الأحد 12 يوليو 2026
في أوائل أكتوبر/تشرين الأول 2023، اختفى الشاعر الصومالي الشاب نجيي علي خليف من منزله في مقديشو. وبعد أيام قليلة من غيابه، نشر على الإنترنت وثيقة واسعة تضم عددًا كبيرًا من قصائده، مرفقةً بالخلفيات والسياقات المباشرة التي كُتبت فيها كل قصيدة. وفي خاتمة هذه الوثيقة، التي تقترب من ثلاثمائة صفحة، أعلن نجيي بوضوح قراره الانضمام إلى حركة الشباب.
أثار هذا التحول صدمة واسعة، ودفع كثيرين إلى العودة إلى شعره وقراءته من جديد، بحثا عن إشارات مبكرة إلى ميله الأيديولوجي نحو الحركة. ولم يكن مستغربًا أن يرى بعضهم في قصائده ما يشي بهذا التقارب منذ البداية. غير أن أهمية تجربة نجيي لا تكمن فقط في مآله السياسي، بل فيما تكشفه من مكانة الشعر داخل المجتمع الصومالي؛ فشعره، كما شعبيته، يوضحان الدور الاجتماعي والثقافي العميق للقصيدة في التعبير عن المشاعر العامة وتعبئتها. وفي المقابل، فإن قراره النهائي بالتخلي عن الشعر والانتقال إلى العمل المسلح يسلّط الضوء على فقر المشهد السياسي في الصومال اليوم، وضيق الخيارات المتاحة أمام فئات واسعة من الشباب.
لفهم هذه الحالة، لا بد أولا من التوقف عند مكانة الشعر في المجتمع الصومالي. فالشعر، ولا سيما الشعر الشفهي التقليدي، ليس مجرد فن لغوي أو تراث جمالي، بل أحد الأعمدة الكبرى للثقافة الصومالية. يحتفي به الصوماليون بوصفه جزءًا عزيزًا من هويتهم، كما لفت انتباه المراقبين والرحالة الأجانب منذ وقت مبكر. فقد كتب أحد أوائل الأوروبيين الذين جابوا مناطق القرن الأفريقي بين الشعوب الناطقة بالصومالية أن «بلاد الشعراء». ومنذ ذلك الحين، صار الشعر الصومالي موضوعًا واسعًا للدراسة الأكاديمية، ومجالًا لفهم التاريخ والوجدان العام والبنى الاجتماعية والسياسية في الصومال.
لا يبالغ الصوماليون حين يضعون الشعر في مرتبة رفيعة ضمن تراثهم الثقافي. فقد قال أحد الرؤساء السابقين إن الشعر هو «أحد أصلين وطنيين لا تُقدّر قيمتهما بثمن»، أما الأصل الآخر فهو الإسلام. تعكس هذه العبارة حجم المكانة التي يحتلها الشعر في الوعي الصومالي، باعتباره لغة للذاكرة والهوية والسياسة والمجتمع.
تستند الحيوية المستمرة للشعر الصومالي إلى خصائص عدة. فهو، أولًا، ليس فعلًا فرديًا معزولًا يمارسه شاعر منفصل عن مجتمعه، ولا تُقاس قيمته أساسًا بمعاييره الجمالية أو الفنية وحدها. صحيح أن القصيدة يكتبها فرد، لكنها تولد غالبًا من قلب الحياة اليومية، ومن تقلباتها ونزاعاتها وأسئلتها العامة. لذلك تُقدَّر القصيدة بقدر ما تمتلكه من قدرة على التأثير في مواقف الناس، وتشكيل آرائهم، وإعادة صياغة نظرتهم إلى الأحداث.
بهذا المعنى، لا ينفصل جمال القصيدة الصومالية عن وظيفتها الاجتماعية. فجمالها لا يكمن فقط في البلاغة والإيقاع والصورة، بل في قدرتها على قول حقيقة عميقة، وعلى تحويل هذه الحقيقة إلى موقف جمعي. ومن هنا يحظى إلقاء الشعر في التجمعات العامة باحتفاء كبير، إذ لا يظهر الشاعر بوصفه فنانًا هامشيًا، بل بوصفه صوتًا حاضرًا في قلب المجال العام، يُنتظر منه أن يعلّق على القضايا الملحّة، وأن يقدّم موقفًا من الأحداث الكبرى بلغة مكثفة ومؤثرة.
