تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأربعاء 12 أغسطس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

من نيفاشا إلى جوبا... خمسة عشر عاما من عمر "الوطن الجديد"

9 يوليو, 2026
الصورة
  من نيفاشا إلى جوبا... خمسة عشر عاما من عمر "الوطنالجديد"
Share

"الاستقلال لم يكن هدية. الاستقلال كان قراراً دفعنا ثمنه."

بهذه العبارة اختصر العم بولا رحلة شعب كامل وهو يثبت علماً صغيراً لجنوب السودان على مقدمة سيارته التي تجوب شوارع جوبا في صباح التاسع من يوليو 2026. كانت كلماته تبدو وكأنها خلاصة نصف قرن من الحروب والانتظار والآمال المؤجلة. لم يكن يتحدث عن احتفال عابر أو مناسبة رسمية، وإنما عن تجربة عاشها جيلاً بعد جيل حتى أصبحت جزءاً من الذاكرة الجماعية لكل أسرة جنوبية. كان ينظر إلى العلم المرفرف فوق سيارته كما ينظر الأب إلى ابنه الذي كبر بعد سنوات طويلة من الخوف والقلق.

استيقظت جوبا ذلك الصباح على إيقاع مختلف عن بقية أيام العام. انطلقت الأغاني الوطنية من مكبرات الصوت المنتشرة في الشوارع الرئيسية منذ ساعات الفجر الأولى، واكتست المدينة بألوان العلم التي غطت المباني الحكومية والأسواق والمركبات. خرج الأطفال مرتدين قمصاناً تحمل اللونين الأزرق والأسود إلى جانب الأحمر والأخضر، بينما زينت النساء شعورهن بشرائط تحمل ألوان الدولة الجديدة. جلس كبار السن أمام المنازل يتبادلون الذكريات عن اليوم الذي شاهدوا فيه العلم يرتفع للمرة الأولى فوق ميدان الحرية، حين امتزجت الدموع بالابتسامات في لحظة شعر فيها كثيرون أن سنوات المعاناة الطويلة وجدت أخيراً نهاية سياسية تعيد إليهم الإحساس بالكرامة.

خمسة عشر عاماً مضت منذ إعلان الاستقلال. مدة تبدو قصيرة في عمر الدول، لكنها تكفي لأن يتحول طفل ولد يوم رفع العلم إلى شاب يتهيأ لدخول الجامعة، ويكفي أن تنشأ خلالها أجيال لم تعرف السودان الموحد إلا من روايات الآباء. تختزن هذه السنوات مزيجاً معقداً من الإنجازات والإخفاقات، من الأحلام التي تحققت، ومن الوعود التي ما تزال تنتظر طريقها إلى الواقع.

جذور الحكاية... تاريخ طويل سبق ميلاد الدولة

لا يمكن فهم رمزية التاسع من يوليو دون العودة إلى البدايات الأولى للصراع الذي سبق الاستقلال بعقود طويلة. تعود جذور الأزمة إلى عام 1955 عندما اندلع تمرد مدينة توريت قبل أيام قليلة من استقلال السودان، فاتحاً الباب أمام حرب أهلية استمرت سبعة عشر عاماً وانتهت باتفاقية أديس أبابا عام 1972. توقف القتال لفترة محدودة أعطت الجنوبيين أملاً بإمكانية التعايش داخل دولة واحدة، ثم انهار الاتفاق لتعود الحرب بصورة أعنف عام 1983 مع تأسيس الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الدكتور جون قرنق.

امتزجت الدموع بالابتسامات في لحظة شعر فيها كثيرون أن سنوات المعاناة الطويلة وجدت أخيراً نهاية سياسية تعيد إليهم الإحساس بالكرامة

امتدت سنوات الحرب لما يقارب نصف قرن، تاركة وراءها ملايين النازحين واللاجئين، وقرى أفرغتها المعارك من سكانها، ومدارس أغلقت أبوابها، ومستشفيات عجزت عن تقديم الحد الأدنى من الخدمات. تشكل وعي أجيال كاملة تحت أصوات الرصاص أكثر مما تشكل داخل الفصول الدراسية. أصبحت كلمة "السلام" أكثر الكلمات حضوراً في أحاديث الأمهات اللاتي انتظرن عودة الأبناء من جبهات القتال، وفي أمنيات الأطفال الذين نشأوا دون أن يعرفوا معنى الحياة المستقرة.

