تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 19 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

من أنياب الفيلة إلى بنادق الميليشيات.. كيف يُوظف العاج الأفريقي في الصراعات المسلحة؟

12 يونيو, 2025
الصورة
من أنياب الفيلة إلى بنادق الميليشيات.. كيف يُوظف العاج الأفريقي في الصراعات المسلحة؟
Share

في الوقت الذي تواجه فيه زيمبابوي تحديات بيئة متصاعدة بسبب زيادة عدد الأفيال في محمياتها الطبيعية، وهو ما دفعها مطلع يونيو/حزيران 2025 لإعلان إعدام مجموعة منها لتخفيف الضغط على مواردها البيئية، يمثل الصيد الجائر للحيوانات ذاتها أحد أكبر المشكلات الأمنية التي تواجه القارة، إذ يعد العاج المنتج من أنياب الفيلة ووحيد القرن الأفريقي أحد مصادر تمويل الصراعات المسلحة والجماعات المتطرفة المنتشرة في مواقع مختلفة من القارة.

العاج في خدمة الإرهاب

على الرغم من تكرار السلطات في زيمبابوي لمزاعم الزيادة المطردة في أعداد الحيوانات؛ إلا أن اتهامات الصيد الجائر الذي توظف عوائده لأغراض غير قانونية لا تزال تلاحق مسؤوليها وكبار موظفيها، وسط مزاعم بأنها تصب في النهاية لخدمة الجماعات الإرهابية المنتشرة في مواقع قريبة من الحدود الزيمبابوية، مثل حركة الشباب التي تنشط في الجارة موزمبيق.

وعطفا على ذلك يجادل الباحث، غريغوري يغيتكورت، في دراسته المعنونة بـ"الاتجار بالعاج كأداة لتأجيج الصراعات في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى" بأن هناك علاقة مؤكدة بين نشاط تجارة العاج غير المشروعة وأنشطة الجماعات الإرهابية والجماعات المسلحة في القارة الأفريقية.

يقول الباحث إن عمليات تهريب العاج الأفريقي المأخوذ من أنياب الفيلة وأفراس النهر، تتم من خلال الصيادين غير الشرعيين وأفراد الجماعات المسلحة، لاسيما في مناطق وسط وغرب وشرق القارة، مشيرًا إلى أن زيادة الوجود الآسيوي في المنطقة ساهم إلى حد كبير في الفعالية التشغيلية للمجرمين في هذه المناطق، حيث تباع هذه المنتجات بطرق سرية إلى بلدان آسيوية يزداد فيها الطلب على العاج.

خطر الإرهاب لا يقف على حد تهديد أمن واستقرار المجتمعات، بل يمتد للحياة البرية والبيئية التي باتت مهددة بسبب أنشطة الإرهاب في مواقع متعددة في أفريقيا، حيث شجعت حركة الشباب عددًا من المزارعين والقرويين على الحدود الصومالية الكينية لصيد وحيد القرن

يشير إلى أن العاج المهرب ينقل إلى سواحل القارة الشرقية عبر طرق صحراوية معقدة، وعادة ما تكون وجهته الصين أو سنغافورة أو بريطانيا، وأنه يستخدم في صناعة الحلى، كما أن بعض المجتمعات المحلية في آسيا تستخدمه في إنتاج مواد علاجية.

يؤكد الباحث أنه عادة ما تعجز إدارات المحميات الطبيعة عن حماية الحيوانات المنتشرة فيها، وفي مقدمتها الفيلة، لاسيما في البيئات التي تشهد صراعات مسلحة أو انفلاتا أمنيا، وهو ما يوفر فرصًا كبيرة للصيادين غير الشرعيين والميليشيات المحلية لصيد الحيوانات البرية، والتي تتحول في النهاية لأداة لاستدامة العنف.

يشير إلى أن أبرز الجماعات المتورطة في هذه التجارة غير المشروعة هي: حركة الشباب وبوكو حرام وجيش الرب للمقاومة والجنجويد، لافتا إلى أنها تستخدم عوائد هذه التجارة كمورد تمويلي لأنشطتها، مطالبا بضرورة تضافر الجهود وزيادة التعاون الدولي للتصدى لمثل هذه الأنشطة.

يتفق مع هذا الطرح أنطون بيز، الباحث المتخصص في العلاقات الدولية، والذي يشير إلى أن التجارة غير المشروعة في العاج أصبحت مصدرا مهما للدخل للجماعات المسلحة في جميع أنحاء القارة الأفريقية، من بينها حركة الشباب وميليشيا الجنجويد وكذلك جيش الرب للمقاومة.

