تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 6 أكتوبر 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

من ممر للتهريب إلى سوق متنامية: أفريقيا في سوق المخدرات العالمي لعام 2026

25 أغسطس, 2026
الصورة
من ممر للتهريب إلى سوق متنامية: أفريقيا في سوق المخدرات العالمي لعام 2026
Share

يرصد تقرير المخدرات العالمي في نسخته الأحدث لعام 2026، الصادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، تحولات متسارعة في بنية سوق المخدرات عالميًا، تتجاوز في تعقيدها ما شهدته العقود الماضية. فقد كشف التقرير عن ارتفاع ملحوظ في أعداد متعاطي المخدرات؛ ففي عام 2024، قُدّر عدد المتعاطين بنحو 331 مليون شخص، أي بزيادة قدرها 34٪ مقارنةً بما كان عليه الوضع قبل عقد من الزمن، في وقتٍ تتسع فيه فجوة الحصول على خدمات العلاج، لا سيما في المناطق الأقل دخلاً، حيث يظل الوصم الاجتماعي وضعف البنية الصحية عائقًا أمام تعافي الفئات الأكثر ضعفًا.

لا يقتصر تقرير المخدرات على رصد اتساع نطاق التعاطي، بل يتتبع أيضا التحولات النوعية في أسواق المخدرات ذاتها؛ إذ يبرز التوسع المتسارع في المواد المؤثرة عقليًا ذات المنشأ الاصطناعي، إلى جانب تصاعد إنتاج الكوكايين إلى مستويات قياسية، وتنويع الجماعات الإجرامية لطرق التهريب وأساليبه، بما يتيح لها التكيف السريع مع أي تغيرات أمنية أو تنظيمية. كما يخصص مساحة لتحليل العلاقة بين تعاطي المخدرات وقضايا الأمن والاستقرار المجتمعي، وهي علاقة تتبدى بصورة خاصة في الفئات الشبابية الأكثر عرضة لأنماط التعاطي عالية الخطورة.

في ضوء ذلك، تبرز أهمية استقراء موقع القارة الأفريقية ضمن هذه الديناميكيات المتصاعدة؛ لاسيما وأن أفريقيا ليست بمعزل عن التحولات التي تشهدها أسواق المخدرات، سواء كمنطقة عبور تستغلها شبكات التهريب، أو بوصفها سوقا استهلاكية آخذة في التوسع، أو باعتبارها إقليمًا تتقاطع فيه تحديات المخدرات مع أزمات أمنية وتنموية أعمق.

في البداية، يبرز التقرير أنه بعد عامين من انخفاض عدد المواد الأفيونية الاصطناعية الجديدة (NPS) -مخدر أكثر قوة من الهيروين بمرات عديدة- التي ظهرت في أسواق المخدرات العالمية، شهد عام 2024 زيادة حادة في حالات الإبلاغ عنه في أنظمة الإنذار المبكر في عامي 2023 و2024 في معظم مناطق العالم، ولكن بشكل ملحوظ في أوروبا وأوقيانوسيا وأفريقيا. وكانت هذه الحالات إما تم اكتشافها لأول مرة أو تم اكتشافها سابقًا ولكنها ظلت خارج نطاق الرقابة.

موقع أفريقيا في سوق المخدرات العالمي يشهد تحولًا يتجاوز مجرد زيادة حركة المخدرات عبر أراضيها، نحو انخراط أكثر تعقيدًا في المنظومة التي تحكم إنتاجها وتهريبها وتوزيعها واستهلاكها

من جهة أخرى، يرصد التقرير ظهور مادة "الكوش" (kush) -عقار تركيبي واصطناعي مدمر يعرف باسم مخدر الزومبي- في عدد من دول غرب أفريقيا منذ عام 2021. وبحلول عام 2023، كانت حالات وفاة يُعتقد ارتباطها بتعاطي "الكوش" قد سُجّلت في كلٍّ من غامبيا وغينيا وليبيريا وسيراليون، وهو ما يعكس تنامي مخاطر هذه المادة على صحة وسلامة السكان في هذه الدول. يعزو التقرير الانتشار السريع للأفيونات الاصطناعية، ومنها النيتازين وأشباه الأفيون، إلى سهولة تصنيعها وجدواها الاقتصادية للمصنّعين والمهربين، إذ تكفي كميات صغيرة منها لإنتاج آلاف الجرعات، إلى جانب قدرة المركبات الجديدة المشتقة منها على الإفلات من الأطر الرقابية المعمول بها في العديد من الدول.

