الأحد 12 يوليو 2026
جلس وفدا الحكومة الاتحادية الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، في أكتوبر/تشرين الأول 2022، في طاولة واحدة في بريتوريا، بجنوب أفريقيا، بحثا عن مخرج من واحدة من أكثر الحروب إيلامًا وقسوة في تاريخ إثيوبيا الحديث. لم تكن تلك مفاوضات عادية بين خصمين سياسيين، بل محاولة شاقة لوقف نزيف بلد كان يتمزق تحت وطأة حرب داخلية مدمّرة.
انعقدت المحادثات بينما كانت المعارك لا تزال مشتعلة في شمال إثيوبيا، وكانت آثار الحرب تثقل حاضر البلاد ومستقبلها. لذلك بدا مفهوما أن يتخذ مضيفونا في جنوب أفريقيا ترتيبات أمنية وبروتوكولية دقيقة لإبقاء الوفدين على مسافة من بعضهما. كان المشهد يوحي، في بدايته، بأن المنظمين يخشون أن يتحول الاحتقان بين طرفي الحرب إلى مواجهة مباشرة داخل قاعة التفاوض نفسها، لو تُرك الأمر بلا ضوابط. غير أن ما حدث بعد ذلك بدّد هذه المخاوف سريعاً. فقد اكتشف الوسطاء أن التعامل بحد أدنى من الاحترام والكياسة لم تكن مهمة مستحيلة، حتى بين طرفين أنهكتهما الحرب، وراكمت بينهما كثيرا من المرارة.
مع تبدد التوترات الأولى، سمح الوسطاء للوفدين بالانتقال إلى تواصل أكثر مباشرة، في غرف أصغر وأجواء أقل رسمية. هناك، لم تعد الإنجليزية شرطا للتفاهم، وصار بالإمكان الحديث بلغة أقرب إلى وجدان المتفاوضين وتجربتهم. وعلى مدى أيام طويلة، امتدت الجلسات أحيانا إلى ما بعد منتصف الليل. كانت النقاشات حادة، والأسئلة صعبة، واللحظات الحرجة كثيرة. بدا في أكثر من مرة أن المحادثات تقترب من الانهيار. لكن الإصرار على منع الحرب من ابتلاع ما تبقى من البلاد كان أقوى من دوافع القطيعة.
لقد ساعد حضور وسطاء أفارقة مخضرمين على إبقاء المسار مفتوحا حين كانت الخلافات تبلغ أقصى درجاتها. كانوا يتدخلون عند الانسداد، ويعيدون النقاش إلى جوهره، وهو كيف يمكن وقف عمليات القتال، وليس كيف يمكن تسجيل انتصار سياسي عابر. بفضل ذلك، لم تكن مفاوضات بريتوريا مجرد تمرين دبلوماسي، بل لحظة نادرة أظهر فيها الفرقاء أن التسوية مهما بدت صعبة تظل أقل كلفة من حرب لا يعرف أحد أين ستنتهي.
هنا تكمن خطورة الحسابات المتطرفة، فهي لا ترى في السلام مخرجاً وطنياً بل عائقاً أمام معركة مؤجلة
في تلك اللحظات، وعلى الرغم من أننا جئنا من طرفين متقابلين في صراع داخلي دامٍ، كان هناك قاسم مشترك لا يمكن إنكاره وهو الرغبة في وقف الحرب. لم يكن أحد منا غافلا عن حجم الكارثة، ولا عن الثمن البشري الذي كانت تدفعه البلاد. أردنا أن يتوقف القتال وأن ينتهي سفك الدماء وأن يتوقف استنزاف جيل كامل كان يُدفع إلى ساحات المعارك في شمال إثيوبيا، فيما كان يفترض أن يكون جزءاً من وعد البلاد ومستقبلها.
منذ البداية، لم تكن المفاوضات بحثا عن صياغات تقنية فحسب، بل عن مبادئ يمكن أن تُبنى عليها تسوية قابلة للحياة. لذلك انصب النقاش أولا على القواعد التي ينبغي أن تحكم أي اتفاق محتمل، وعلى الأسس التي تمنع تحويله إلى هدنة عابرة أو مناورة سياسية قصيرة الأمد. وما إن جرى التوافق على هذه المبادئ العامة حتى بدأت المهمة الأصعب، وهي ترجمتها إلى التزامات عملية وآليات قابلة للتنفيذ. لم يكن ذلك سهلا، ولا كان مسارا مستقيماً. فالحرب كانت لا تزال دائرة بينما كنا نتفاوض، والضغط كان ثقيلاً على الجميع وكانت المشاعر تحتدم كلما اقترب النقاش من أكثر الملفات حساسية. ومع ذلك، ظل البحث عن أرضية مشتركة أقوى من إغراء العودة إلى القطيعة.