ارتبطت هذه الحرب بإحساس متراكم لدى قطاعات واسعة من سكان الجنوب بأنهم يعيشون خارج مركز اتخاذ القرار السياسي والاقتصادي. تداخلت عوامل الهوية والثقافة والدين واللغة مع قضية توزيع السلطة والثروة، فترسخ شعور بأن الموارد الطبيعية المستخرجة من أراضي الجنوب لم تنعكس تنميةً على مجتمعاته، بينما تركزت المؤسسات الحكومية والمشروعات الكبرى في الشمال. تحول هذا الإدراك مع مرور الزمن إلى قناعة بأن مستقبل الجنوب يحتاج إلى صيغة سياسية مختلفة تضمن لأبنائه حق إدارة شؤونهم بأنفسهم.

نيفاشا... الاتفاق الذي غيّر مسار التاريخ

شكل توقيع اتفاقية السلام الشامل في مدينة نيفاشا الكينية عام 2005 نقطة التحول الأهم في تاريخ السودان الحديث. جاءت الاتفاقية بعد مفاوضات طويلة بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان، واضعة إطاراً سياسياً أنهى أطول الحروب الأهلية في القارة الأفريقية. نصت الاتفاقية على منح جنوب السودان حكماً ذاتياً لمدة ست سنوات تعقبها عملية استفتاء يقرر خلالها المواطنون مستقبل الإقليم، سواء بالبقاء ضمن السودان الموحد أو تأسيس دولة مستقلة.

أعقب رحيل الدكتور جون قرنق مرحلة دقيقة اتسمت بمحاولات الحفاظ على الاتفاق وتنفيذ بنوده رغم التحديات السياسية والأمنية. تحولت مؤسسات الحكم الذاتي إلى نواة لبناء أجهزة الدولة المستقبلية، بينما بدأت الأنظار تتجه نحو الموعد الذي سيحسم مصير الجنوب عبر صناديق الاقتراع.

تشكل وعي أجيال كاملة تحت أصوات الرصاص أكثر مما تشكل داخل الفصول الدراسية. أصبحت كلمة "السلام" أكثر الكلمات حضورا في أحاديث الأمهات اللاتي ينتظرن عودة الأبناء من جبهات القتال

حل شهر يناير 2011 وسط أجواء امتزج فيها القلق بالأمل. فتحت مراكز الاقتراع أبوابها منذ الساعات الأولى من الصباح، فاصطف المواطنون في طوابير طويلة ضمت كبار السن الذين استندوا إلى عصيهم، والنساء اللواتي حملن أطفالهن، والشباب الذين ارتدوا قمصاناً تدعو إلى التصويت للانفصال. كانت المشاركة الشعبية تعكس شعوراً عاماً بأن هذه اللحظة تمثل فرصة تاريخية قد لا تتكرر.

اقتصر السؤال الموجود على ورقة الاقتراع على خيارين واضحين: البقاء ضمن السودان الموحد أو تأسيس دولة مستقلة. جاءت النتيجة بعد أسبوع واحد بنسبة بلغت 98.83 في المائة لصالح الانفصال، وهي نسبة حملت دلالة سياسية عميقة عكست رغبة كاسحة في تجربة مسار جديد بعد عقود من الحرب. وصف كثير من المشاركين تلك اللحظة بأنها تصويت بدماء الذين فقدوا حياتهم خلال سنوات الصراع، ورأوا فيها محاولة لحماية الأجيال المقبلة من تكرار المأساة نفسها.

