الأربعاء 20 مايو 2026
استيقظت مالي، فجر يوم السبت، على وقع هجمات مباغتة نفذت بدقة متناهية، استهدفت العاصمة باماكو ومدنا رئيسية في مناطق متفرقة في البلاد. لم يكن الهجوم، وفق المعطيات الميدانية، حوادث معزولة، بل عملية منسقة بدقة عالية، تعكس مستوى متقدما من التنظيم، بالنظر إلى التزامن في التنفيذ والاتساع الجغرافي لنطاق العلميات.
تعتبر هذه الهجمات من أكثر العمليات الأمنية تعقيدا وخطورة منذ اندلاع الأزمة الأمنية عام 2012، فهذه التطورات المتسارعة تعيد رسم خارطة التحديات أمام السلطة القائمة، حيث تضع المجلس العسكري - الذي تسلم مقاليد السلطة عقب انقلابي 2020 و2021- في مأزق حقيقي، لا سيما أنه تعهد عند تولي السلطة بالقضاء على الجماعات المسلحة واستعادة الاستقرار.
يثير هذا الاختراق الأمني الذي استهدف مراكز حيوية ومواقع استراتيجية في قلب الدولة ومركز ثقلها السيادي أسئلة كبرى حول مدى فاعلية المنظومة الدفاعية، خاصة بعدما أسفرت عن مقتل وزير الدفاع ساديو كامار؛ الشخصية الأكثر نفوذا في المجلس العسكري بعد آسمي غويتا، دينامو العمليات العسكرية ومهندس التحالف الاستراتيجي مع روسيا.
قوّضت الهجمات الأخيرة هيبة المجلس العسكري بوصفه سلطة قادرة على استعادة الأمن والسيادة، وهي السردية التي طالما روج لها طيلة سنواته الماضية. ففي سابقة لم تشهدها مالي من قبل، استهدف هجوم السبت الماضي، مدنا عدة تفصل بينها مئات الكيلومترات، وذلك بمشاركة ما يزيد عن ألف مقاتل مدججين بأسلحة ثقيلة، وفق خطط تكتيكية دقيقة. وقد اعتمد المهاجمون في تحركاتهم على الدراجات النارية والمركبات الخفيفة، مع التمويه بارتداء زي الجيش؛ ما أتاح لهم اختراقاً سريعا مكنهم من توجيه ضربة مباشرة لمركز السلطة.
انتقلت من المواجهة العسكرية المباشرة والتقليدية إلى مسار أكثر تعقيدا يتمثل في التفكيك التدريجي لبنية الدولة عبر استراتيجيات الحصار والتلاعب بالتحالفات المحلية، وإعادة هندسة موازين القوى داخل النسيج المجتمعي
شكل استهداف العاصمة باماكو ومدينة كاتي التي توصف بالمعقل الاستراتيجي للنظام العسكري منذ انقلاب عام 2021، ثم تدمير منزل شخصية بوزن وزير الدفاع ساديو كامارا الذي يوصف بالعقل المدبر للسياسة الدفاعية، ضربة موجعة طعنت في شرعية المجلس العسكري القائمة أساسا على ثنائية "الأمن والسيادة". كما بعثت هذه التطورات برسالة ميدانية بالغة الدلالة، كشفت عن عمق الاختراق الأمني في بنية النظام، وفشل الاستخبارات المالية والشركاء الروس في تأمين المربع الذهبي للسلطة.
مع دخول الأزمة يومها الثالث تتصاعد حالة الغموض السياسي والأمني في مالي، حيث لا يزال مصير كبار قادة المجلس العسكري الحاكم غير معلوم بشكل دقيق عقب الهجوم الأخير، فحتى اللحظة لم يصدر أي تصريح عن قائد المجلس العسكري آسيمي غويتا الذي توارى عن الأنظار منذ بعد المعارك، ولا حصيلة رسمية عن الخسائر التي أعقب معارك نهاية الأسبوع في مختلف مناطق البلاد. حالة الصمت الرسمي تثير تساؤلات جوهرية في الأوساط الدبلوماسية والمحلية حول سلامة الهيكل القيادي للدولة.
تُمثل استعادة جبهة تحرير أزواد لسيطرتها على مدينة كيدال، إثر هجوم 25 أبريل/نيسان الجاري، عودة رمزية واستراتيجية إلى المربع الأول لاتفاقات عام 2012. فمدينة كيدال لا تُختزل في كونها مجرد حيز جغرافي، بل هي الرمز التاريخي والعاصمة التقليدية للأزواد. كما يشكل ذلك تقويضا لرمزية التي استند إليها قائد المجلس العسكري في صياغة سردية "النصر"، حينما بسط الجيش سيطرته على المدينة في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 بدعم من مقاتلي فيلق روسيا، منهيا بذلك أكثر من عقد من الإدارة الأزوادية للمدينة.
