تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 7 يونيو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

من الوصاية إلى الاستثمار.. هل تتحدث الدبلوماسية الفرنسية "الإنجليزية"؟

19 مايو, 2026
الصورة
من الوصاية إلى الاستثمار.. هل تتحدث الدبلوماسية الفرنسية "الإنجليزية"؟
Share

اتجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قبل عام واحد من إسدال الستار على ولايته الرئاسية الأخيرة، نحو شرق القارة الأفريقية، في جولة دبلوماسية توجّت بقمة رفيعة المستوى تحت شعار "أفريقيا إلى الأمام: شراكات أفريقيا وفرنسا من أجل الابتكار والنمو"، القمة التي احتضنتها نيروبي يومي 11 و12 مايو/أيار الجاري، جاءت بتعاون وثيق مع كينيا وبرعاية من الاتحاد الأفريقي، لتعكس رغبة باريس في إعادة صياغة تحالفاتها الاقتصادية والتنموية في المنطقة.

تندرج هذه الاستدارة الاستراتيجية نحو شرق أفريقيا في سياق محاولة فرنسية علنية للالتفاف على خسائرها الجيوسياسية في دول الساحل والغرب الأفريقي؛ وتجاوز إرث "أفريقيا الفرنسية" (Françafrique) المتآكل. هكذا، تسعى باريس عبر هذه المقاربة الجديدة المستندة إلى مراجعة الاستراتيجية الوطنية لباريس حتى عام 2030، لبناء شراكات مستدامة مع الاقتصادية الصاعدة الناطقة بالإنجليزية، متحررة من عقدة الذنب الاستعمارية والحساسيات التاريخية، بالاعتماد على الاستثمار المشترك لتطوير النفود الفرنسي وتجاوز تراجع الدبلوماسي في دول الساحل الغربي لأفريقيا.

هل تنجح باريس في صياغة شراكات ندّية حقيقية تتجاوز بها إرثها التاريخي في القارة، أم أن هذه الاندفاعة نحو الشرق الأفريقي ليست سوى محاولة تكتيكية لتعويض النفوذ الآخذ في الأفول غربا؟

بين الاضطرار الجيوسياسي في الغرب والتطلع الاستراتيجي في الشرق، ترسم هذه الجولة ملامح حقبة جديدة في العلاقات الفرنسية-الأفريقية، ما يثير تساؤلا جوهريا حول مدى قدرة الدبلوماسية الفرنسية على فرض مقاربتها الجديدة في بيئة إقليمية باتت تشهد تنافسا دوليا محتدما؛ فهل تنجح باريس في صياغة شراكات ندّية حقيقية تتجاوز بها إرثها التاريخي في القارة، أم أن هذه الاندفاعة نحو الشرق الأفريقي ليست سوى محاولة تكتيكية لتعويض النفوذ الآخذ في الأفول غربا؟

من الوصاية إلى الاستثمار: لغة المصالح الباردة

شكّلت العاصمة الكينية نيروبي المحطة المركزية في جولة ماكرون الأفريقية، حيث ترأس بالاشتراك مع نظيره الكيني، ويليام روتو، أعمال قمة "أفريقيا للأمام"، التي تكتسب أبعادا استراتيجية غير مسبوقة؛ كونها أول قمة فرنسية أفريقية تُعقد في دولة ناطقة بالإنجليزية منذ عام 1973. هذا التحول الجغرافي والسياسي يترجم رغبة باريس الجادة في تنويع تحالفاتها الإقليمية، والانفكاك من أسر الفضاء الفرونكوفوني التقليدي المأزوم، عبر الاعتماد على نيروبي بوصفها مركزا ماليا وتكنولوجيا صاعدا، ومحورا لسيلكون السافانا سوف يتيح للشركات الفرنسية ولوج أسواق استهلاكية جديدة في شرق القارة.

