ألقت السلطات الألمانية القبض على مواطن ألماني من أصل رواندي، يشتبه في ضلوعه في ارتكاب جرائم خلال الإبادة الجماعية التي شهدتها رواندا عام 1994، في خطوة تعكس استمرار الجهود الأوروبية لملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم الإبادة بعد أكثر من ثلاثة عقود على وقوعها. وأعلنت النيابة العامة الفيدرالية الألمانية، الأربعاء، أن المشتبه به، الذي عُرّف عنه باسم "إينوسنت س." وفقاً لقوانين الخصوصية الألمانية، أوقف في ولاية هيسه وسط ألمانيا، ويواجه اتهامات بالمشاركة في الإبادة الجماعية وارتكاب 25 جريمة قتل بحق أفراد من أقلية التوتسي خلال أحداث عام 1994.
كان المتهم، ووفقاً للائحة الاتهام الأولية، يشغل منصب مساعد رئيس بلدية منطقة كايوفي في شمال غرب رواندا خلال فترة الإبادة، ويشتبه في أنه أصدر أوامر مباشرة بقتل 25 شخصا من التوتسي في خمس وقائع منفصلة. كما تتهمه النيابة الألمانية بالمشاركة الشخصية في بعض عمليات القتل، إذ تشير التحقيقات إلى أنه قام، في إحدى الحالات، بطعن أحد الضحايا بسكين حتى الموت. وتضيف السلطات أن المتهم استخدم موقعه الإداري للتحريض على قتل التوتسي، وساهم في إعداد قوائم بأسماء الأشخاص المطلوب تصفيتهم خلال حملة الإبادة.
يستند الادعاء الألماني في هذه القضية إلى مبدأ "الولاية القضائية العالمية"، الذي يسمح للمحاكم الألمانية بمحاكمة مرتكبي جرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، بغض النظر عن مكان ارتكابها أو جنسية الضحايا والجناة. وقد أصبحت ألمانيا خلال العقدين الماضيين واحدة من أبرز الدول الأوروبية التي تستخدم هذا المبدأ لملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية، سواء المرتبطة بالإبادة الجماعية في رواندا أو بالجرائم المرتكبة في سوريا ودول أخرى. وتشير التحقيقات إلى أن المتهم يقيم في ألمانيا منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حيث عاش لسنوات قبل أن تتمكن السلطات من جمع أدلة كافية لتوقيفه.
تعيد القضية إلى الواجهة الجهود الدولية المستمرة لتحقيق العدالة في جرائم الإبادة الجماعية في رواندا، التي وقعت بين أبريل/نيسان ويوليو/تموز 1994، وأسفرت عن مقتل أكثر من 800 ألف شخص، معظمهم من أقلية التوتسي، إضافة إلى هوتو معتدلين، خلال نحو مئة يوم فقط. وكانت المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا، التي أنشأها مجلس الأمن الدولي عام 1994، قد حاكمت عشرات المسؤولين السياسيين والعسكريين المتورطين في الإبادة، وأصدرت أحكاماً بحق 62 شخصاً قبل إغلاقها رسمياً عام 2015. غير أن آلاف المشتبه بهم ظلوا خارج نطاق المحاسبة، ما دفع دولا أوروبية عدة إلى فتح ملفات قضائية جديدة خلال السنوات الأخيرة.
يعد هذا التوقيف امتداداً لسلسلة من القضايا التي نظرت فيها المحاكم الألمانية بشأن الإبادة الرواندية. ففي عام 2015، أصدرت محكمة ألمانية حكماً بالسجن المؤبد على رئيس بلدية رواندي سابق، أونيسفور روابوكومبي، بعد إدانته بالمشاركة في مقتل مئات الأشخاص خلال الإبادة. كما شهدت ألمانيا خلال العقدين الماضيين عدداً من المحاكمات الأخرى لمواطنين روانديين متهمين بالتحريض على الإبادة أو دعمها، ما جعلها إحدى أبرز الساحات القضائية الأوروبية لملاحقة المتهمين بجرائم رواندا.
يرى خبراء القانون الدولي أن القضية الجديدة تحمل دلالات تتجاوز البعد القضائي، إذ تؤكد أن الجرائم الدولية الكبرى لا تسقط بالتقادم، وأن ملاحقة مرتكبيها يمكن أن تستمر لعقود طويلة بعد وقوعها. كما تعكس استمرار التعاون بين السلطات القضائية الأوروبية والحكومة الرواندية والآليات الدولية المعنية بالعدالة الانتقالية. وبينما ينتظر أن يمثل المتهم أمام القضاء الألماني خلال الأسابيع المقبلة، تبرز القضية مجدداً حجم التحديات القانونية والسياسية المرتبطة بتحقيق العدالة في واحدة من أكثر جرائم الإبادة الجماعية دموية في القرن العشرين.