تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 13 فبراير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

من غزة إلى كيفو: وجوه التضامن المتخلّ

10 يوليو, 2025
الصورة
من غزة إلى كيفو: وجوه التضامن المتخلّ
Share

تولّيتُ في أغسطس/أب عام 2023 منصب مدير مركز الدراسات الأفريقية في جامعة كيب تاون. وكان من أبرز الالتزامات التي ورثتها أن يستضيف المركز الاجتماع التأسيسي الأول لرابطة الإنسانيات الأفريقية في ديسمبر/ كانون الأول من العام نفسه. وقد شكّل هذا الحدث تطورًا لافتًا، امتدادًا لإرث تأسيس مجلس تنمية البحوث في العلوم الاجتماعية بأفريقيا (كوديسريا) عام 1973، وما تراكم بعده، على مدى العقود، من نشوء مؤسسات أكاديمية وعلمية أفريقية عابرة للحدود، أخذت على عاتقها تعزيز الحضور العالمي للمعرفة المنتجة في القارة، والدفاع عن القيمة الفكرية والأكاديمية لما ينجزه الباحثون الأفارقة من داخل أفريقيا.

حين انعقد الاجتماع التأسيسي في ديسمبر/ كانون الأول، كان العالم مشغولًا بانعكاسات هجوم حماس في السابع من أكتوبر/تشرين الأول. فإلى جانب الحصيلة المفزعة للضحايا جرّاء القصف الإسرائيلي المتواصل، كانت الأخبار والتقارير قد بدأت تكشف عن حجم الدمار الذي طال المؤسسات التعليمية في قطاع غزة، وعن قتل عمداء جامعات وباحثين مرموقين.

تقدّم عشية الاجتماع، أحد الأعضاء في اللجنة المنظمة، وهو باحث أفريقي بارز، بمبادرة إلى عدد من الزملاء اقترح فيها أن تتبنّى الجمعية بيان تضامن مع الأكاديميين في غزة، يُدين حجم القتل والدمار. غير أن المقترح لم يتعدَّ نطاق النقاش داخل اللجنة التنفيذية، إذ قوبل باعتراضات حالت دون تقديمه رسميًا إلى الجمعية. واكتفى صاحب المبادرة، في نهاية المطاف، بقراءة بيان شخصي خلال الجلسة العامة. وفي النقاش الذي أعقب بيانه، بدا جليًا أن أغلبية الحضور لا تفضل إصدار بيان تضامني باسم الجمعية.

في نهاية المطاف، تم التوصل إلى حل وسط يقضي بنشر البيان على موقع الرابطة، وإتاحة التوقيع عليه للراغبين بشكل فردي. غير أن هذا القرار أثار قلقًا لدى عدد من الأكاديميين، من بينهم المفكر التنزاني البارز عيسى شيفجي، الذي ألقى محاضرة رئيسية في المؤتمر استعاد فيها روح التحرر المناهضة للإمبريالية التي حركت جيله، والتي دفعتهم في السبعينيات للاستجابة لمبادرة الاقتصادي المصري الراديكالي سمير أمين، لتأسيس ما أصبح لاحقًا "كوديسريا". فقد رأى أمين، ومعه آخرون، أنه من الضروري أن يكتب الأفارقة روايتهم عن أفريقيا، في سياق مشروع ما بعد الاستعمار لفك التبعية، وتفكيك البنى التي خلفها الاستعمار في المجتمعات الأفريقية.

لكن بالعودة إلى الجلسة العامة لرابطة الإنسانيات الأفريقية، ما الأسباب والدواعي وراء الاعتراض؟ هذا هو ما يشغلني هنا. بداية، لا بد من التوضيح أن هذه الاعتراضات لم تُطرح بدافع دعم إسرائيل، فرغم وجود بعض الأكاديميين الأفارقة الذين قد يتبنون مواقف مؤيدة لإسرائيل بدوافع دينية مسيحية-صهيونية، إلا أن تلك المواقف لم تُطرح على نحو علني أو صريح في النقاش.