اقتصاديا، أعلن ماكرون عن حزمة استثمارات ضخمة بلغت قيمتها 27 مليار دولار (ما يعادل 23 مليار يورو) بتمويل مشترك من القطاعين العام والخاص الفرنسي والأفريقي. وذلك بهدف دعم قطاعات حيوية واستراتيجية تشمل الطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية والزراعة، وسط توقعات واعدة بأن تسهم هذه المشاريع في خلق نحو 250 ألف فرصة عمل مباشرة في المنطقة، ما يمنح الشراكة بعدا تنمويا ملموسا.

شهدت القمة إلى جانب الوعود التمويلية توقيع اتفاقيات ثنائية وعقود استثمارية نوعية، تصدرها استثمار بقيمة 700 مليون يورو من مجموعة الشحن الفرنسية العملاقة (CMA CGM) لتطوير وتشغيل الحاويات في ميناء مومباسا. علاوة على ذلك، أثمرت القمة عن إبرام شراكات بيئية وصحية نوعية لحماية الأنظمة البحرية في كل من تنزانيا وكينيا، مما يرسخ المقاربة الفرنسية الجديدة القائمة على تنويع الشركاء، وتوسيع نطاق الاستثمار ليشمل منطقة شرق أفريقيا برمتها، بديلا عن التموضع التقليدي في الغرب الأفريقي.

تسعى باريس لبناء شراكات مستدامة مع الاقتصاديات الصاعدة الناطقة بالإنجليزية، متحررة من عقدة الذنب الاستعمارية والحساسيات التاريخية، بالاعتماد على الاستثمار المشترك لتطوير النفوذ الفرنسي وتجاوز تراجعه الدبلوماسي في دول الساحل الغربي لأفريقيا

يمثل انعقاد القمة محاولة باريسية جادة لطرح مقاربة سياسية واقتصادية مغايرة، تتجاوز من خلالها إرث الوصاية والمساعدات الذي لازم الحضور الفرنسي في أفريقيا، نحو نموذج جديد يرتكز على التشبيك بين القطاعين الخاصين الفرنسي والأفريقي. ورغم أن الأرقام المعلنة بدت ضخمة إلا أن تفكيك المشهد الجيوسياسي يشي بأهداف أكثر عمقا وبراغماتية. فالتوجه الفرنسي نحو نيروبي لا يمكن اختزاله في إعجاب سياسي بالطفرة الرقمية هناك، بقدر ما يندرج ضمن هندسة وقائية لحماية النفوذ والاستثمارات في حوض لامو الاستراتيجي.

صراع الفيلة.. أين تقف باريس في الشرق الأفريقي؟

تؤسس الاستراتيجية الفرنسية في أفريقيا لنمط جديد من الدبلوماسية العملية القائمة على الفاعلية الاقتصادية؛ فالمقاربة الجيوستراتيجية لباريس أصبحت تتجاوز المعطى التاريخي المرتبط بـ "أفريقيا الفرنسية"، لتتجه صوب الأسواق الواعدة والأكثر وزنا في القارة، حتى وإن كانت خارج مظلتها اللغوية التقليدية. دشنت باريس هذا التحول البنيوي في نيجيريا عام 2018 مع زيارة ماكرون غير التقليدية للاغوس، والتي عكست رغبة فرنسية في تنويع قنوات نفوذها من خلال استهداف النخب الاقتصادية الناشئة وقطاع ريادة الأعمال والمبدعين الشباب.

لم يتأخر التجاوب النيجيري مع هذه الديناميكية، إذ شكلت زيارة الدولة التي أجراها الرئيس بولا تينوبو إلى فرنسا، بعد عام واحد من صعوده إلى السلطة، كسرا لجمود دبلوماسي استمر 24 عاما. خطوة لا تُقرأ في سياق العلاقات الثنائية فحسب، بقدر ما تمثل إعلانا صريحا عن تدشين حقبة جديدة من المصالح المتبادلة، العابرة للمربعات السياسية التقليدية في غرب أفريقيا، حيث أضحت اليوم الشريك التجاري الأول لفرنسا في أفريقيا جنوب الصحراء.

