تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 18 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

من غزة إلى السودان: التجويع كسلاح حرب

20 أغسطس, 2025
الصورة
من غزة إلى السودان: التجويع كسلاح حرب
Share

دفعت حرب السودان أكثر من عشرين مليون إنسان إلى هاوية انعدام الأمن الغذائي الحاد، فيما تُحرَق قوافل الإغاثة وتُخنق المدن بالحصار وتُدار الحياة اليومية بمنطق الندرة والقوة. لم يعد الجوع عرضًا جانبيًا للنزاع، بل صار أداةً متعمدة لإخضاع المجتمعات. وفي ذروة التحذيرات الدولية قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال قمة «نُظُم الغذاء» في إثيوبيا (28 يوليو/تموز): إن «النزاعات تواصل نشر الجوع من غزة إلى السودان وما بعدهما، ولا يجوز لنا مطلقًا قبول الجوع سلاحًا في الحرب». السودان، الذي كان يُعرَف يومًا بـ«سلّة غذاء شرق أفريقيا»، يواجه اليوم أسوأ أزمة جوع في القارة.

السودان على حافة المجاعة

اندلعت المواجهات في أبريل/نيسان 2023، عندما تمردت قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) على القوات المسلحة السودانية الموالية لعبد الفتاح البرهان. ومنذ ذلك التاريخ صار المدنيون الهدف الأسهل: ضربات بطائرات مسيّرة، وهجمات على غير المقاتلين، وتكتيكات «الأرض المحروقة» التي دفعت عشرات الآلاف للتنقل من مخيم إلى آخر. ومع تعطل المؤسسات الاقتصادية وتآكل القدرة الشرائية، يبيع الناس مدخراتهم الصغيرة، ويقترضون للبقاء يومًا إضافيًا، فيما تتحول المعونات إلى شريان حياة وحيد لا يبلغ الجميع.

المشهد اليومي يقول الكثير: أسر تقتات على وجبة واحدة رديئة القيمة، أمهات يخفين جوعهن ليبقين لقيمات لصغارهن، وأطفال يذبلون في صمت لأن الغذاء صار رهينة بيد المحتل

الخراب اللوجستي زاد الصورة قتامة. فالطرق التجارية التي كانت تربط دارفور بتشاد تقلّصت عمليًا إلى معبر حدودي واحد؛ تمر الشحنات عبره ببطء شديد وتستغرق أسابيع، ما يرفع الكلفة إلى مستويات لا تحتملها الأسواق المحلية. ومع اتساع رقعة العوز تتعاظم حدّة الخطر: فبحسب «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)»، تُعلَن المجاعة (المرحلة الخامسة) عندما تفتقر 20٪ على الأقل من الأسر إلى غذاء كافٍ، ويعاني 30٪ من الأطفال من سوء تغذية حاد، ويُسجَّل يوميًا أكثر من حالتي وفاة بين البالغين أو أربع وفيات بين الأطفال من كل عشرة آلاف بسبب الجوع أو الأمراض المرتبطة به. هذه ليست صيغًا تقنية على الورق؛ إنها مشاهد تتجسّد في طوابير طويلة أمام مخازن الإغاثة وعيادات مكتظة بأطفال هزيلين.

من غزة إلى السودان: التجويع كسلاح حرب

الفاشر.. مدينة تُجَوَّع تحت الحصار

في شمال دارفور تتلخص المعادلة في كلمة واحدة: الحصار. فمدينة الفاشر محاصَرة منذ أكثر من عام، لا أحد يدخل أو يخرج منها، والطرق المؤدية إليها تعج بنقاط تفتيش عنيفة، بحسب عمال إغاثة. لم تصل قوافل برنامج الأغذية العالمي إلى المدينة منذ بدء الحصار، وقفز سعر القمح إلى نحو 460٪ فوق المتوسط الوطني، ولجأت أسر كثيرة إلى أكل أعلاف المواشي. وفي 2 يونيو/حزيران هوجمت قافلة تضم 15 شاحنة تحمل مساعدات برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) إلى النازحين قرب الفاشر؛ أُحرقت المواد الغذائية، وقُتل خمسة من العاملين الإنسانيين. هكذا يُترجَم الحصار إلى تجويع مباشر.

خارج الفاشر لا يبدو المشهد أفضل. فقد سُجّلت أوضاع بمستوى المجاعة منذ ربيع 2024 في شمال وجنوب دارفور، وغرب وجنوب كردفان، وولاية الجزيرة، ومحيط الخرطوم. ومع تدمير واسع للبنية التحتية تصبح القدرة على الوصول إلى المحتاجين شديدة الصعوبة، وحتى حين تعبر قوافل محدودة يبقى نقص المياه والوقود عائقًا يحول دون طهي الحبوب وحفظ الغذاء. الأرقام القاسية تتكلم: أكثر من 150 ألف قتيل منذ اندلاع الحرب، وأكثر من عشرة ملايين نازح، واعتماد متزايد شبه كلي على المساعدات التي لا تجد طريقًا آمنًا. في الأشهر الخمسة الأولى من 2025 وحدها، عولج أكثر من 40 ألف طفل في شمال دارفور من "سوء التغذية الحاد الوخيم"، ضِعف العدد في الفترة نفسها من 2024، وفق تقارير أممية.

