تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

من التطبيع إلى قوافل المساعدات: كيف انتهت قصة التطبيع الموريتاني ـــ الإسرائيلي مبكرًا؟

13 سبتمبر, 2026
الصورة
من التطبيع إلى قوافل المساعدات: كيف انتهت قصة التطبيع الموريتاني ـــ الإسرائيلي مبكرًا؟
Share

في يونيو 2025، بينما كانت "قافلة الصمود" تشق طريقها من تونس نحو معبر رفح، لكسر الحصار الإسرائيلي عن قطاع غزة، كان الموريتانيون على رأس القافلة بمشاركة رسمية وشعبية وازنة، ضمت كوكبة من السياسيين والأطباء والناشطين، من بينهم النائب البرلماني ورئيس تنسيقية الوفد الموريتاني المرتضى ولد اطفيل، إلى جانب الناشطين الشيخ السعيدي، والصحفي محمد عبد الله المصطفى، والمدون عبد الناصر بيب، والطالب المختار الشريف، فيما أسندها عالم الدين الموريتاني البارز محمد الحسن ولد الددو، بالحض على "المشاركة بالنفس والمال لكسر الحصار".

هذه المشاركة التي حظيت بدعمٍ وتمكينٍ محليّ من القوى السياسية والمدنية في موريتانيا رغم أنها لم تصل إلى وُجهتها الأخيرة، لم تكن إلا محطةً في مسارٍ طويل مرّ بمنعطفٍ مختلفٍ تمامًا، حين كانت موريتانيا يومًا ما ثالث دولةٍ عربيةٍ تُقيم علاقاتٍ دبلوماسيةً كاملة مع إسرائيل، بل وتخُط إحدى قصص نجاح الدبلوماسية الإسرائيلية في العالم العربي.

بين هذه المحطة وذاك المنعطف، مسافة ربع قرنٍ ويزيد، انتقلت خلالها نواكشوط من شريكٍ سياسي وأمني لتل أبيب إلى واحدةٍ من أكثر الدول حضورًا وإسنادًا للقضية الفلسطينية، رسميًا وشعبيًا، وما بينهما تُحاول هذه السطور مراجعة التجربة الموريتانية ضمن سياقٍ أفريقي أوسع، بافتراضها مختبرًا مبكرًا لفهم هشاشة التطبيع الأفريقي مع إسرائيل عمومًا، ومقارنتها بواقع كلٍ من السودان الذي وقع اتفاقيات أبراهام عام 2020، وصوماليلاند التي دخلت دوامة التطبيع على وقع الإبادة.

من الحليف إلى القُربان

على طرف خارطة الوطن العربي الكبير، تقع الجمهورية الإسلامية الموريتانية، بتعداد سُكانها الذي يتجاوز 5.46 مليون نسمة، وبتحدياتٍ اقتصادية واجتماعية وسياسية جمة، يقف على رأسها مُعدل فقرٍ يتجاوز 31٪ بين صفوف الشباب، وإرثٌ تاريخي من الرق والتمييز الطبقي الاجتماعي، واضطرابات متصاعدة مع الجوار الإقليمي من مالي وحتى الجماعات المسلحة المتشددة.

كلٌ تحدٍ من هذه التحديات كان محركًا لقرار الرئيس الموريتاني، معاوية ولد سيدي أحمد الطايع، إطلاق مسارٍ للتطبيع مع تل أبيب نهاية التسعينيات، يُضاف لها تراجع الدفء الدبلوماسي مع باريس، لتُصبح إسرائيل حليفًا جديدًا قادرًا على مد الجسور الموريتانية نحو واشنطن، وتأمين قسطٍ وافر من الأمن لنظامٍ مستبد، ومن الدعم الاقتصادي والتقني لدولةٍ تُعاني الفقر وشُح فرص العمل.

هكذا انطلقت أولى خطوات التطبيع، لكنها وللمفارقة لم تبدأ من نواكشوط، إذ نشأ الاتصال الرسمي الأول بين وزير الخارجية الموريتاني محمد سالم ولد الأكحل، ووزير الخارجية الإسرائيلي شمعون بيريز في منتصف 1995 في إسبانيا، قبل أن يُعقد لقاءٌ آخر مع نائب وزير الخارجية الإسرائيلي في عمان.