إن قراره النهائي بالتخلي عن الشعر والانتقال إلى العمل المسلح يسلّط الضوء على فقر المشهد السياسي في الصومال اليوم، وضيق الخيارات المتاحة أمام فئات واسعة من الشباب
لذلك، يمكن النظر إلى الشاعر في المجتمع الصومالي بوصفه مثقفًا عامًا عضويًا، بالمعنى الذي يجعله جزءًا من نسيج المجتمع لا مراقبًا خارجه. وقد رأى بعض الباحثين أن هذه المكانة تعود، في جانب منها، إلى الدور التاريخي للشعر والخطابة في مجتمع رعوي كان يميل، تاريخيًا على الأقل، إلى قدر من المساواة، حيث كانت الكلمة أداة للإقناع، ومن ثم مصدرًا للنفوذ والسلطة.
وثانيًا، وبسبب انتشاره الواسع ومكانته الثقافية، يُعدّ الشعر إحدى أهم الحواضن التي حفظت التقاليد والتاريخ الصوماليين، ونقلتهما عبر الأجيال. ويظهر ذلك، جزئيًا، في اعتماد كثير من الأكاديميين على الشعر مصدرًا لإعادة بناء التاريخ الصومالي، وتحليل تقاليده وأنماطه الاجتماعية. غير أن قيمة الشعر لا تقتصر على كونه مادة يستند إليها الباحثون، بل تتجاوز ذلك إلى كونه عنصرًا أساسيًا في الطريقة التي يفهم بها الصوماليون تاريخهم، ويستعيدون ذاكرتهم الجماعية، وينقلون تقاليدهم من جيل إلى آخر.
تقوم هذه الوظيفة التاريخية للشعر على سمات عدة. أولها أن القصائد كثيرًا ما تُنظم ردًا على قصائد أخرى، فينشأ بينها حوار شعري متصل يشكّل ما يسميه الصوماليون (silsilad)، أي «السلاسل الشعرية». وقد تمتد هذه السلاسل، في بعض الأحيان، عبر مساحات جغرافية واسعة، كما قد تستمر لعقود، فتتحول إلى سجلّ حيّ للنقاشات الاجتماعية والسياسية والأخلاقية داخل المجتمع.
أما السمة الثانية، فتتصل بالعادة الراسخة لدى رواة القصائد وقرّائها ومدوّنيها في إرفاقها بشروح نثرية توضّح ظروف نظمها، وتفسّر المقاطع الغامضة فيها، وتشرح الإشارات إلى أشخاص أو أحداث أو عادات ربما لم تعد معروفة لدى الجمهور اللاحق. وبهذا المعنى، فإن عملية حفظ الشعر وتدوينه لا تنقل النص الشعري وحده، بل تنقل معه تعليقًا تاريخيًا يضعه في سياقه، ويحوّله إلى وثيقة اجتماعية وسياسية وثقافية.
من هذه الزاوية، يمكن فهم الطريقة التي كُتبت بها وثيقة نجيي علي خليف نفسها. فقد جاءت مستلهمة من هذا التقليد الصومالي في تقديم القصيدة عبر سياقها. فكل قصيدة في الوثيقة تُعرض مصحوبة بخلفيتها المباشرة، كما تُرتّب القصائد زمنيًا، بينما تُكتب الشروح المصاحبة لها على هيئة يوميات. وهذا ما يمنح الوثيقة كلها طابع سجلّ شخصي وتاريخي في آن واحد، كما لو أن الشاعر لا يقدّم ديوانه فحسب، بل يؤرّخ لتحوّلاته الفكرية والسياسية والشخصية.
وبفضل هذه السمات، وغيرها، يشكّل الشعر الصومالي تقليدًا تاريخيًا قائمًا بذاته. فهو لم يكن مجرد وسيلة للتعبير الوجداني، بل أداة للتعليق على قضايا المجتمع الكبرى، والدفاع عن مواقف بعينها، ونقد أخرى، والاحتفاء بأحداث أو شخصيات أو قيم جماعية. وعلى امتداد التاريخ، استُخدم الشعر في تناول طيف واسع من القضايا، من النزاعات العشائرية إلى الشيخوخة والفناء، ومن المديح والرثاء إلى السجال السياسي والاجتماعي.
غير أن الأزمنة الحديثة، ولا سيما منذ بداية الاستعمار في مطلع القرن العشرين، دفعت الشعر الصومالي إلى الانشغال على نحو أعمق بالقومية الصومالية الجامعة. فقد أصبح الشعر فضاءً للتعبير عن النضال ضد الاستعمار، ثم عن نقد الدولة الوطنية بعد الاستقلال، ولاحقًا عن إدانة السياسة القائمة على العشيرة بعد سقوط الدولة عام 1991. بهذا المعنى، لم يكن الشعر مجرد انعكاس للقومية الصومالية، بل كان أحد أهم أدوات إنتاجها وتوسيع خيالها السياسي.