فيما يخص مخدر الكوكاكين، ثمة نوع من التطورات التي قد تُسهم في زيادة استهلاكه، وهو ما قد يرتبط بظهور أسواق جديدة له؛ ففي أفريقيا وآسيا وأجزاء من أوروبا، ربما سهّل ازدياد تهريبه نمو الأسواق المحلية. وفي هذا الإطار، كانت بعض الدول في أفريقيا وآسيا من بين الدول التي شهدت أعلى معدل نمو في عمليات الضبط لهذا المخدر على مستوى العالم خلال الفترة 2020-2024. ولا يزال جزء من إمدادات الكوكايين المتجهة إلى أوروبا يتدفق عبر غرب ووسط أفريقيا وشمال أفريقيا، وتشير الكميات المضبوطة في غرب ووسط أفريقيا منذ عام 2019 إلى عودة قوية لهذا المسار. وفي شمال أفريقيا، تؤكد البيانات المحدودة المتاحة أن الكوكايين قد اخترق أسواق التجزئة.

كما توفر البيانات دليلا واضحا على انتشار تعاطي الكوكايين المُصنّع (الكراك) -شكل صلب وشديد الإدمان من الكوكايين يتم تعاطيه عن طريق التدخين، ويسبب أضراراً صحية ونفسية جسيمة وفورية- إلى جانب تعاطي ملح الكوكايين -الشكل الملحي النقي والمسحوقي الشائع لمخدر الكوكايين- عن طريق الأنف في غرب ووسط أفريقيا. ويشيرون كذلك إلى أن استهلاك الكوكايين قد ترسخ في شرق أفريقيا، وهو ما تؤكده الدراسات الميدانية النوعية. يضاف إلى ذلك جنوب أفريقيا، لكن كسوق محلية للكوكايين منذ أوائل التسعينيات.

تكشف قراءة تقرير المخدرات العالمي 2026 أن موقع أفريقيا في سوق المخدرات العالمي يشهد تحولًا يتجاوز مجرد زيادة حركة المخدرات عبر أراضيها، نحو انخراط أكثر تعقيدًا في المنظومة التي تحكم إنتاجها وتهريبها وتوزيعها واستهلاكها

حول الميثامفيتامين –وهو مُنبه قوي للغاية معروف تجارياً أو شعبياً بأسماء مثل الشبو أو الكريستال ميث، أو الآيس- تشير بيانات التقرير إلى أن تصنيعه في أفريقيا، الذي اقتصر في بداياته على منطقة الجنوب الأفريقي خلال أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، انتقل تدريجيًا إلى غرب القارة خلال العقد التالي، وخاصة في نيجيريا، وهناك الآن مؤشرات على ظهوره في شرق أفريقيا.

يتزامن هذا الانتشار الجغرافي مع تنامي استخدامه، حيث ينتشر بشكل ملحوظ في جنوب أفريقيا ووسط أفريقيا. في الوقت نفسه، قدرت إحدى الدراسات في جنوب إفريقيا عدد متعاطي الميثامفيتامين يوميًا في البلاد بحوالي 220 ألف شخص في عام 2020. بالإضافة إلى التصنيع المحلي في ذلك البلد، يتم تهريب الميثامفيتامين من جنوب غرب آسيا عبر المحيط الهندي إلى جنوب أفريقيا، مما يساهم على الأرجح في ظهور أو زيادة تعاطيه في أسواق شرق أفريقيا.

على صعيد المخدرات الاصطناعية -وهي مواد كيميائية يتم تصنيعها بالكامل داخل المختبرات لتقليد تأثير المواد المخدرة الطبيعية- يبرز التقرير كيف أنه ظل ديناميكيًا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في ظل الاضطرابات التي شهدتها إمدادات «الكبتاغون»، وهو الاسم الذي يُطلق على أقراص الأمفيتامين المُصنّعة بصورة غير مشروعة والممزوجة بمواد أخرى مثل الكافيين. وتتركز الأسواق الرئيسية للكبتاغون في دول شبه الجزيرة العربية، مع وجود مؤشرات على استخدامه في بعض دول شمال أفريقيا. وخلال جميع السنوات الممتدة بين 2010 و2024، أشارت البيانات المتعلقة بمسارات الاتجار والضبط إلى سوريا، تليها لبنان، باعتبارهما الدولتين اللتين نشأت منهما الغالبية العظمى من الكبتاغون المضبوط. وكانت الشحنات المتجهة إلى وجهتها النهائية تسلك مسارات مباشرة وغير مباشرة؛ إذ تمر الأخيرة عبر أوروبا، وكذلك عبر دول في شمال وغرب أفريقيا.