من غزة إلى السودان: التجويع كسلاح حرب

سياسيًا، أعلن الأمين العام للأمم المتحدة في 27 يونيو/حزيران أنه تواصل مع طرفَي النزاع لانتزاع هدنة إنسانية؛ ردّ البرهان بإيجاب، بينما لم يردّ حميدتي. لكن المسار الميداني ظل يتدهور يومًا بعد يوم.الأرقام الرسمية تُظهر أن المجاعة وصلت إلى أقصى مستوياتها (IPC Phase 5) في مناطق حول الفاشر، ما يؤكد وجود حالة "مجاعة حقيقية"، وليست مجرد خطر محتمل.

غزة.. مرآة أخرى للتجويع كسلاح حرب

لا يكتمل المشهد بلا غزة. فهنا يتجلى التجويع سلاحا للحرب في أوضح صوره. إسرائيل، بسياساتها القائمة على الحصار والإغلاق والتدمير الممنهج للبنية التحتية، تحوّل الطعام والماء إلى أداة ابتزاز جماعي. منذ سنوات، تُدار حياة الفلسطينيين تحت حصار طويل الأمد، لكن حرب الإبادة الأخيرة عمّقت هذا الحصار إلى مستوى تجويع منظم. تُمنَع شاحنات المساعدات من الدخول أو تُعطَّل على المعابر، وتُحرَق الشرايين الإنسانية بقرارات سياسية متعمدة، بينما تتوقف المخابز والمضخات بسبب شح الوقود وانقطاع الكهرباء.

لا يكتمل المشهد بلا غزة. فهنا يتجلى التجويع سلاحا للحرب في أوضح صوره. إسرائيل، بسياساتها القائمة على الحصار والإغلاق والتدمير الممنهج للبنية التحتية، تحوّل الطعام والماء إلى أداة ابتزاز جماعي

برنامج الأغذية العالمي أعلن مرارًا نفاد مخزوناته الأساسية، فيما تؤكد منظمات الأمم المتحدة أن سوء التغذية بلغ مستويات غير مسبوقة، خاصة بين الأطفال. هذه ليست أرقامًا محايدة، بل سياسة إسرائيلية ممنهجة لتطويع مجتمع كامل عبر التجويع. الطوابير أمام شاحنات المساعدات تحولت إلى مسرح دموي، حيث يُطلق الرصاص على الجائعين، وهم يركضون خلف كيس دقيق. المشهد اليومي يقول الكثير: أسر تقتات على وجبة واحدة رديئة القيمة، أمهات يخفين جوعهن ليبقين لقيمات لصغارهن، وأطفال يذبلون في صمت لأن الغذاء صار رهينة بيد المحتل.

لا تُخفي إسرائيل هذه السياسة، بل تبررها علنًا بحجة «الأمن»، وتوظفها ورقة تفاوضية في كل جولة. ما يجري في غزة ليس عَرَضًا من أعراض الحرب، بل هو استخدام سافر للتجويع كأداة قتال، يرقى إلى جريمة حرب مكتملة الأركان.

كسر لغة الجوع.. ما الذي يلزم الآن؟

تتشابه الآليات في المسرحين مع اختلاف التفاصيل: حصار يقطع الشرايين اللوجستية ويمنع مرور الغذاء والوقود والمياه؛ تدمير للبنية التحتية المدنية من مخازن ومخابز ومحطات ضخ وشبكات توزيع؛ ثم اقتصاد ظل يقوم على الاحتكار والغلاء، فيقصي الأضعف دائمًا عن السوق. بمرور الوقت تتشكل «بيئة جوع» تنتج طاعةً قسرية، وتكسر الروابط الاجتماعية، فيصير الحصول على كيس دقيق أو غالون ماء امتيازًا يُساوَم عليه، لا حقًا مضمونًا لكل إنسان.

غنيٌ عن القول، إن القانون الدولي الإنساني يحظر استخدام التجويع ضد المدنيين وسيلة للحرب، ويعدّه جريمةً تستوجب المساءلة. غير أن القاعدة القانونية تحتاج إلى أدوات تنفيذ حقيقية: ممرات إنسانية دائمة وآمنة، وضمان وصول الوقود والمياه والكهرباء مع رقابة مستقلة على التوزيع، وتمكين المنظمات من العمل من دون تدخل أو ابتزاز، وآلية مساءلة فعالة لا تميّز بين سلاحٍ يطلق رصاصةً وآخر يقطع الخبز عن موائد الناس. ذلك كله ينبغي أن يتزامن مع مساعٍ سياسية جدية لوقف إطلاق النار، لأن أي استجابة غذائية بلا تهدئة مستدامة ستظل مجرد إسعاف أولي في جرح مفتوح.

ما يجري في السودان وغزة هو استخدام منهجي للتجويع ضد المدنيين. في السودان يتحمّل طرفا النزاع مسؤولية حصار المدن وتعطيل الإغاثة، وما يترتب عليهما من تفاقم سوء التغذية والوفيات. وفي غزة تتحمّل إسرائيل مسؤولية سياسات الحصار والإغلاق التي حوّلت الغذاء والماء والوقود إلى أدوات ضغط على سكان مدنيين. هذا السلوك يرقى إلى جريمة حرب بموجب القانون الدولي الإنساني. المطلوب إجراءات محددة وملزِمة: فتح ممرات إنسانية دائمة وآمنة، ضمان إدخال الوقود والمياه والغذاء بلا قيود، حماية العاملين الإنسانيين، وآلية مساءلة تُطبَّق على كل من يعرقل الوصول. من دون هذه الخطوات ستُترجَم الحروب إلى مجاعات مستدامة، لا إلى تسويات.