه بابيريي، «آمنٌ هنا»، (غير مؤرّخ). 30 × 65 سم. بإذن من الفنانة

نايدو: هل يُمثّل «حين تتداعى الأشياء» ردًا أفريقيًا على معرض «الكوميديا الإلهية- الفردوس، الجحيم، المطهر» لفنّانين أفارقة معاصرين، الذي نسّقه سيمون نجّامي عام 2014؟ هل ثمة صلةٌ بين المعرضين؟

نغوني: لا صلة على الإطلاق. حين أفكّر في معرضٍ ما لا أفكّر في ما يفعله أو لا يفعله قيّمون آخرون. المسألة أقرب إلى ما يختمر في ذهني آنذاك، إلى ما يشغلني. كان حواري مع تايو بمثابة تأكيدٍ على أن الرواية ستكون المدخل. لم أكن قد شاهدتُ «الكوميديا الإلهية». وفي الوقت نفسه الذي كنتُ مشغولةً فيه بـ«حين تتداعى الأشياء» عملتُ مستشارةً لـ«المتحف الوطني للفن الأفريقي» في مؤسسة سميثسونيان بواشنطن لإعداد برنامجٍ جديد لفناناتٍ أفريقيات، وقدّموا لي نسخةً من كتالوغ «الكوميديا الإلهية». لم أفتحه؛ وما زلتُ حتى اليوم لم أقرأه! لا أضع نفسي في موقع الردّ على قيّمين آخرين. هذا الأمر لا يُشغلني!

نايدو: تساءلتُ فحسب لأنني أعلم أن نجّامي تعرّض لانتقادٍ مرير لمرجعيته الأوروبية المفرطة في ذلك المعرض؟

فال: لستُ سيمون، وعلى خلافه نشأتُ في داكار، وقد أمضيتُ 90٪ من وقتي في شوارع داكار أتحدّث الولوف. صرتُ «متمركزةً في الغرب» فقط حين أتيتُ للدراسة في باريس منتصف الثمانينيات. حتى في «ريڤو نوار» كنتُ أنا من يُرسَل إلى «البلدان العسيرة» التي لم يكن أحد يرغب في الذهاب إليها. كانت إريتريا لا تزال في حرب؛ وأنغولا تخرج لتوّها من حرب. حين تكون شابًا لا تفكّر في الخطر؛ ولا تدرك المجازفات التي خضتها إلا لاحقًا. لم أفكّر يومًا في نفسي بوصفها جزءًا من الشتات الأفريقي. أنا سنغالية. نقطة. تارةً أُقيم في أوروبا، وتارةً في القارّة، وتارةً في كوريا الجنوبية لثلاثة أشهر. أنا امرأةٌ رحّالة -لكن رحّالة سنغالية! صحيحٌ أن مراجع تجربتي أفريقية. ومن الأهمية بمكان بالنسبة إليّ أن أشارك تلك الخبرة والمعرفة الأفريقية مع بقية العالم. للآخرين مراجعُهم، وهذا حسن، لكن لديّ مراجع لا يعرفها الآخرون. دوري كقيّمةٍ وككاتبةٍ أُتاح لي الوصول إلى تلك المعرفة، بحيث تتعلّم -وأنا أُنسّق وأكتب- من التجربة الأفريقية. لذلك فالمركزية الأوروبية آخر ما يمكن أن تتّهمني به. لن يحدث ذلك! تربّيتُ في بيتٍ بنزعةٍ أفريقية-جامعة، وأنا مؤمنةٌ بقوّة الثقافات الأفريقية. أستطيع كذلك أن أكون «باريسية جدًا» أو «نيويوركية جدًا» أو «بروكسلية جدًا»؛ أتكيّف. على عكس أوكونكو، تتكيّف مع سياقك، لكنك لا تنسى أبدًا مَن أنت.

نايدو: حين بدأتِ القيمية في التسعينيات مع «ريڤو نوار»، هل كانت هناك نساء أخريات من القارّة الأفريقية يعملن في المجال؟

فال: بيسي سيلفا! تخرّجت بيسي في «الكلية الملكية» في لندن، وكانت تعمل قيّمةً مستقلّة في المملكة المتحدة. لهذا كان من البديهي أن نلتقي. في 2001/2002 قرّرت الانتقال إلى لاغوس ومواصلة عملها هناك…