تلاه تعيين غابريل أزولاي مكلفًا بالأعمال في المكتب الإسرائيلي "لرعاية المصالح" في سفارة إسبانيا بنواكشوط، فمشاركةٌ إسرائيلية أكاديمية في مؤتمر للعلوم بجامعة نواكشوط عام 1997، ومن ثم انخراطٌ مباشر لوزير الخارجية الشيخ العافية ولد محمد خونة (الذي زار إسرائيل عام 1998 ثٌم عين على إثرها رئيسًا للوزراء)، ليتلقفها من بعده وزير الخارجية أحمد ولد سيد أحمد، بإشرافٍ أمريكي رسمي عبر وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت، التي كللت جهودها بزيارة لنواكشوط بعد الإعلان الرسمي عن التطبيع عام 1999.

لم يطل المقام طويلًا حتى بدأت مظاهر التطبيع "أو مكاسبه وفق الداعمين له" تحِل على موريتانيا، بدءًا بما وصفته أولبرايت "التقدير الأمريكي"، الذي عكس تحسنًا في العلاقات الأمريكية - الموريتانية، وعودة التعاون العسكري والتدريب، وتأمين تخفيف عبء الديون بموجب مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون، والحصول على مجموعة من المزايا التجارية الأمريكية بموجب قانون النمو والفرص في أفريقيا.

بين هذه المحطة وذاك المنعطف، مسافة ربع قرنٍ ويزيد، انتقلت خلالها نواكشوط من شريكٍ سياسي وأمني لتل أبيب إلى واحدةٍ من أكثر الدول حضورًا وإسنادًا للقضية الفلسطينية، رسميًا وشعبيًا

بينما كانت المكاسب الاسرائيلية غايةً في الشًح، إذ نفذ مركز التعاون الدولي الإسرائيلي "مشاف" التابع لوزارة الخارجية مشروع "العيون والرعاية الطبية"، شمل فحص 250 مريضا مع تقديم بعض المعدات الطبية من إسرائيل، هناك أيضًا دعم تأسيس المركز الوطني لعلاج السرطان في نواكشوط، الذي توقفت أعمال إنشائه مبكرًا عام 2006 - إثر تعثُر التطبيع-، قبل أن يُستكمل إنشاؤه وطنيًا وبالتعاون مع جهاتٍ دولية لا يد لإسرائيل بها، مثل: الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومنظمة الصحة العالمية، وذلك عام 2008، ليُفتتح عام 2010 تحت اسم "المركز الوطني للأورام"، وتبدأ وحدة العلاج الإشعاعي فيه بالعمل عام 2012.

في القائمة؛ مشاريع الري والتنقيط والزراعة في منطقة شمامة جنوب موريتانيا، والتي كانت على شكل دورات تدريبية وأعمالٍ تعاونية، ومشاريع زراعة البطاطس في منطقة النهر، ومشروع حماية واحات النخيل، تحت مظلة "برنامج الأمم المتحدة لمكافحة التصحر"، لكنه أُغلق بعد فترةٍ وجيزة إذ أُصيبت الواحات بمرضٍ محلي يُعرف بـ "البيوط"، بالإضافة لمشاريع التدريب والتطوير (3 دورات تدريبية و8 مشاركين موريتانيين عام 2000!).

فيما حظي الإسرائيليون بالحصة الكُبرى من الجائزة، إذ فُتحت الأسواق الموريتانية أمام منتجاتهم، مثل: أجهزة الاتصالات والتمور المعلبة والأدوية، بعد رفع المقاطعة الثانوية والثالثة عنها، وهو ما أشار له وزير الخارجية الإسرائيلي ديفيد ليفي حين قال: "إسرائيل ستستفيد من استبدال جدران الخوف بتدفقات المعلومات والتجارة".