في تطور مثير يشكل منعطفا مركزيا في مسار الصراع الدائر بمالي، كشف بيان رسمي عن وجود تنسيق عملياتي عالي المستوى بين "جبهة تحرير أزواد" و"جماعة نصرة الإسلام والمسلمين". من شأن هذا التحالف الجديد أن يغير جذريا طبيعة المواجهات الميدانية، حيث انتقل من مجرد تفاهمات ضمنية إلى تحالف ميداني مباشر يستهدف النظام الحاكم في باماكو.
يشير هذا التحالف إلى تحول جذري في موازين القوى الميدانية، حيث لم يعد المجلس العسكري يواجه جبهات متفرقة أو جيوبا مشتتة، وإنما كتلة قتالية صلبة وموحدة تمتلك القدرة العملياتية على اختراق أكثر المواقع العسكرية تحصينا وتعقيدا. لكن ذلك لا يعني انسجاما في طبيعة هذا التكتل الذي يظل محكوما بسياقات "ضرورة الميدان" التي فرضتها التحديات الراهنة، دون أن يرتقي بالضرورة إلى مستوى التطابق السياسي الشامل أو الانصهار الأيديولوجي بين "الجبهة" و"الجماعة".
إن أي إخفاق لباماكو في تدارك الموقف قد يؤدي إلى انهيار شامل لمؤسسات الدولة، مما يشرع الأبواب أمام فوضى عارمة تهدد أمن واستقرار المنطقة الإقليمية المضطربة بطبيعتها
لا تُعبّر العلاقة القائمة بين هذه الأطراف عن اندماج في الرؤى الاستراتيجية بعيدة المدى، أو توحيد نهائي للأهداف والغايات؛ بقدر ما تُمثّل استجابة تكتيكية فرضتها ضرورات المواجهة العسكرية بين الجيش المالي و"فيلق أفريقيا". مرد ذلك إلى البون الشاسع بين المشروعين؛ ففي حين تتحرك "جبهة أزواد" وفق منطق قضية إقليم مهمش ونضال سياسي يسعى نحو الانفصال أو الحكم الذاتي، تتبنى "جماعة النصرة" منطقا جهاديا عابرا للحدود، يرمي إلى فرض الشريعة الإسلامية في مالي ودول المنطقة ككل.
يفضي قراءة معطيات المشهد الراهن إلى أن حالة "الهدنة القسرية" وتأجيل الصدام المباشر بين الطرفين مؤجل بسبب سياسة "المصالح المتقاطعة" في مواجهة عدو مشترك يهدد وجودهما معا. لكن ذلك هذا التحالف يبقى هشا ومؤقتا في جوهره؛ إذ تنظر الجماعة للحركة بوصفها تنظيما علمانيا، بينما تصر الأخيرة على انتزاع وضع سياسي يكرس سلطتها الميدانية. هذا التناقض الجذري في الرؤى والأهداف يضع المنطقة أمام سيناريو صدام حتمي مؤجل، يتمحور حول إشكالية الشرعية والسيادة، ويثير تساؤلات جوهرية حول هوية الجهة التي ستبسط سيطرتها النهائية على الإقليم، والمرجعية الأيديولوجية التي ستحكم إدارة الشأن المحلي في مرحلة ما بعد العدو المشترك.
تجاوزت تداعيات الأحداث الأخيرة النطاق المحلي لتضع "تحالف دول الساحل" (AES) أمام مأزق سياسي واختبار وجودي هو الأول من نوعه منذ تأسيسه، حيث يضع الصمت الأولي لكل من بوركينا فاسو والنيجر "ميثاق الدفاع المشترك" على محك الفاعلية؛ مما يطرح تساؤلا جوهريا حول قدرة التحالف على الصمود: هل ستُفعل الدولتان بنود المعاهدة وتتدخلان عسكريا لإنقاذ المركز في باماكو، أم ستنكفئ كل منهما لتأمين حدودها السيادية أمام موجة الاضطرابات؟
تُشير المعطيات الميدانية الراهنة إلى جنوح أمانة تحالف دول الساحل نحو تبني موقف يتسم بالتحفظ إزاء ما يعصف بدولة مالي؛ حيث لم يتجاوز الدعم المقدم حدود المؤازرة الدبلوماسية والبيانات البروتوكولية المقتضبة. يُمثل هذا المسار "المهادن" تحولا لافتا يتناقض مع النهج التصعيدي الذي انتهجه التحالف الثلاثي في فترات سابقة؛ إذ سبق له أن لوّح بوضوح بخيار التحرك العسكري الشامل كأداة ردع لمواجهة التهديدات الصادرة عن منظمة الإيكواس.