إن نجاح هذا السيناريو في الغرب الأفريقي شكّل دافعا لباريس لمحاولة استنساخ المقاربة ذاتها في شرق القارة. غير أن فرنسا تصطدم هناك بواقع جيوسياسي أكثر تعقيدا وضراوة؛ فخلافا لغرب أفريقيا الذي يحظى بخصوصية تاريخية ونفوذ تقليدي لباريس، تفتقر فرنسا في الشرق لأي مزايا استراتيجية مسبقة تمنحها تأثيرا تلقائيا. عوضا عن ذلك، تجد باريس نفسها مضطرة للانخراط في ساحة شديدة الاستقطاب، تزدحم بـتدافع القوى الدولية والإقليمية الكبرى.

تندرج هذه الاستدارة الاستراتيجية نحو شرق أفريقيا في سياق محاولة فرنسية علنية للالتفاف على خسائرها الجيوسياسية في دول الساحل والغرب الأفريقي؛ وتجاوز إرث "أفريقيا الفرنسية" المتآكل

يمكن قراءة قمة "أفريقيا للأمام" باعتبارها محاولة فرنسية حثيثة لضمان موطئ قدم استراتيجي في الخارطة الاقتصادية والسياسية الناشئة للقارة، تعويضا عن تراجع نفوذها التقليدي من ناحية، وخطوة لتعزيز الحماية لمصالحها الاقتصادية بالمنطقة من ناحية أخرى. وقد تقاطعت هذه المساعي مع الطموحات الإقليمية للرئيس الكيني وليام روتو، الذي يسعى لتوظيف التقارب مع باريس لتقديم بلاده قائدا إقليميا، مشكّلا بذلك جسرا يربط القارة الأفريقية بالمنظومة الغربية وفق "مقاربة ندّية" تفرض شروطا جديدة للتعاون.

تدخل باريس خط المواجهة الجيوسياسية في شرق القارة الأفريقية لتجد نفسها في خضم بيئة استراتيجية شديدة التنافسية؛ إذ تصطدم أولا بالنفوذ الصيني المتجذر، والذي يمسك بمفاتيح البنية التحتية الكينية عبر رافعتي الديون والمشاريع الاستثمارية الضخمة. ولا يقتصر التحدي على بكين، بل يمتد ليشمل الولايات المتحدة التي تتبنى مقاربة أمنية ترى في دول شرق أفريقيا شريكا محوريا في مكافحة الإرهاب بالقرن الأفريقي، وضمان أمن البحر الأحمر. يضاف إلى ذلك التحرك البراغماتي لكل من تركيا وروسيا، اللتين تعملان بمرونة عالية لملء أي فراغ استراتيجي تخلّفه القوى الغربية التقليدية.

تظهر المحاولة الفرنسية لإعادة صياغة استراتيجيتها الأفريقية أن هذا التوجه يمثل خيارا وجوديا فرضته التحولات الهيكلية داخل القارة، لاسيما بعد خسارة باريس لرافعات نفوذها التقليدية في الغرب الأفريقي. مع أن الانفتاح على نماذج براغماتية جديدة، مثل: نيجيريا وكينيا يمنح الدبلوماسية الفرنسية مرونة إضافية، فإن نجاح هذا التحول البنيوي يظل مشروطا بقدرة باريس على الصمود في وجه الصراعات المتصاعدة داخل القارة.

تمثل قمة نيروبي والتوجه نحو شرق القارة محاولة فرنسية جادة للاستثمار في المستقبل بدلا من البكاء على أطلال الماضي في الساحل وغرب أفريقيا. تسعى باريس من خلال تبني لغة المصالح الباردة وضخ مليارات الدولارات في قطاعات حيوية كالذكاء الاصطناعي والبنية التحتية، لابتكار صيغة نفوذ مرنة. ومع ذلك، فإن نجاح هذا التوجه البنيوي سيبقى مشروطا بمدى تقبل العواصم الأفريقية الصاعدة لهذه الندية المفترضة، في قارة أصبحت خياراتها متعددة، ولم يعد التاريخ يمنح فيها أحدا صكوك نفوذ مجانية.