تتضح هذه الصلة بين الشعر والقومية الصومالية في حقيقة أن أشهر شاعر صومالي، وربما أبرزهم على الإطلاق، هو أيضًا أحد أهم رموز المقاومة المناهضة للاستعمار في أوائل القرن العشرين، السيّد محمد عبد الله حسن. فقد تبنّته الدولة بعد الاستقلال بوصفه شخصية مؤسسة في السردية القومية الصومالية، وما زال يحظى بتبجيل واسع في أنحاء البلاد. ومن هنا تصبح خلفية الخطاب الشعري في المجتمع الصومالي ضرورية لفهم المسار الذي قاد نجيي، الشاعر القومي، إلى العنف المسلح. فعدد من قصائده يقدّم مدخلًا واضحًا إلى فهم تحوّلاته، وطريقة تفكيره، والخيارات التي انتهى إليها.
تحمل القصيدة الأولى عنوان Waan diiday reernimo، أي: «أرفض العصبية العشائرية». وهي من أقدم قصائد نجيي، إذ كتبها عام 2015. وتنبّه هذه القصيدة، منذ عنوانها، إلى ما يراه كثيرون العقبة الأكبر أمام الوحدة الصومالية وهي الهوية العشائرية حين تتحول إلى ولاء سياسي، والتحزب القائم على الانتماء القبلي بدل الانتماء الوطني.
إن قراره التخلي عن الشعر والاتجاه إلى العنف المسلح لا يكشف فقط عن مسار فردي مأزوم، بل يعرّي أيضًا فقر المشهد السياسي الصومالي الراهن
تزداد دلالة هذا الرفض إذا أخذنا في الاعتبار أن عائلة نجيي تنحدر من المنطقة التي كانت تُعرف سابقًا بشمال الصومال، والتي أصبحت اليوم صوماليلاند، المعلنة استقلالها من جانب واحد. ففي نظر كثير من الصوماليين، لا تمثل مطالبة صوماليلاند بالسيادة سوى أحد تجليات العطب الأوسع الذي أصاب السياسة الصومالية. ويتكثف هذا المعنى في السطر الأخير من الأبيات التالية، حين يقول الشاعر: «هذه العشائر التي نسجت قماشًا؛ ثم ادّعت الدولة»، في إشارة إلى الأعلام التي اعتمدتها الإدارات الإقليمية والعشائرية المختلفة.
ولا يقف نقد نجيي عند الداخل الصومالي وحده، بل يمتد إلى دور الدول المجاورة والمجتمع الدولي. فهناك شعور واسع لدى قطاعات من الصوماليين بأن تقسيم البلاد لم يكن نتيجة الانقسامات الداخلية فقط، بل ساهمت فيه أيضًا حسابات إقليمية ودولية عملت على مأسسة هذا التفتت في صورة مشروع لبناء الدولة، يقوم على الأقلمة العشائرية. وتعبّر الأبيات التالية عن هذا التصور بوضوح:
أسباب معاناتي؛ خافية على البليد،
بلادنا سُلبت، وأرضنا؛ التهمها العدو،
وشعبنا قُسّم؛ وحُوصر بعضه عن بعض،
هذه العشائر التي نسجت قماشًا؛ ثم ادّعت الدولة.
تكشف هذه القصيدة عن دفاع مبكر لدى نجيي عن فكرة الوحدة الصومالية، وهو لم يكن قد تجاوز بعد أوائل العشرينيات من عمره. وتبدو هذه الدلالة أكثر وضوحًا إذا تذكرنا أنه كان يقيم في صوماليلاند، حيث لا تشجع السلطات مثل هذا الخطاب الوحدوي، بل غالبا ما تنظر بريبة إلى أنصار الوحدة الصومالية. ومن المرجح أن هذا الالتزام بفكرة الوحدة كان أحد الأسباب التي دفعته إلى الانتقال إلى مقديشو عام 2017.
في مقديشو، تحوّل نجيي إلى شخصية عامة. وخلال السنوات التي قضاها هناك، بين 2017 و2023، ظل شعره يعكس التزامًا واضحًا بالدفاع عن الوحدة الوطنية، وباستخدام القصيدة أداة للتعبئة والتنبيه السياسي. يظهر ذلك مثلًا في قصيدته التي كتبها عام 2017 بعنوان Gurmadkii Minimada، أي «نصرة الوحدة».