ورغم كل هذه الصعوبات، نجحت المفاوضات. وهذا النجاح لم يكن تفصيلاً عابراً في سياق التاريخ الإثيوبي الحديث، حيث ظلت التسويات السياسية والتنازلات المتبادلة نادرة، وغالبا ما أُديرت الخلافات بمنطق الغلبة لا بمنطق التوافق. في اليوم الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني 2022، وُقّع "اتفاق من أجل سلام دائم عبر وقف دائم للأعمال العدائية بين حكومة جمهورية إثيوبيا الديمقراطية الاتحادية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي". كان ذلك الاتفاق، بكل ما أحاط به من تعقيدات ونواقص لحظة فارقة لأنه أوقف مساراً كان يهدد بدفع البلاد إلى مزيد من الانهيار.
في الداخل الإثيوبي، قوبل الاتفاق بارتياح واسع. شعر كثيرون من مختلف فئات المجتمع بأن البلاد تقترب أخيراً من نهاية واحدة من أكثر مراحلها إيلاماً. غير أن هذا الارتياح لم يكن عاماً. فقد رأت العناصر المتطرفة داخل الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وميليشيا فانو الأمهرية في الاتفاق تهديداً لحساباتها بدل أن تراه فرصة لإنقاذ البلاد.
التقت قوى متباينة يجمعها العداء للتسوية أكثر مما يوحدها مشروع سياسي واضح، تحت مظلة إريترية في تجمع هجين أُطلق عليه اسم "تسيمدو"
بالنسبة إلى المتشددين داخل الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، لم يكن المطلوب وقفاً دائماً للأعمال العدائية بل تحقيق هدنة قصيرة، تتيح إعادة ترتيب الصفوف واستئناف الحرب بشروط أفضل. كانوا يريدون توقفا تكتيكيا للقتال، وليس نهاية حقيقية له. لم تكن كلفة هذا الخيار تعني لهم الكثير حتى إن كان الثمن حياة آلاف الشبان والشابات الذين استُخدموا وقودا للمعارك. كان تصورهم أن التوقف المؤقت سيمنحهم فرصة لإعادة التسلح واستعادة المبادرة ومن ثم العودة إلى الميدان من موقع أقوى. وهنا تكمن خطورة الحسابات المتطرفة، فهي لا ترى في السلام مخرجاً وطنياً بل عائقاً أمام معركة مؤجلة.
لم تكن العناصر المتطرفة داخل فانو بعيدة عن هذا المنطق. فهي أيضاً أرادت استمرار القتال، وإن غلّفت موقفها علنا بالقول إن الحكومة الاتحادية قدمت تنازلات مفرطة، وأبدت تساهلاً كبيراً تجاه الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي. لكن ما تكشّف لاحقاً أظهر أن الاعتراض لم يكن محصوراً في تلك الحجة المعلنة. فقد كانت هناك حسابات أعمق ومصالح سياسية وعسكرية لا ترى في وقف الحرب نهاية مطلوبة، بل خسارة لموقعٍ أو فرصةٍ أو مشروع.
غير أن المعارضة الأكثر خطورة لاتفاق بريتوريا جاءت من إريتريا. فقد مضى الرئيس الإريتري أسياس أفورقي إلى حد التنديد العلني بالاتفاق، واصفاً إياه بأنه مؤامرة دبرتها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وأنها لا تخدم مصالح المنطقة. وكان ذلك تعبيراً عن رؤية راسخة لدى أسياس تجاه إثيوبيا وصراعاتها الداخلية.
بالنسبة إلى أسياس، مثّل الصراع الداخلي في إثيوبيا فرصة نادرة. كان يريد للحرب أن تستمر وللطرفين أن يستنزفا بعضهما بعضاً، ولإثيوبيا أن تنزف طويلاً حتى تفقد قدرتها على التماسك والمبادرة. فقد نظر إلى أي مصالحة داخلية إثيوبية، وإلى أي مسار سلام حقيقي بوصفهما تهديداً مباشراً لحساباته. ومن أجل إبقاء إثيوبيا ضعيفة وممزقة وقابلة للاختراق، دأب على مدى سنوات على دعم جماعات متمردة ومسلحة تعمل ضد الدولة الإثيوبية أو على هامشها.
لذلك، لم يكن اتفاق بريتوريا خبراً ساراً في أسمرة. فالاتفاق كان يضع حداً لأزمة وفّرت للنظام الإريتري هامشاً واسعاً للمناورة والتأثير، وفتحت أمامه باب التدخل في الداخل الإثيوبي. ومن هنا، اتجهت إريتريا إلى استمالة العناصر المتطرفة داخل الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، وواصلت في الوقت نفسه رعاية عناصر مشابهة داخل فانو. وبحسب هذا المسار، عمل وسطاء إريتريون على جمع الساخطين على اتفاق بريتوريا في تحالف يقوم على رفض السلام وإبقاء التوتر مفتوحاً. هكذا التقت قوى متباينة يجمعها العداء للتسوية أكثر مما يوحدها مشروع سياسي واضح تحت مظلة إريترية في تجمع هجين أُطلق عليه اسم "تسيمدو".