كما تقاطر الخبراء الأمنيون والاستخباريون الإسرائيليون على موريتانيا، بالتزامن مع استخدام الصحراء الموريتانية لإجراء تجارب صاروخية بعيدة المدى، فيما كشفت تسريباتُ للمعارضة الموريتانية عن دفن نفايات نووية إسرائيلية في منطقة "لمريه" جنوب نواكشوط قرب الحدود المتاخمة لمالي، شُحنت جوًا عبر مطار تجكجه، وبحرًا عبر ميناء نواذيبو، وهو ما نفته الحكومة الموريتانية في حينها، قبل أن تُؤكد المحكمة العُليا في لندن صحته.

بمثل هذه المكاسب، بدا التطبيع الموريتاني نموذجيًا لإسرائيل، إذ احتفلت المستويات الرسمية والسياسية بـ"الاستقلال الإسرائيلي" على أنقاض النكبة الفلسطينية، وفُتحت مطارات موريتانيا لزيارات وفود الكنيست الإسرائيلي، وأُسست لجانٌ لدعم التطبيع مع إسرائيل، وتكررت الزيارات واللقاءات الدورية الموريتانية لإسرائيل، وتلقت النقابات دعواتٍ لفعالياتٍ مشتركة، وقمعت الشرطة المحتجين والرافضين للتطبيع، وحاكمت أجهزة الدولة معارضيه، فيما تواصلت رسائل تأكيد الولاء للتطبيع حتى بعد انقلاب 2005، وبدا أن الدفء مع إسرائيل قدر موريتانيا المحتوم.

حتى عام 2007، حين أطلقت الأحزاب الموريتانية دعايتها الانتخابية على أرضية قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، ما شكّل ضغطًا على الرئيس الموريتاني، سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله حينها، الذي وعد بترك الموضوع للاستفتاء الشعبي وطرحه على البرلمان والمجتمع المدني، دون أن يفي بوعده.

منذ ذلك الوقت حتى مطلع 2008، تعاظمت ضغوط الأحزاب السياسية والقوى الشعبية، إلى الحد الذي دفع برئيس البرلمان مسعود ولد بالخير لدعوة الرئيس لإعادة النظر في العلاقات مع إسرائيل، قبل أن تتعرض السفارة الإسرائيلية في الأول من فبراير لهجومٍ مسلح، كان مقدمةً لصعود محمد ولد عبد العزيز إلى رأس السلطة، بعدما كلفه رئيس الجمهورية الشيخ عبد الله بإدارة الملف الأمني، وترأس حملة اعتقالٍ ضد نشطاء التيار السلفي، انتهت بانقلاب على رئيس الجمهورية نفسه، وتشكيل هيئة "المجلس الأعلى للدولة".

قبل أن يستلم محمد ولد عبد العزيز رئاسته عبر الانتخابات -إثر اتفاق دكار- قدّم العلاقات مع إسرائيل قربانًا لولايته، إذ كانت موريتانيا وعلى مدى ثلاثة أشهر، من يناير حتى مارس/آذار 2009، قد انتقلت من حالة تجميد العلاقات -احتجاجًا على الحرب على غزة- إلى استدعاء سفيرها من إسرائيل، وصولًا إلى طرد موظفي السفارة الإسرائيلية في نواكشوط وإمهالهم 48 ساعة لمغادرة موريتانيا.

لينتهي ملف الدبلوماسية الملغومة كاملًا بقطيعة معلنة بعد وصول محمد ولد عبد العزيز إلى السلطة، حين أعلنت وزيرة الخارجية الناها بنت حمدي ولد مكناس في 20 مارس/آذار 2010 في تجمع جماهيري أن بلادها "قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع دولة إسرائيل بشكل نهائي"، ليُبلغ الرئيس ولد عبد العزيز، بعدها بأيامٍ، السفير الفلسطيني رسميًا بأن القرار جاء "تلبية لمطالب الشعب الموريتاني وتضامنًا مع القضية الفلسطينية".

غزة والشرعية الداخلية للتطبيع

يقرأ الباحث السوداني المختص في الشؤون الأفريقية، محمد تورشين، في حديثٍ خاصٍ له مع "جيسيكا" الموقف الموريتاني الرسمي من التطبيع، وتغيره بين رئيسٍ وآخر، باعتباره تذبذبًا في حسابات الشرعية والمكاسب السياسية والاقتصادية، فإقدام نظام ولد الطايع "الذي لم يكن يتمتع بالشرعية السياسية الكاملة" على التطبيع، كان رغبةً في تأكيد تحالفه مع الغرب والولايات المتحدة خاصةً بعد تآكل مكانته الدولية والعربية عقب تأييده غزو العراق للكويت.