في سياق متصل يقول الدكتور تيم فيتيغ، الباحث في مركز دراسات العولمة في جرونينجن (GSG)، إن الجماعات المسلحة في أفريقيا لا تعتمد على الفيلة والحيوانات البرية للتمويل فقط، مشيرا في مقال له إلى أن هذه الجماعات انخرطت في عمليات صيد جائرة للحيوانات البرية، بغرض إطعام مقاتليها، كما أن الأدلة المتاحة تشير إلى وجود بعض التداخلات المهمة في الشبكات الإجرامية والمالية التي يستخدمها كلا من مُتاجري العاج والجماعات الإرهابية.

ويوضح أنه جرى توثيق تعاملات تجارية بين تجار العاج النشيطين في شرق أفريقيا مع بعض مُقدمي التحويلات المالية الصوماليين المتورطين في تمويل أنشطة الإرهاب في السابق، كما تشير المعلومات إلى أن خلايا صغيرة من المتطرفين المتمركزين على طول الساحل في "كينيا وتنزانيا وموزمبيق"، وهي إحدى المناطق الرئيسية لتصدير العاج غير المشروع، على صلة بشبكات التهريب عبر الحدود نفسها على طول طرق التهريب البرية والبحرية التي يستخدمها مُتاجرو العاج.

يقول الباحث إن ثمة تقارير تفيد بتهريب العاج عبر أراضي الجماعات الإرهابية في أفريقيا، بما في ذلك حركة الشباب وبوكو حرام والجماعات الجهادية في مواقع مختلفة من القارة، مشيرا إلى أنه في ظل الصراعات وغياب الدولة تصبح الفيلة مصدرًا للدخل الإضافي للمقاتلين والمدنيين على حدٍ سواء.

تتطابق هذه المعلومات مع ما أورده تقرير صادر عن المعهد الملكي للخدمات المتحدة لدراسات الدفاع والأمن، والذي يشير إلى أن هناك مجموعة من الأدلة تشير إلى تورط جماعات إرهابية في القارة الأفريقية بصيد وحيد القرن والاتجار غير المشروع في العاج المنتج من قرونه.

يسلط التقرير الضوء على حملات أمريكية تبنتها جمعيات حقوقية للتصدي لهذه الأنشطة، مشيرا إلى أن خطر الإرهاب لا يقف على حد تهديد أمن واستقرار المجتمعات، بل يمتد للحياة البرية والبيئية التي باتت مهددة بسبب أنشطة الإرهاب في مواقع متعددة في أفريقيا، حيث شجعت حركة الشباب عددًا من المزارعين والقرويين على الحدود الصومالية الكينية لصيد وحيد القرن، وبيع العاج عبر الشواطئ الصومالية.

عوائد ضخمة تهدد تنوع أفريقيا البيولوجي

يستدل الباحث فيتيغ في دراسته السابقة بأن الصراعات المستمرة في جمهورية الكونغو الديمقراطية وجنوب السودان على سبيل المثال أدت إلى تدمير أعدادا هائلة من الأفيال في هذين البلدين، حيث فقدت منطقة وسط أفريقيا 62٪ من أعدادها في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وفي أنغولا وموزمبيق لا يزال دعاة الحفاظ على البيئة يكافحون من أجل إنقاذ الأفيال هناك، حيث يمتد أثر الصراع البشري على الفيلة إلى ما هو أبعد من ساحة المعركة.

لا تقف التهديدات على الصيد الجائر للحيوانات، إذ تمثل الصراعات المسلحة ذاتها أحد أكبر المهددات للحياة البرية، ففي جمهورية جنوب السودان تتعرض آلاف الحيوانات للموت بسبب الألغام الأرضية المنتشرة في مواقع الأحداث، وتزداد المخاطر في ولايات جونقلي والوحدة وأعالي النيل، وهو ما يتلاقى مع تقارير مماثلة تؤكد أن أنواع الثدييات الكبيرة المهددة بالانقراض، مثل: وحيد القرن والفيلة وغوريلا الجبال، تتعرض للتهديد بسبب الألغام الأرضية والقنابل وقذائف المدفعية والذخائر غير المنفجرة ومخلفات المتفجرات والقنابل اليدوية.

