الاثنين 9 مارس 2026
في كل منعطف تدخله القضية الفلسطينية، يحضر التضامن الإفريقي معها ومع شعبها، بأشكالٍ مختلفة، منافسًا في زخمه وقوته التضامن العربي والفلسطيني، خاصةً وأنه يتجاوز في عمقه وتاريخيته استقلال الدول الإفريقية من الاستعمار، أو تضامنها مع فلسطين في الأمم المتحدة، وحتى خطابات قادتها الثوريين، والتي ما زالت أصداؤها تتردد في جنبات القارة حتى الآن.
ذلك لأنه يبدأ من رائحة البخور المحمّل في موانئ مصوع، وجلجلة التقاليد التجارية الإسلامية في زنجبار، وحركة السفن الشراعية التي حملت التوابل والأقمشة من ميناء الإسكندرية إلى يافا وغزة، حاملة الحُجاج والتجار والسلع، القادمة من ميناء مقديشيو وصولًا إلى وادي النيل فبلاد الشام.
هذا الحراك التجاري والبشري السريع ما بين الموانئ وخطوط التجارة الإفريقية، وموانئ الشام والحجاز، أسهمت في رفد فلسطين وما حولها بمهاجرين جنودًا وحجاجًا وعلماء وتجارًا، استقر معظمهم في القدس وغزة ويافا، وأسهموا خلال العقود الماضية، في تشكيلٍ طابعٍ مختلفٍ من التضامن مع استلاب البلاد، يتجاوز الأنماط الرسمية السياسية، ليغدو وجدانًا إفريقيًا مصهورًا بالهم الفلسطيني في بوتقة واحدة.
في هذه المادة، نحاول الغوص في أعماق التاريخ، مستندين إلى وثائق تاريخية وشهادات جغرافية وديموغرافية، تكشف كيف تحولت موانئ وخطوط التجارة إلى أوتار تربط القلب الإفريقي بالقدس وفلسطين، وكيف يمكن استخدام ذاكرة الطرق وممراتها، كأداة لفهم التضامن المعاصر وتبريره.
وفقًا لمجموعة من الدراسات التاريخية، فإن آخر هجرة إفريقية، غير يهودية، إلى فلسطين، تمت خلال الفترة الأخيرة من حقبة الإمبراطورية العثمانية، تحديدًا نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حين استقر الحجاج الأفارقة في بيت المقدس بعد أدائهم لفريضة الحج في الحرم المكي، أو لقوافل من الجنود والموظفين ضمن الإدارة العثمانية وتشكيلاتها، ومن خلال أفراد (تحديدًا من السودان وأثيوبيا) عبر شبكات تجارة البحر الأحمر.
وهكذا حظيت منطقة بلا الشام انطلاقًا من عام 1831 بأكبر حضورٍ إفريقي، نتيجةلتطورات اقتصادية هامة، من بينها؛ تشجيع الحكام العثمانيين في المنطقة للنشاط التجاري من خلال بناء بنية تحتية حديثة، كطرق معبدة وسكك حديدية وموانئ وخطوط تلغراف. كما بدأت الزراعة التجارية (مثل زراعة القمح والبرتقال)، وأنشأت الإدارة العثمانية نظامًا تعليميًا عامًا، بينما أسس رواد الأعمال بنوكًا ومؤسسات مصرفية، ترافق ذلك مع دخول الجنود من أصول نوبية، بالإضافة لارتفاع أعداد المتصوفة من شمال إفريقيا، ممن وجدوا في القدس معتكفًا لتصوفهم، في تلك الفترة تحديدًا ظهرت أحياء خاصة بهذه الهجرات، مثل حي الأفارقة في البلدة القديمة في القدس، وحي المغاربة المتاخم للمسجد الأقصى.