لكن المكاسب، بحسب تورشين، لم تتحقق، فلا الاستثمارات أنعشت الاقتصاد، ولا استطاعت موريتانيا الحصول على التكنولوجيا المرجوة، بينما ظلت السفارة الإسرائيلية في نواكشوط مكانًا للتظاهر والاحتجاجات على مدى سنوات، ما أسهم في تآكل شرعية النظام وصولًا إلى انهياره في انقلاب 2005.

للمرة الأولى تحولت غزة من قضية تضامن خارجي إلى أداة تفاوض على الشرعية الداخلية، وهو النمط نفسه الذي سيتكرر بشكل أكثر حدّة بعد 2023، حين برزت موريتانيا سباقةً على غيرها من الدول العربية في مساعداتها لغزة وحراكها الشعبي

يلفت تورشين النظر إلى أن المسافة الزمنية الفاصلة ما بين انهيار ولد الطايع ونظام ولد عبد العزيز، غيّرت حسابات الشرعية، وجعّلت من الشرعية الداخلية ثقلًا أكبر من الشرعية الدولية، لذا لجأ النظام الجديد لتعزيز شرعيته الداخلية عبر الاستجابة لتطلعات الجماهير، بعدما تبين له أن الاستمرار في التطبيع لن يحقق الكثير من المكاسب.

في هذه اللحظة، تقاطعت الشرعية الداخلية للنظام مع غزة، حيث يقول تورشين "للمرة الأولى تحولت غزة من قضية تضامن خارجي إلى أداة تفاوض على الشرعية الداخلية، وهو النمط نفسه الذي سيتكرر بشكل أكثر حدّة بعد 2023، حين برزت موريتانيا سباقةً على غيرها من الدول العربية في مساعداتها لغزة وحراكها الشعبي".

الزاوية التي يطرحها تورشين في تموضع غزة بمواجهة التطبيع، يصح إلى درجةٍ كبيرة تعميمها على الخطاب السياسي العربي والحزبي لحالات عربية وإفريقية أخرى، لكن هناك فوارق تتجاوز القطيعة إلى الآليات التي أنتجتها، فوفقًا لتورشين، فالمجتمع المدني الممثل في الأحزاب والنقابات والجمعيات كان له دور كبير جدًا في تزايد وتيرة الضغط"، فهذا التأثير لم يقتصر على ما بعد سقوط نظام ولد الطايع، بل كان حاضرًا أثناءه أيضًا، عبر الاحتجاجات والمظاهرات و"التعبير عن الرفض سواء داخل البرلمان أو في الصحف.

ربما لهذا السبب لم ينقطع الحضور البرلماني الضاغط عند لحظة القطيعة عام 2010، بل استمر كآلية رقابية دائمة، دفعت وزيرة الخارجية في وقت ما، لمطالبة المعارضة بالكف عن "المغالاة والتشكيك"، لتعود المعارضة مرةً أخرى في يناير/كانون الثاني 2021، وفي ظل توسّع دائرة التطبيع عبر اتفاقيات أبراهام، للدعوة إلى سنّ تشريع يجرّم التطبيع مع إسرائيل، عبر ثلاثة أحزابٍ معارِضة، هي؛ اتحاد قوى التقدم، والتحالف الشعبي التقدمي، والتحالف من أجل العدالة والديمقراطية.

فيما بدا حينها تحذيرًا من موجة بدأت تصل "إلى المنطقة المغاربية الإفريقية" واستباقًا لضغوطٍ علنيةٍ وخفية، لإلحاق مزيدٍ من الدول بقطاره، عبر بذل جهدٍ تشريعيٍ عاجل يؤكد -وفق بيان الأحزاب الثلاث- "حقيقة الإجماع الوطني التاريخي الدائم، منذ قيام الدولة الموريتانية حول دعم قضايا التحرر العادلة، على رأسها القضية الفلسطينية".