يوم الميلاد... عندما ارتفع العلم للمرة الأولى

حل التاسع من يوليو 2011 وسط اهتمام إقليمي ودولي غير مسبوق. احتشد الآلاف في ميدان الحرية بمدينة جوبا، حيث توافدت الوفود الأجنبية والصحفيون وقادة الدول لمتابعة الإعلان الرسمي عن ميلاد أحدث دولة في العالم. اعتلى الرئيس سلفاكير ميارديت المنصة ليعلن استقلال جمهورية جنوب السودان باسم شعبها، لترتفع بعد ذلك الراية الجديدة وسط تصفيق الجماهير ودموع الحاضرين، بينما عُزف النشيد الوطني للمرة الأولى في تاريخ البلاد.

تحولت تلك اللحظة إلى رمز وطني تجاوز حدود السياسة. رقص المواطنون في الشوارع، سجد بعضهم شكراً، رفع آخرون أيديهم نحو السماء، بينما رسمت الطائرات العسكرية عروضاً احتفالية فوق العاصمة. كانت الأحلام آنذاك بسيطة في مضمونها؛ سلام دائم، مدارس تستقبل الأطفال، مستشفيات تعالج المرضى، طرق تربط الولايات، دولة تمنح مواطنيها شعوراً بالمواطنة الكاملة. انضم جنوب السودان في الأشهر التالية إلى الأمم المتحدة بوصفه الدولة رقم 193، ليدخل التاريخ باعتباره أحدث دولة مستقلة على خريطة العالم.

عادت المدينة في التاسع من يوليو 2026 لتعيش أجواء الاحتفال بمرور خمسة عشر عاماً على الاستقلال. أعلنت الحكومة عطلة رسمية شملت مؤسسات الدولة، واكتست الشوارع الرئيسية بالأعلام واللافتات التي حملت شعار الذكرى الخامسة عشرة. استقبلت الساحات العامة الاحتفال الرسمي بحضور كبار المسؤولين والدبلوماسيين وممثلي المنظمات الدولية، بينما تحولت العاصمة إلى مساحة مفتوحة للاحتفاء بالهوية الوطنية.

قدمت الفرق الشعبية عروضاً جسدت التنوع الثقافي الذي تتميز به الدولة. ظهرت رقصات الدينكا والنوير والزاندي بأزيائها التقليدية وآلاتها الموسيقية، معبرة عن ثراء الموروث الاجتماعي الذي يشكل أحد أعمدة الهوية الوطنية. شاركت المدارس الحكومية والخاصة ببرامج ثقافية استعاد خلالها الأطفال قصة الاستفتاء والاستقلال، فيما شهدت الأسواق حركة تجارية نشطة مع إقبال المواطنين على شراء الأعلام والقمصان والهدايا التذكارية. اكتظت الميادين العامة مساءً بالشباب الذين وثقوا الاحتفالات عبر منصات التواصل الاجتماعي، لتتحول الذكرى إلى مناسبة تجمع بين الذاكرة الوطنية والحضور الرقمي للأجيال الجديدة.

الدولة بين الطموح والواقع

تحمل صورة جنوب السودان بعد خمسة عشر عاماً قدراً كبيراً من التناقضات. يشعر المواطنون بالفخر لأنهم يمتلكون اليوم دولة مستقلة تتخذ قراراتها بنفسها، في الوقت الذي يواجهون فيه تحديات اقتصادية ومعيشية متصاعدة أثقلت كاهل الأسر. تتأثر الأسعار بصورة مستمرة بتقلبات سعر الصرف وارتفاع تكلفة الوقود والنقل، الأمر الذي انعكس مباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين.

تواجه الخدمات الأساسية تحديات لا تقل تعقيداً عن الوضع الاقتصادي. تحتاج المستشفيات إلى تجهيزات حديثة وكوادر متخصصة، بينما تسعى المدارس إلى معالجة النقص في المعلمين والكتب والبنية التحتية. تمتد مسافات طويلة بين الولايات ما تزال تعتمد على طرق ترابية تتأثر بالأمطار الموسمية، وهو ما يزيد من صعوبة حركة التجارة والخدمات.