لا تُعبّر العلاقة القائمة بين هذه الأطراف عن اندماج في الرؤى الاستراتيجية بعيدة المدى، أو توحيد نهائي للأهداف والغايات؛ بقدر ما تُمثّل استجابة تكتيكية فرضتها ضرورات المواجهة العسكرية بين الجيش المالي و"فيلق أفريقيا"
تتسارع التطورات الميدانية لتضع الجانب الروسي (الفيلق الأفريقي) بدوره، أمام تعقيدات بالغة تتجاوز ما يواجهه نظراؤهم في دول الساحل؛ خصوصا أن وزير الدفاع ساديو كامارا المستهدف في العملية، خريج الأكاديمية العسكرية الروسية، وأحد المهندسين الاستراتيجيين لتحالف دول الساحل، الذي لم يكتفِ بإدارة ملف استقدام مقاتلي "فاغنر" إلى المنطقة، بل دفع بوضوح نحو إحداث قطيعة جذرية مع فرنسا والقوى الدولية، مما أعاد رسم خارطة النفوذ الأمني في المنطقة.
شهدت معارك يوم السبت تحولا دراماتيكيا في موازين القوى الميدانية، حيث عكس رضوخ قادة من "فيلق أفريقيا" لإملاءات مقاتلي جبهة تحرير أزواد حالة من الارتباك غير المسبوق؛ حيث أفضى هذا التراجع إلى انسحاب القادة من معسكر "المينوسما" المحاصر، وتأمين إجلاء ما لا يقل عن 400 عنصر روسي تحت حراسة مقاتلي الطوارق باتجاه "تيساليت". هذا المشهد لا يمثل مجرد تراجع تكتيكي، بل مؤشرا يحذر باقي الأنظمة في أفريقيا من الإفراط في الرهان على الدعم الروسي.
تجاوزت الأزمة في مالي حدود التمرد التقليدي لتنذر بحالة من التشظي البنيوي الذي يهدد وحدة التراب الوطني وتقسيمه فعليا، وهو ما يضع النظام في باماكو - وليس بالضرورة المجلس العسكري - أمام اختبار حاسم لاستعادة زمام المبادرة قبل فوات الأوان؛ إذ إن أي إخفاق لباماكو في تدارك الموقف قد يؤدي إلى انهيار شامل لمؤسسات الدولة، مما يشرع الأبواب أمام فوضى عارمة تهدد أمن واستقرار المنطقة الإقليمية المضطربة بطبيعتها.
يشهد الوضع هناك تحولا جوهريا في ديناميكيات الصراع، حيث انتقلت من المواجهة العسكرية المباشرة والتقليدية إلى مسار أكثر تعقيدا يتمثل في التفكيك التدريجي لبنية الدولة عبر استراتيجيات الحصار والتلاعب بالتحالفات المحلية، وإعادة هندسة موازين القوى داخل النسيج المجتمعي. ويكمن الخطر الوجودي هنا في أن الدولة لم تعد مهددة بالانهيار المفاجئ والكامل، بل بالتحول إلى كيان وظيفي أجوف يحافظ على مظاهره السيادية الشكلية، بينما تتركز ممارسات الحكم الفعلية وصلاحيات إدارة الملفات الأمنية والاقتصادية في يد جماعات مسلحة تفرض سيطرتها الميدانية الواقعية.
تتزايد حدة الضبابية التي تلف المشهد المالي عند استشراف مآلات مرحلة ما بعد المعركة؛ إذ يبدو جليا أن الصراع لن يضع أوزاره بمجرد عودة الجيش إلى ثكناته. فمن المتوقع أن تفتح هذه المرحلة الباب أمام تجاذبات سياسية وأيديولوجية محتدمة حول طبيعة وهيكلية السلطة، سواء في العاصمة باماكو أو في كيدال. وهنا يبرز تساؤل جوهري حول احتمالية استنساخ "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" للنموذجين السوري أو الأفغاني في الداخل المالي؛ بحيث تسعى لتجاوز دورها كفصيل مقاتل في الجبهات، لتتحول إلى رقم في معادلة الحكم والإدارة المباشرة لشؤون الدولة.
في المحصلة، يبدو أن الأزمة في مالي قد غادرت مربع "الاضطرابات العابرة" لتدخل نفقاً مظلماً من إعادة تشكيل كيان الدولة على أسس هشة. إن التحول من المواجهة العسكرية المباشرة إلى استراتيجيات التفكيك المنهجي لبنية الدولة وتلاعب الجماعات المسلحة بالنسيج المجتمعي، يضع "باماكو" أمام خيارين أحلاهما مر: إما استعادة زمام المبادرة السياسية والأمنية بجدول زمني حاسم، أو بقاء الدولة كيانا وظيفيا أجوفا بلا مظاهر السيادة الرسمية ما يمثل تهديدا يتجاوز حدود مالي ليعم منطقة الساحل بأكملها.