ليرتبط ذلك وفقًا لتورشين، بعوامل اجتماعية خاصة بالهوية الجمعية للموريتانيين الذين "ينظرون إلى ذاتهم باعتبارهم أبناء شنقيط، ذوي الامتداد المتصل بالهوية والثقافة العربية"، وهو امتدادٌ ترجم نفسه في "دعمهم لإقامة دولة فلسطينية" وإسنادهم المستمر لقطاع غزة عبر المبادرات الشعبية، بحيث بات التيار الرافض للتطبيع جزءًا من التعريف السياسي والاجتماعي للدولة نفسها لا مجرد موقف حكومي عابر.

في المقابل، رأت الباحثة إلهام جبر شمالي، المتخصصة في الصراع العربي الإسرائيلي، أن سيناريو التطبيع ظل حاضرًا في الحالة الموريتانية، لكن بشكلٍ خافت، خشية الضغوط الشعبية الداخلية القوية، وارتباط ذلك بالانقلابات العسكرية المتعددة والتي وصلت لنحو 15 اضطرابًا أو محاولة انقلاب عسكري شهدتها موريتانيا في تاريخها الحديث، ما يجعل من الجزم بإغلاق ملف التطبيع نهائيًا استباقًا لاستقرارٍ سياسي لم يتحقق بعد.

لكن عودة القضية الفلسطينية إلى مركزيتها لدى الشعوب العربية، خاصةً بعد السابع من أكتوبر2023، وانتقال هذه المركزية والحضور الداعم من الفضاء التشريعي إلى الفضاء الميداني المباشر عبر المظاهرات والمهرجانات، وحملات التبرع، وقوافل الإسناد وكسر الحصار من "قافلة الصمود" و"أسطول الصمود" حيث اندمج البرلمان (عبر النائب ولد اطفيل) والسلطة الدينية (عبر الشيخ ولد الددو) والحراك الشعبي في مسار واحد، منح التجربة الموريتانية في دعم فلسطين عمقًا مؤسساتيًا، جعل من القطيعة مع التطبيع الإسرائيلي خيارًا سياسيًا مستدامًا، لا مجرد قرارٍ ظرفي، أو حساباتٍ ومكاسب.

إسرائيل: حيث تُقامر أفريقيا سياسيًا

في الواقع لطالما ظلت أفريقيا بالنسبة للدبلوماسية الإسرائيلية أرض الكنوز والفرص، خاصةً لدى أنظمةٍ مأزومة كما في السودان وصوماليلاند، هذه المشهدية ظلت قائمة بل ومتحفزةً أكثر إثر فشل التطبيع مع موريتانيا، لذا لم تتوقف المحاولات الإسرائيلية لإحياء العلاقة يومًا، في كل مرةٍ يُفتح فيها صندوق التطبيع على الطاولة العربية.

بدءًا بـ 2020 عبر الإغراءات الاقتصادية والضغوط الأمريكية لإدارة ترامب بهدف الانضمام لقطار اتفاقيات أبراهام، مرورًا بـ2021 حين سربت مصادر أمريكية رسمية أنباءً عن اتفاقٍ وشيك قبل مغادرة ترامب للبيت الأبيض، وصولًا لإعلان وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين في مارس/آذار 2023 عن "مرحلةٍ متقدمة من المفاوضات مع موريتانيا" ووساطة ألمانية لإعادة العلاقات، ومن ثم تقارير غربية عن ترتيب لقاء سري بين الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني بنتنياهو على هامش قمة أميركية-أفريقية مصغّرة في واشنطن، بوساطة من إدارة ترامب، وهو ما نفته سفيرة موريتانيا في واشنطن، بل وكذبته، وأخيرًا بعودة إدارة ترامب الثانية لمحاولات الضغط مجددًا مطلع العام الحالي.

التذبذب بين التسريبات الأمريكية-الإسرائيلية، و"التكذيب" الموريتاني الرسمي، يعكس وفقًا للباحث تورشين، غياب أي مسوّغات حقيقية للانخراط مجددًا في مسار التطبيع، خاصةً وأن موريتانيا اليوم تتمتع بثروات واكتشافات ضخمة من النفط، ولها دور محوري في محاربة الجماعات الإرهابية بالساحل، ما جعلها ركيزةً إقليمية وأمنية للدول الغربية وكفّ عنها حاجة التطبيع، وأراحها من كلفته السياسية الباهظة، خاصةً إثر الملاحقات القانونية الدولية لقادة الاحتلال المرتبطة بجرائم حربهم في غزة، ما يُفقد التطبيع مشروعيته الداخلية ومسوغاته وأبعاده الخارجية التي ارتكز عليها في وقتٍ سابق.