مدة تبدو قصيرة في عمر الدول، لكنها تكفي لأن يتحول طفل ولد يوم رفع العلم إلى شاب يتهيأ لدخول الجامعة، ويكفي أن تنشأ خلالها أجيال لم تعرف السودان الموحد إلا من روايات الآباء

ترتبط هذه التحديات بطبيعة الدولة نفسها، فقد بدأت عملية بناء المؤسسات من نقطة شديدة الصعوبة بعد عقود طويلة من الحرب التي استنزفت الموارد البشرية والاقتصادية. تبدو خمسة عشر عاماً فترة محدودة قياساً بحجم المهمة المتمثلة في تأسيس أجهزة الدولة، وصياغة القوانين، وتطوير الإدارة العامة، وبناء الاقتصاد الوطني.

رغم ذلك تبرز مؤشرات يعتبرها كثير من المواطنين مكاسب لا يمكن التقليل من أهميتها. يتمثل أبرزها في امتلاك القرار الوطني بعيداً عن هيمنة المركز القديم، إلى جانب تحسن مستويات الاستقرار مقارنة بسنوات الحرب الشاملة، وظهور جيل جديد نشأ داخل دولة مستقلة يحمل طموحات مختلفة تتعلق بريادة الأعمال والتكنولوجيا والتعليم، إضافة إلى ترسخ هوية وطنية بات المواطن يعبر عنها بثقة حين يعرف نفسه بأنه جنوب سوداني.

أصوات الشارع... ذاكرة الاستقلال اليومية

يرى فرانسيس، وهو معلم بإحدى المدارس الأساسية في ولاية غرب بحر الغزال، أن الاحتفال السنوي لا يقتصر على استعادة ذكرى سياسية، وإنما يمثل درساً للأجيال الجديدة التي لم تعش سنوات الحرب. يقول إن الطلاب يحتاجون إلى معرفة حجم التضحيات التي قدمها الآباء والأجداد حتى يدركوا قيمة الحرية التي يعيشون في ظلها اليوم.

تتحدث مارثا، بائعة الخضروات في سوق كاستم، عن الاستقلال من زاوية مختلفة ترتبط بالحياة اليومية. تعترف بأن تكاليف المعيشة أصبحت مرتفعة وأن الضغوط الاقتصادية تزداد عاماً بعد آخر، ثم تعود لتؤكد أن قدرتها على النوم دون خوف من أصوات المدافع تمنحها شعوراً بالأمان لا يمكن قياسه بالأرقام.

ينظر كثير من الشباب إلى الذكرى الخامسة عشرة باعتبارها بداية مرحلة جديدة أكثر من كونها مناسبة لاستحضار الماضي. لم يعرف معظمهم السودان قبل الانفصال، لذلك تتركز تطلعاتهم حول بناء الاقتصاد، وتطوير التعليم، واستثمار التكنولوجيا، وخلق فرص عمل تمنح الدولة مستقبلاً أكثر استقراراً.

الاستقلال بوصفه بداية لا نهاية

يكشف مرور خمسة عشر عاماً على استقلال جنوب السودان أن إعلان الدولة كان بداية رحلة طويلة أكثر مما كان نهاية لصراع تاريخي. يحمل التاسع من يوليو في الوجدان الوطني معنى الاختيار الحر والإرادة الشعبية التي قررت رسم مستقبل مختلف. تفرض السنوات المقبلة على الدولة تحديات تتعلق بالاقتصاد، وبناء المؤسسات، وتعزيز الوحدة الوطنية، وتحويل الاستقلال السياسي إلى تنمية يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

ما يزال العلم الذي ارتفع في جوبا عام 2011 يرفرف فوق مؤسسات الدولة والميادين العامة، حاملاً معه ذاكرة شعب دفع ثمناً باهظاً للوصول إلى تلك اللحظة. تستمر قيمة هذا العلم في ارتباطها بقدرة الأجيال القادمة على تحويل حلم الاستقلال إلى مشروع دولة مستقرة ومزدهرة، وهو التحدي الحقيقي الذي سيحدد شكل جنوب السودان خلال العقود المقبلة.