هذه الجماعات انخرطت في عمليات صيد جائرة للحيوانات البرية، بغرض إطعام مقاتليها، كما أن الأدلة المتاحة تشير إلى وجود بعض التداخلات المهمة في الشبكات الإجرامية والمالية التي يستخدمها كلا من مُتاجري العاج والجماعات الإرهابية

وبدلا من أن يعمل الحظر الدولي على تقليص الاتجار غير المشروع في العاج، أغرت الأسعار المرتفعة الجماعات الخارجة عن القانون للانخراط في مثل هذه العمليات، وكذلك بعض الجهات الرسمية، من بينها جنود وضباط من الكونغو الديمقراطية والسودان وجنوب السودان وأوغندا. إذ تشير بعض التقديرات إلى وصول سعر الطن الخام من العاج إلى 5.5 مليون دولار للطن الخام، بينما تقدر التجارة السنوية للعاج بنحو 3 مليارات دولار.

لا تتوقف عمليات الصيد الجائر والاعتداء على الموارد على حد الاشتغال بتجارة العاج المحظورة دوليا، حيث تقول الباحثة ناتاشا وايت، المتخصصة في دراسات الصراع بمركز جنيف للصراع والتنمية وبناء السلام، إن الأمر لا يتوقف على العاج بل جرى توظيف الحياة البرية بشكل عام للإنفاق على الصراعات المسلحة في أفريقيا، مؤكدة أن بعض التقارير تشير إلى أن حجم هذه التجارة غير المشروعة يتراوح بين 7.8 و 10 مليارات دولار أمريكي، ويأتى في مقدمتها العاج الذي ينافس الكوكايين والذهب من حيث القيمة بالوزن، حتى أنه بات يعرف بـ"عاج الدم".

لا تقف التهديدات على الصيد الجائر للحيوانات، إذ تمثل الصراعات المسلحة ذاتها أحد أكبر المهددات للحياة البرية، ففي جمهورية جنوب السودان تتعرض آلاف الحيوانات للموت بسبب الألغام الأرضية المنتشرة في مواقع الأحداث

وتضيف أن الموارد الأفريقية تشكل دوافع العنف في بعض المناطق، وتغذي سلوك الجماعات المسلحة، وترسم مدد الصراع وليس فقط بدايته، وأن وجود هذه الموارد يوفر للجماعات المتمردة القدرة على توسيع نطاق الأعمال العدائية والاستفادة منها.

الوقائع السابقة تشير إلى أن استمرار معدلات الصيد الجائر للفيلة عند مستوياتها الحالية، يمكن أن يقضي على رصيد القارة من التنوع البيولوجي، إذ تشير تقارير إلى أن خُمس الفيلة الأفريقية مهدد بالانقراض خلال السنوات العشر المقبلة.

جهود دولية عاجزة عن المواجهة

تشير الأرقام إلى أنه خلال الفترة بين عامي 2009 و2019 قتل نحو 170 ألف فيل أفريقي، وأنه بسبب عمليات الصيد الجائر تراجعت أعداد الفيلة بشكل ملحوظ في كلا من "الكاميرون والكونغو والغابون وتنزانيا"، والتي وصلت إلى نصف مليون فيل بعد أن كانت الأعداد تقدر بحوالي 26 مليون فيل خلال القرنين الماضيين.

أمام التهديدات المتفاقمة للحياة البرية، أقدمت جهات دولية وإقليمية على مواجهة أنشطة الاتجار في العاج والحياة البرية بشكل غير مشروع، والتي من بينها الاتحاد الأفريقي، حيث عقد مجلس السلم والأمن دورته 1246 لمناقشة تعزيز آليات الحد من الاستغلال غير القانوني للموارد الطبيعية من قبل الجماعات المسلحة والإرهابية في أفريقيا، والتي ناقشت تعزيز سبل التعاون القاري للتصدي لمثل هذه الأنشطة.

كما اعتمد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، عدد من القرارات الرامية للتصدى لهذه الظاهرة التي تمثل تحديا أمنيا وبيئيا متصاعدا، بما في ذلك القرارات 2195 (2014) و2462 (2019) و 2482 (2019)، التي اعترفت بالاستغلال غير المشروع للموارد الطبيعية كمصدر لتمويل الجماعات المسلحة والإرهابية وكذلك الشبكات الإجرامية، إلا أن هذه الجهود لا تزال عاجزة عن مواجهة واحدة من أكبر المشكلات الأفريقية المعقدة.