في المقابل تحضُر المقارنة العربية الأفريقية على الخط، لتكشف عن أنماطٍ مشتركة، يُمكن التعويل عليها في التنبؤ بمصيرٍ مماثل، فحين وقّعت الخرطوم على اتفاقيات أبراهام في أكتوبر 2020 عقب اتصال هاتفي ثلاثي جمع البرهان ونتنياهو وترامب، بدا الأمر تحوّلًا استراتيجيًا على المستوى السوداني والإسرائيلي، لكن اندلاع الحرب الأهلية السودانية عام 2023 جمّد المسار عمليًا ودبلوماسيًا، ووضع العلاقات في خانة "السلام البارد" بالتوازي مع مصر والأردن.

وفقًا لتورشين، فالانقسام السياسي في السودان بين المجموعة العسكرية والمجموعة المدنية، ووجود تيارات وجماعات رافضة لقضية التطبيع، وعدم رغبة العديد من القيادات السياسية والعسكرية في المضي قدماً في هذا المسار باعتبار أنه مكلف على الصعيد الداخلي، جعل من التطبيع مجرد مناورة، وهو ما يُفسر انقطاع مسار التطبيع في مراحل لاحقة، حتى بوجود جماعات مستفيدة منه.

تؤكد تقارير صحفية إسرائيلية صدرت منتصف 2025 ما يذهب إليه تورشين، إذ تٌشير إلى أن النظام العسكري استغل علاقاته الخلفية مع إيران لتعويض غياب أي اختراق اقتصادي حقيقي عبر التطبيع، ما يعني موتًا غير رسمي للتطبيع مع السودان، في هذا المسار تبدو السودان صنو موريتانيا، فكلا البلدين لجأ للتطبيع من أجل الانفكاك من العزلة والحصار، وليس بناءً على قناعة استراتيجية راسخة، فبينما حاولت موريتانيا الفكاك من عزلة نظام ولد الطايع، تأمل السودان الخلاص من عقوبات ما بعد البشير، ولما لم تكن المكسب على قدر الحاجة بقي التطبيع على الورق، يُضيف تورشين؛ "لم يتحول التطبيع مع السودان إلى واقعٍ مؤسساتي، إذ لا توجد في السودان أصلًا أجهزة منتخبة يمكنها أن تجيز وتقر هذا الاتفاق، حتى ينتقل ليغدو واقعًا شعبيًا".

الصورة نفسها اختصرت مفارقة لم تكن غائبة عن أي مراقب للتطبيع الأفريقي، لكنها من أرض الصومال هذه المرة، كيانٌ لم يحظَ بأي اعتراف دولي منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991، يجد في إسرائيل الدولة التي تمنحه الاعتراف والشرعية، حين أعلن نتنياهو اعترافه رسميًا بعد أسبوعين من زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إلى القصر الرئاسي بهرجيسا، ليمنح أرض الصومال مكاسب سياسية لطالما افتقدتها كإقليم منبوذ دبلوماسيًا.

كلٌ تحدٍ من هذه التحديات كان محركًا لقرار الرئيس الموريتاني، معاوية ولد سيدي أحمد الطايع، إطلاق مسارٍ للتطبيع مع تل أبيب نهاية التسعينيات، يُضاف لها تراجع الدفء الدبلوماسي مع باريس، لتُصبح إسرائيل حليفًا جديدًا قادرًا على مد الجسور الموريتانية نحو واشنطن

بالنسبة إلى صوماليلاند لم يكن التطبيع خيارًا استراتيجيًا من بين خيارات أخرى، بل كان بوابةً رئيسيةً لكسر عزلة سياسية مفروضة منذ 35 عامًا، ومدخلًا للحصول على الشرعية والاعتراف الدولي بوجوده السيادي لا يملك مؤسسات تمثيلية قادرة على إخضاع قرار التطبيع لرقابة شعبية أو برلمانية حقيقية، يأتي ذلك في وقتٍ مثالي منح تل أبيب إطلالةً على خليج عدن وقُربًا من مضيق باب المندب يتيح لها تحدي قبضة الحوثيين المتنامية على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