Aniguna waxaan goobayee; gama’ii diiday,
Xaqiiqadu ninkii ay gubtaa; aamus garan waaye,
Duruufahan is wada gaadhaybaa; gooni ii helaye,
Gobannimo abwaan doonayiyo; guurti baan ahaye,
Inta golahan joogtiyo intuu; gaadho hadalkaygu,
Inta ila gedda ah baan fariin; guud u dirayaaye,
ذلك الذي أبحث عنه؛ ويسلبني السكينة،
من تحرقه الحقيقة؛ لا يعرف الصمت،
هذه الاضطرابات المتلاحقة؛ تقلقني وحدي،
أنشد الحرية، وأحمل نداءها،
إلى من في هذا الإقليم، وإلى كل من قد يبلغ صوتي مسامعه،
أبعث برسالة إلى من يشاركونني هذا السعي.
تلتقط هذه القصيدة موضوعات تكاد تفيض بها تجربة نجيي الشعرية كلها. الخوف من أن تكون البلاد ومعها الشعب على حافة الاختفاء من التاريخ، والإيمان بأن الشعر قادر على إيقاظ الناس على هذه الحقيقة قبل فوات الأوان. ومن خلال هذا الصوت الشعري القلق، يعبّر نجيي عن مزاج تشاؤمي واسع تجاه مسار البلاد وسياساتها، وعن شعور عام بأن المشروع الوطني الصومالي يتآكل من الداخل والخارج في آن واحد.
تتكرر في شعره، مرة بعد أخرى، صورتان أساسيتان بوصفهما أبرز تهديدين للوحدة الصومالية: الوجود العسكري الأجنبي في البلاد، وهيمنة سياسيين تحركهم مصالحهم الذاتية أكثر مما تحركهم رؤية وطنية جامعة. ويتضح هذا المعنى بجلاء في قصيدة أخرى كتبها عام 2017 بعنوان Baraarug، أي «اليقظة» أو «التنبيه».
‘Ma beenbaa’ in Soomaalinimo; maanta laga baydhay?
‘Ma beenbaa’ in xeebaha badhkood; beec la kala siistay?
‘Ma beenbaa’ in qarankii burburay; nacabku boobaayo?
‘Ma beenbaa’ in Baydhaba Tigray; ‘bases’ laga siiyay?
AMISOM ‘Ma beenbaa’ in ay; dhaqankii baabiisay?
أليس صحيحًا أن الهوية الصومالية؛ قد أُزيحت جانبًا اليوم؟
أليس صحيحًا أن بعض سواحلنا؛ جرى بيعها ومقايضتها؟
أليس صحيحًا أن الأمة تفككت؛ والعدو ينهبها؟
أليس صحيحًا أن التيغراي مُنحوا؛ قواعد في بيدوا؟
أليس صحيحًا أن أميصوم؛ قد دمّرت التقاليد؟
وعلى الرغم من أن الأسطر الثلاثة الأولى تحيل إلى نتائج السياسة الفصائلية وسلوك السياسيين الذين تحركهم مصالحهم الخاصة، فإن السطرين الأخيرين ينتقلان مباشرة إلى مسألة الوجود العسكري الأجنبي في الصومال. فالإشارة إلى «التيغراي» في السطر الرابع تُحيل إلى إثيوبيا، نظرًا إلى أن نخبة التيغراي هيمنت، حتى وقت قريب، على مفاصل الدولة الإثيوبية وسياساتها. ومن ثم، فإن السطر يشير إلى الحضور الكثيف للقوات الإثيوبية حول مدينة بيدوا، في جنوب الصومال.
أما بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال، المعروفة باسم AMISOM، والتي أُعيدت تسميتها لاحقًا باسم بعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية في الصومال ATMIS، فهي قوة تابعة للاتحاد الأفريقي تعمل بتفويض أممي. وحين يتهمها نجيي بأنها «دمّرت التقاليد»، فمن المرجح أنه يشير إلى اتهامات الاستغلال الجنسي التي طاولت بعض عناصرها بحق نساء صوماليات، وهي اتهامات وثقتها منظمات حقوقية دولية، وأثارت نقاشًا واسعًا داخل الصومال.
تتكرر في شعره، صورتان أساسيتان بوصفهما أبرز تهديدين للوحدة الصومالية: الوجود العسكري الأجنبي في البلاد، وهيمنة سياسيين تحركهم مصالحهم الذاتية أكثر مما تحركهم رؤية وطنية جامعة.