تمثل أبزر اعتراضين فيما يلي: أولًا، قضية فلسطين "شائكة"، وإصدار بيان بشأنها قد يُضعف مساعي بناء التماسك والتوافق داخل رابطة ما تزال في طور التشكّل، وبالتالي من الأفضل تفادي الخوض فيها. أما الاعتراض الثاني، والذي جاء أكثر حدة ووضوحًا، فكان من قبيل "الانتقائية المقلقة" أو ما يُعرف بـ"ماذا عن…؟"، إذ تساءل البعض: لماذا نُصدر بيانًا بشأن غزة في وقتٍ تعصف بالقارة الأفريقية نزاعات دامية لا تحظى بالاهتمام الكافي، من شرق الكونغو الديمقراطية، إلى جنوب الكاميرون، والسودان، ومرورًا بإثيوبيا وشمال موزمبيق؟ أليس إصدار بيان بشأن غزة امتدادًا لصورة نمطية قديمة ومشبعة بالعنصرية تقلل من فداحة الموت والدمار في بعض البلدان الزفريقية؟ ولماذا لم يُبدِ الأكاديميون المطالبون بالتضامن مع غزة الحماسة نفسها تجاه المآسي التي تطحن شعوبهم في القارة؟

كانت هذه تساؤلات مشروعة، تعكس بصدق إلى إرث طويل من نزع الإنسانية عن الحياة الأفريقية، وانعكاسات هذا الإرث حتى على مواقف الأفارقة تجاه بعضهم البعض. وبما أن رابطة الإنسانيات الأفريقية قامت أصلًا لمواجهة تغييب الصوت الأفريقي، كان من الطبيعي أن تثير دعوات التضامن مع غزة هذه الإشكاليات، وهي أسئلة تُطرح كذلك في محافل أكاديمية أفريقية أخرى.

نتيجة لذلك، لاحظتُ أن بعض فعاليات التضامن مع غزة في جنوب أفريقيا بدأت تُظهر حساسية تجاه هذه الانتقادات، من خلال تبنّي شعارات أكثر "شمولاً". فعلى سبيل المثال، حمل شعار إحدى الفعاليات عبارة: "حرّروا الكونغو، حرّروا السودان، حرّروا فلسطين"، بينما جاء العنوان في فعالية أخرى: "تضامنًا مع غزة والكونغو".

لماذا نُصدر بيانًا بشأن غزة في وقتٍ تعصف بالقارة الأفريقية نزاعات دامية لا تحظى بالاهتمام الكافي؟ أليس إصدار بيان بشأن غزة امتدادًا لصورة نمطية قديمة ومشبعة بالعنصرية تقلل من فداحة الموت والدمار في بعض البلدان الأفريقية

ورغم أهمية التفاعل مع هذه الهواجس، النابعة من دوافع مشروعة، فإن ما يثير قلقي في هذا النوع من الاستجابات هو ما تنطوي عليه من خلط إشكالي. فالنزاعات في غزة والسودان والكونغو، وإن اشتركت في سمة واحدة لافتة هي القتل الجماعي للمدنيين، إلا أن أسباب الموت مختلفة جذريًا، وهو ما يفرض تمايزًا ضروريًا في أدوات المقاربة وأشكال المساندة.

فالفلسطينيون يُقتلون لأنهم يخوضون نضالًا تحرريًا ضد كيان استيطاني استعماري محتل، ويبدو رفع شعار "حرّروا فلسطين" منطقيًا تماما. في المقابل، ينبع ما يجري في السودان والكونغو من أزمات ما بعد الاستعمار، ومن إخفاقات عملية تفكيك الاستعمار، ومن صراعات متجذرة في أسئلة معقّدة تتعلق بالانتماء إلى الدولة الوطنية، وبمن يُعدّ أكثرية مهيمنة، ومن يشعر بأنه أقلية مقموعة. من هنا، فإن الربط بين "حرروا فلسطين" و"حرروا السودان والكونغو" بوصفها مطالب متماثلة تعبّر عن نضالات من النوع نفسه، هو تبسيط مخلّ، ولا يُسهم في فهم أو معالجة النزاعات الإفريقية المركّبة على نحو مجدٍ.