ورغم أن التنبؤ بمآلات التطبيع مع أرض الصومال مبكرٌ في حساباته، إلا أنه يؤكد معادلةً تكاد تنحصر بالتطبيع الإفريقي؛ إذ كلما كانت شرعية النظام الباحث عن التطبيع أكثر هشاشة أو انقسامًا، سواء كان ذلك بفعل انقلاب عسكري كما في السودان، أو انفصال غير معترف به كما في أرض الصومال، وجدت إسرائيل مساحة أوسع للمناورة وفرض شروطها وشُح تطبيعها، مستغلةً حاجة الطرف الآخر للتطبيع ومقامرته بالكلفة الشعبية له.

لكنها بالمقابل مقامرةٌ تُبنى على الإكراه ونقل التكنولوجيا الأمنية والتعاون الاستخباراتي، لا على قبول شعبي أو مؤسسي، ما يترك موازينها عرضة ً للانفجار في أي لحظة تتبدل فيها موازين القوى الداخلية للطرف المضيف، تمامًا كما انفجر التطبيع السوداني مع الحرب الأهلية، وكما يظل التطبيع مع أرض الصومال رهينة أي تسوية مستقبلية بين هرجيسا ومقديشو أو أي تدخل إقليمي (تركي أو مصري) يعيد ترتيب أولويات القرن الأفريقي.

على النقيض تمامًا يقع المغرب، إذ تُشير نتائج استطلاع "المؤشر العربي" لعام 2025 الصادر عن المركز العربي بواشنطن أن 89٪ من المغاربة يعارضون الاعتراف بإسرائيل مقابل 6٪ فقط يؤيدون التطبيع، ورغم مظاهرات حاشدة تجاوزت العشرة آلاف متظاهر أمام البرلمان في الرباط رددوا فيها هتافات "التطبيع خيانة"، إلا أن التحليلات المتخصصة وفقًا للباحث عُمر سعد الله تؤكد أن المسار لن ينهار، على الأقل في المدى القريب.

يُفسر الباحث السوداني تورشين هذه المتانة، بأن التطبيع المغربي مرتبطٌ بمكاسب وبمحدداتٍ ظلت تشكل التهديد الأبرز للمغرب وهي قضية الصحراء الغربية وجبهة البوليساريو، فالاعتراف الأميركي ثم الإسرائيلي بمغربية الصحراء شكّل انتصارًا كبيرًا جعل الرباط تمضي بلا انقطاع نحو التطبيع سياسيًا وأمنيًا، مبررةً ذلك أحيانًا بجذور ثقافية-اجتماعية ممتدة عبر الجالية اليهودية المغربية التاريخية.

في نطاق هذه المعادلات التطبيعية، يتعزز التطبيع الإفريقي هشاشةً، وتتحول الفردانية الموريتانية إلى سمة بنيوية لأي تطبيعٍ لا يستند إلى مكسبٍ استراتيجي وجودي يوازي كلفته الشعبية، ما يُفسح المجال لمزيدٍ من حالات التراجع تحت وطأة الغضب الشعبي وضغط النقابات والسلطات الدينية والمؤسسات التمثيلية القادرة على تحويل الغضب إلى حراكٍ ميداني مستدام يضغط على أنظمة تعيش توتر الأزمات الشرعية.

بهذا المعنى، لا تُقرأ موريتانيا بوصفها استثناءً معزولًا في تاريخ التطبيع العربي والأفريقي مع إسرائيل، بل بوصفها نموذجًا تفسيريًا مبكرًا، فما بدأته نواكشوط عام 2010 من قطيعة رسمية أعقبتها منظومة رفض مؤسسي متكامل، تحوّل اليوم إلى مرجعية يمكن قياس جولات التطبيع الإفريقي عليها، بوجود عاملٍ مؤثرٍ وقوي، غزة وصمودها في عين الإبادة.