إن التعامل مع هذه التحولات يقتضي تجاوز المقاربة التي تختزل المسألة في ضبط الشحنات أو ملاحقة المتورطين في حلقاتها النهائية، إلى مقاربة أوسع تستهدف البنية التي تسمح باستمرار هذه الأسواق وتوسعها

لا تقتصر تداعيات هذا الانتشار على اتساع أسواق المخدرات ومسارات تهريبها، بل تمتد إلى مخاطر صحية متزايدة، وفي هذا الإطار تكشف بيانات التقرير عن ارتفاع العبء الصحي في جنوب أفريقيا بوجه خاص، مع تمثّل الأمراض المعدية في أحد أبرز أوجه التداعيات الصحية المرتبطة بتعاطي المخدرات. يظهر ذلك بوضوح بين الأشخاص الذين يتعاطون المخدرات بالحقن، إذ بلغت نسبة انتشار فيروس نقص المناعة البشرية بينهم في جنوب أفريقيا 41.4٪ عام 2024، وهي الأعلى بين مناطق العالم التي شملتها البيانات، مقابل 28.5٪ في جنوب غرب آسيا و25.7٪ في أوروبا الشرقية.

على مستوى الصورة الكلية، تكشف قراءة تقرير المخدرات العالمي 2026 أن موقع أفريقيا في سوق المخدرات العالمي يشهد تحولًا يتجاوز مجرد زيادة حركة المخدرات عبر أراضيها، نحو انخراط أكثر تعقيدًا في المنظومة التي تحكم إنتاجها وتهريبها وتوزيعها واستهلاكها. فتنوع المواد المخدرة ومساراتها، وتداخل الشبكات المحلية مع شبكات الاتجار العابرة للحدود، إلى جانب تنامي بعض الأسواق المحلية، كلها مؤشرات على أن القارة أصبحت طرفًا أكثر حضورًا في إعادة تشكيل جغرافية تجارة المخدرات العالمية. ولا يرتبط هذا التحول بعامل واحد، وإنما يتقاطع مع هشاشة بعض أنظمة الرقابة الحدودية، واتساع شبكات التجارة غير المشروعة، وتفاوت القدرات المؤسسية بين الدول الأفريقية.

من هذا المنظور، فإن التعامل مع هذه التحولات يقتضي تجاوز المقاربة التي تختزل المسألة في ضبط الشحنات أو ملاحقة المتورطين في حلقاتها النهائية، إلى مقاربة أوسع تستهدف البنية التي تسمح باستمرار هذه الأسواق وتوسعها. ويشمل ذلك تعزيز التعاون الإقليمي والدولي، وتطوير قدرات أجهزة إنفاذ القانون، واستهداف الشبكات المنظمة ومصادر تمويلها. كما يتطلب هذا النهج إيلاء اهتمام أكبر للمجتمعات المحلية والفئات الهشة، ولا سيما تلك المتأثرة بالحروب والنزاعات وتدهور الأوضاع الاقتصادية، والتي قد تجد نفسها أكثر عرضة للاستقطاب من جانب شبكات الاتجار بالمخدرات أو الانخراط في أنشطتها، فضلًا عن ارتفاع قابليتها للتعرض لمخاطر التعاطي والإدمان.

إن معالجة الظاهرة لا تنفصل عن معالجة البيئات الاجتماعية والاقتصادية التي توفر لها قابلية الاستمرار. وبذلك، لا يتوقف مستقبل إفريقيا في سوق المخدرات العالمي على قدرتها على منع المخدرات من العبور عبر حدودها، وإنما على قدرتها، كذلك، على الحد من تحول هذه المسارات إلى أسواق مستقرة وشبكات متجذرة داخل القارة، وعلى تحصين المجتمعات الأكثر هشاشة من الوقوع ضحية لهذه الشبكات أو سوقًا مستدامة لها.