تنطوي مناهضة الاستعمار على صراع مباشر ضد قوة استعمارية محتلة. أما تفكيك الاستعمار في مرحلة ما بعد الكولونيالية، فهو ليس صراعًا مع محتل أجنبي، بل هو مشروع يبدأ عندما يغادر المستعمر، وتتحول المقاومة إلى مشروع بناء حرية وطنية جديدة، تتطلب تفكيك الإرث الاستعماري في الاقتصاد والثقافة والسياسة، وفي أنساق التفكير السائدة في المجتمع، وفي التصور الجمعي للمواطنة والانتماء.

لذا، فإن خلط التضامن مع الفلسطينيين في نضالهم التحرري المناهض للاستعمار، مع صراعات أفريقية تستدعي اهتمامًا من نوع آخر، كما في حالتي السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية، عبر منطق "وماذا عن؟"، هو في جوهره تقديم لإجابة مضطربة لسؤال مشروع. إن تضامن الأفارقة مع الفلسطينيين لا ينبع فقط من الإحساس بانتهاك حقوق الإنسان، بل من تضامن تحرري مناهض للاستعمار، وهو ما عبّر عنه نيلسون مانديلا حين قال: "لن نكون أحرارًا حتى يتحرر الفلسطينيون". وهي عبارة مشبعة بوعي أن مقاومة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا لم تكن إلا فصلاً من فصول النضال العالمي ضد الكولونيالية بكل أشكالها.

السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا كأفارقة هو: حين نقول إننا متضامنون مع الفلسطينيين، ثم نضيف بأن علينا أيضًا أن نتضامن، مثلًا، مع الكونغوليين، ألا نُعيد بذلك إنتاج شكل مقلق من انعدام الفهم والاهتمام بالنزاعات الإفريقية ذاتها، من خلال اختزالها جميعًا في صيغة واحدة: "التضامن مع"؟ وهل نحن فعلًا نفهم معاني التضامن حين يتعلق الصراع بأطراف إفريقية تتنازع فيما بينها على السلطة أو الأرض أو الهوية؟ من نتضامن معه حين تنقسم أطراف الصراع بين ضحايا وجناة يتبدلون بين عشية وضحاها؟

ما يثير قلقي في هذا النوع من الاستجابات هو ما تنطوي عليه من خلط إشكالي. فالنزاعات في غزة والسودان والكونغو، وإن اشتركت في سمة واحدة لافتة هي القتل الجماعي للمدنيين، إلا أن أسباب الموت مختلفة جذريًا، وهو ما يفرض تمايزًا ضروريًا في أدوات المقاربة وأشكال المساندة

ثمّة حاجة ملحّة إلى جعل فقدان الأرواح في أفريقيا مرئيًا، لاستعادة إنسانية الحياة الأفريقية، ورفع التحديات التي تواجه القارة إلى مصاف القضايا الكونية التي لا تخص القارة وحدها. بيد أن هذا المسعى لمواجهة تغييب النزاعات الأفريقية، الناتج عن قرون من نزع الإنسانية عن شعوب القارة، لا يتحقق بالضرورة من خلال إعلان التضامن مع هذا الصراع أو ذاك داخل القارة، إذ لا يكفي الاصطفاف الرمزي مع قضية بعينها لمعالجة الجذور العميقة لهذا التهميش، بل يتطلب جهدًا أعمق لتحليل جذور تلك الصراعات، وتفكيك صورها النمطية.