اليوم، يبدو هذا التحالف الذي تَشكّل عبر اجتماعات سرية وأخرى شبه معلنة في أسمرة ومكيلي والسودان ماضياً نحو إشعال جولة جديدة من الصراع. فبدعم مباشر من أسمرة، قرر ما تبقى من الجناح المتشدد داخل الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي التحرك عسكرياً ضد الحكومة الاتحادية في الأيام المقبلة. وفي خرق واضح لاتفاق بريتوريا، فكك هذا الجناح الإدارة الإقليمية المؤقتة، وأنشأ إدارة موازية وغير قانونية. كما واصل تجنيد قوة قتالية كبيرة وتدريبها وتسليحها، بدعم مباشر من الحكومة الإريترية.
لم تكن مفاوضات بريتوريا مجرد تمرين دبلوماسي، بل لحظة نادرة أظهر فيها الفرقاء أن التسوية مهما بدت صعبة تظل أقل كلفة من حرب لا يعرف أحد أين ستنتهي
لم يكتفِ هذا الجناح بذلك، بل عمل أيضا على إقصاء الأصوات التي دافعت من داخل الجبهة عن السلام والالتزام باتفاق بريتوريا. بذلك لم يعد الخلاف مجرد تباين في قراءة الاتفاق أو بطء في تنفيذه، بل محاولة منظمة للانقلاب على المسار الذي أوقف الحرب وإعادة البلاد إلى منطق السلاح والحرب. والخطورة هنا لا تكمن فقط في احتمال اندلاع مواجهة جديدة بل في أن القوى التي تسعى إليها تبدو مستعدة مرة أخرى للمقامرة بحياة الإثيوبيين ومستقبل المنطقة بأكملها.
لقد رفض شعب إقليم تيغراي، بوضوح لا لبس فيه أجندة الحرب والنزعة العدوانية المتهورة التي يدفع بها ما تبقى من الجناح المتشدد داخل الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي. فالناس الذين دفعوا الثمن الأكبر للحرب لا يريدون العودة إليها، ولا يرون في استئناف القتال خلاصاً أو مشروعاً سياسياً قابلاً للحياة. ومع ذلك، تمضي الجبهة مستعيرة بعض أساليب النظام الإريتري في مسار خطير يقوم على التجنيد القسري ومحاولة تحويل تيغراي إلى "ديستوبيا تحرير" أخرى؛ منطقة تُدار باسم التحرر، فيما يُسلب أهلها حقهم في الأمن والحياة وحرية الاختيار. لقد أعلن هذا الجناح عملياً تنصّله من اتفاق بريتوريا، وبدأ يتهيأ لعداء مفتوح ومباشر مع الحكومة الاتحادية.
لهذا، لم يعد الصمت ممكناً. كل طرف يملك نفوذاً أو قدرة على التأثير في الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي أو في رعاتها في أسمرة مطالب اليوم بممارسة أقصى ضغط ممكن، لمنع الانزلاق مجدداً إلى الحرب. فاستئناف الأعمال العدائية لن يكون شأناً داخلياً محدوداً، بل تطوراً خطيراً ستكون له تبعات إقليمية واسعة.
لا ينبغي السماح للجبهة بأن تعود إلى العنف أو أن تقامر مرة أخرى بحياة آلاف الشابات والشبان الذين لم يتعافوا بعد من آثار الحرب السابقة. المطلوب من المجتمع الدولي رسالة واضحة، حازمة، وغير قابلة للمساومة، وهو إن تمزيق اتفاق بريتوريا بالعنف ودفع البلاد نحو مسار قد يصعب التراجع عنه أمر غير مقبول.
نعم، ليس اتفاق بريتوريا مثالياً. كما أن تنفيذه ظل عملية ناقصة وترك كثيراً مما كان ينبغي إنجازه معلقاً أو مؤجلاً. لكن قيمته الأساسية أنه أسكت البنادق وفتح الباب أمام عودة قدر من الحياة الطبيعية إلى منطقة مزقتها الحرب واستنزفها الخوف والفقدان. هذه ليست مكاسب بسيطة في بلد يعرف جيداً كلفة الحروب حين تبدأ ولا يعرف كيف تنتهي. لذلك، لا يجوز أن يُترك سوء التقدير الاستراتيجي لدى قوى فقدت حساسيتها تجاه موت جيل كامل ومعاناته ليعيد إثيوبيا إلى الكابوس نفسه. إن حماية اتفاق بريتوريا اليوم ليست دفاعاً عن وثيقة سياسية فحسب، بل دفاع عن الحد الأدنى من حق الإثيوبيين في ألا يُجرّوا مرة أخرى إلى حرب لا يريدونها.