مع أن شعر نجيي يفيض بإدانة حادة للمشهد السياسي الصومالي كله، بما في ذلك تدخلات الدول المجاورة والمجتمع الدولي، فإن الإشارة الواضحة إلى تبنّي العنف المسلح، وتحديدًا الاقتراب من خطاب حركة الشباب، لا تظهر بجلاء إلا في عام 2021. ففي قصيدته Dibagwareeg، أي «التيه في البرية»، تظهر ملامح هذا التحول بوضوح أكبر، وتكشف بعض منطقه الداخلي في الانتقال من الشعر إلى السلاح:
Gobannimo daraaddeed markay; digasho ii gaadhay,
Waxaan daydayaayiyo markaan; ‘dawladnimo’ waayay,
. . .
Dirir iyo col mooyee markay; hadal ka soo daashay,
Anigiyo duruufaha markay; dani walaalaysay,
Waxaan ‘duurka’ awgeed u galay; waa daliil adage!
. . .
Waa ‘Dibadwareeg’ wiilashii; daacadda ahaaye,
Waxa dhiigga loo daadiyaa; daw kalaan jirine!
Aniguna filkay kama duwani; qaatay daabaca’e,
حين شوّهوني؛ بسبب الحرية،
وحين يئست من الدولة؛ التي ظللت أبحث عنها،
...
وحين سئم الكلام؛ ولم يبقَ غير العداء والحرب،
وحين جعلتني الضرورة؛ رفيقًا للظروف،
فما دفعني إلى البرية؛ دليله لا يتزعزع!
...
هائمون في البرية أولئك الفتية؛ الصادقون،
يُراق الدم لأنه؛ لا علاج آخر،
ولست مختلفًا عن أقراني؛ إذ اتبعت النداء.
يبدأ نجيي هذه المقاطع بالتحسّر على الكلفة الشخصية التي دفعها نتيجة التزامه بفكرة الوحدة الصومالية، ثم ينتقل إلى التعبير عن يأسه من قدرة الشعر وحده على الدفع باتجاه السيادة الوطنية، واستعادة المشروع الجامع. وتعمل هذه المقدمات، في بنية القصيدة، كتمهيد لما يرد في الأسطر الأخيرة؛ الانتقال من الكلمة إلى السلاح، ومن دور الشاعر الذي يحاول إيقاظ الناس إلى موقع المقاتل الذي يرى أن الكلام لم يعد كافيًا.
فالإشارة إلى الفتيان «الهائمين في البرية» تبدو إحالة واضحة إلى حركة الشباب، كما أن عبارة «يُراق الدم لأنه لا علاج آخر» تأتي، في الوقت نفسه، ردًا ضمنيًا على النقد الموجّه إلى عنف الحركة، وخلاصةً لرؤيته هو بأن الشعر والخطاب العام فشلا في إحداث التغيير المنشود. ومن اللافت أن نجيي يذكر، في الوثيقة التي نشرها على الإنترنت في أكتوبر/تشرين الأول 2023، أنه اتخذ قرار الانضمام إلى حركة الشباب قبل عامين من إعلان ذلك. وبهذا المعنى، تصبح هذه القصيدة سجلًا مبكرًا لتحوله من شاعر قومي إلى رجل اختار العنف المسلح.
في الوثيقة نفسها، ينشر نجيي صورًا عديدة تجمعه بشخصيات بارزة، ويشير مرارًا إلى لقاءات ومحادثات أجراها في مقديشو مع رؤساء ورؤساء وزراء، إضافة إلى مثقفين وإعلاميين وشخصيات عامة. وهذا كله يوضح أنه لم يكن شاعرًا هامشيًا أو معزولًا، بل شخصية حاضرة في المجال العام، اكتسبت شعبيتها أساسًا من الشعر ومن قدرته على التعبير عن مشاعر واسعة داخل المجتمع.
لذلك، فإن قراره التخلي عن الشعر والاتجاه إلى العنف المسلح لا يكشف فقط عن مسار فردي مأزوم، بل يعرّي أيضًا فقر المشهد السياسي الصومالي الراهن. فهذا المشهد، الذي يهيمن عليه سياسيون يفتقرون إلى رؤية وطنية قادرة على استيعاب القلق الشعبي والتعبير عنه، يترك قطاعات من الناس عالقة بين قيادة وطنية عاجزة وقاسية من جهة، وحركة مسلحة تستثمر هذا الفراغ من جهة أخرى. ومن هنا تكمن أهمية تجربة نجيي، فهي لا تكشف مأزقًا أوسع تعيشه السياسة الصومالية، حين تفشل في تحويل الغضب والخيبة والحنين إلى الوحدة إلى مشروع وطني قابل للحياة.