ينبغي علينا كأكاديميين أفارقة، أن نكون أكثر حساسية تجاه هذه التحديات، لا سيما وأن النزاعات الأفريقية غالبًا ما يُساء فهمها أو اختزالها إلى موضوعات كاريكاتورية في أعين الخارج ضمن ثنائيات "الشر والخير" أو "الطغاة مقابل الضحايا"، وهي ثنائيات جاهزة تتبناها الخطابات الحقوقية المعولمة. تذكّروا، مثلاً كيف اجتاحت موجة المطالبة بـ"حرروا دارفور" و"حرروا جنوب السودان" الفضاء الدولي؟ ماذا كانت النتيجة؟ نرى اليوم تفكك جنوب السودان أمام أعيننا. والدرس هنا: توخ الحذر مما تتمناه.

إذا أردنا اليوم أن نُعلن تضامننا مع جمهورية الكونغو الديمقراطية، وبالخصوص، مع الصراع المزمن في إقليم كيفو، فإن هذا التضامن يكون أكثر جدوى إذا اقترن بدعوة حقيقية لفهم تعقيدات منطقتي شمال كيفو وجنوبها، وما تحمله من إرث طويل من النزاعات المرتبطة بالمواطنة والانتماء، إلى جانب التواريخ الإقليمية المتشابكة والتداخلات الدولية التي تغذي هذا الصراع، من الحروب الأهلية في رواندا، إلى تهجير الملايين عبر حدود الكونغو. فهذه العناصر مجتمعة هي التي دفعت بجماعات متباينة إلى مواجهة بعضها البعض، على خلفية صراعات متجذرة تتعلق بالهوية والانتماء، وحقوق المواطنة، والسيادة على الأرض.

وإذا كان التضامن مع غزة قائمًا على مناهضة استعمار استيطاني واضح المعالم، فإن النزاعات في الكونغو تفرض علينا جهدًا معرفيًا لفهم بنيتها المعقدة، ومواقف أكثر جرأة لتحفيز الفعل السياسي، وإنتاج معرفة بديلة تفكّك الحلول الجاهزة، وتعيد تخيّل إمكانيات جديدة لبناء جماعة سياسية متماسكة.

إن تضامن الأفارقة مع الفلسطينيين لا ينبع فقط من الإحساس بانتهاك حقوق الإنسان، بل من تضامن تحرري مناهض للاستعمار، وهو ما عبّر عنه نيلسون مانديلا حين قال: "لن نكون أحرارًا حتى يتحرر الفلسطينيون"

بوسعنا أن نقف إلى جانب الفلسطينيين، في تضامن تحرري يستند إلى تاريخ مشترك من الاستعمار والاستيطان والاقتلاع القسري، وبوسعنا في الوقت ذاته أن نتصدى لتغييب النزاعات الأفريقية وما ينجم عنها من إزهاق للأرواح، ليس عبر بيانات التضامن المجردة، بل من خلال دراسات معمّقة، وبحث دؤوب، وحساسية فكرية، وإعادة تأمل في سبل تحقيق الطموحات التحررية الكبرى التي رفعتها أجيال ما بعد الاستعمار ممن وصلوا إلى السلطة في خمسينيات القرن العشرين وستينياته، لكنها بقيت، في أغلبها، وعودًا معلّقة.

من موقعنا الراهن في مسار التاريخ، بات بإمكاننا أن نتفق مع فرانز فانون في قوله إن حركات التحرر من الاستعمار كثيرًا ما افتقرت إلى "الجرأة على ابتكار المستقبل"، لأنها لم تستكمل فعلًا مشروع تفكيك البنى الاستعمارية. فالإرث الكولونيالي ما زال يُشكّل عُمق البنى السياسية، ويؤطر تصوّرات المواطنة والانتماء، ويُعيد إنتاج أنماط الصراع ذاتها في مجتمعات ما بعد الاستعمار، وإن بأشكال جديدة وأقنعة محلية.

ما ينبغي أن نتجنبه، هو أن يتحوّل قلقنا المشروع إزاء تغييب النزاعات الأفريقية في مرحلة ما بعد الاستعمار، وهو قلق نابع من تاريخ طويل من تهميش الحياة الأفريقية وتجريدها من إنسانيتها، إلى معادلة تنافسية نُفرز من خلالها، عن وعي أو دون وعي، من يستحق تضامننا ومن لا يستحقه.