وفقًا للمؤرخ الألماني فيليب بالدينسبيرغر، فخلال تجواله بفلسطين عام 1913، لاحظ وجود قرى كاملة من المهاجرين الأفارقة على امتداد سهول فلسطين، مرجعًا وجودهم لأجدادهم الذين هاجروا عام 1831 والذين قدّر أعدادهم حينها بـأكثر من 6000 آلاف جندي وفلاح، مع إشارته إلى أن هجرتهم كانت "غزوًا" وفقًا لوصفه.
على الخلاف من ملاحظته التي استُخدمت في سياق صهيوني للتشكيك بأصول الفلسطينيين من سكان الأرض، والتأكيد على أن "الأقلية الفلسطينية" رفضت المهاجرين الجدد ما أدى لانعزالهم في قرى خاصة بهم، تشير بيانات الانتداب البريطاني وتعداده خلال الفترة 1922 و1931، إلى أن الوجود الإفريقي كان مندمجًا مع السكان المسلمين، وأنه شمل عائلات كاملة، منها من تنقل من دنقلا ودارفور خلال خدمته في الجيش العثماني، أو موجات التجارة البحرية، بل وحتى أن أهداف انتقال الأفراد والعائلات، تجاوزت النمط التجاري والاجتماعي، لترتبط بنشوء طرق صوفية في بلاد الشام، خاصة الطريقة القادرية والتيجانية، وهو ما عُرف بصفته "هجرة دينية".
في الدراسات أيضًا، يتنوع المهاجرون وفقًا لموطنهم الأصلي، بعضهم من المغرب العربي، آخرون من السودان والحبشة وإرتيريا، وقلة قليلة من وسط وجنوب إفريقيا، وغالبًا ما حافظت هذه العائلات على لقبٍ يربطها بوطنها الأم، وهو ما يبرر ظهور عائلات "المغربي، الجزائري، التونسي، السوداني، وغيرها في فلسطين، كما أن غالبية المهاجرين من الذكور، الذين خلقوا امتدادهم الجديد عبر مصاهرتهم للفلسطينيين.
أما توزعهم بعد الوصول، فيتركز في الموانئ أولًا، يافا وعكا وغزة واللد، ثم في العمق، وتحديدًا في القدس، التي كانت المحطة الروحية التي تلي "مكة" بالنسبة للحجاج الأفارقة الذين كانوا يعبرون البحر الأحمر، هذا المسار الجغرافي الذي جمع إفريقيا بالحجاز والقدس، خلق شبكة من الروابط الإنسانية العابرة للحدود، والجامعة للقضايا الإسلامية، والتي ستظهر ملامحها لاحقًا بأشكالٍ متنوعة.
على الجانب الآخر، حضرت مصر كمحطة أساسية في رحلتهم قبل دخول فلسطين، هذا الخط تحديدًا دفع المستشرقين الأوروبيين والمؤرخين الصهاينة لاعتبار الأفارقة المهاجرين، جميعًا ذوي أصولٍ مصرية، مبررين دخولهم كموجة كبرى، لتوجه عثماني باستقدام المسلمين لمواجهة تدفق المستوطنين الأوروبيين، في وقت اكتسبت فيه مشاريع الهجرة اليهودية إلى فلسطين بريقًا متزايدًا في الدول الغربية.
يكشف ذلك حقيقة دور شبكات التجارة والترحال، وربطها موانئ شرق أفريقيا بجنوب الجزيرة العربية وصولاً إلى بلاد الشام، ما أنتج ـروابط "العالمية الإسلامية-الأفريقية"، فالبحارة والعمال الذين تنقلوا بين ميناء "حيفا" التاريخي وموانئ "بورتسودان" و"جيبوتي"، لم ينقلوا البضائع فقط، بل نقلوا طرقًا دينية متصوفة، وانتماءات دينية إسلامية، وأخبار تحرر وثورات ضد الحكام المحليين، وقصصًا لمقاومة المستعمر والإقطاعي، ما خلق "وعياً مشتركاً بالمظلومية".
يعبر عن ذلك المؤرخ إدوارد ألبرز (Edward Alpers) في كتابه "المحيط الهندي في تاريخ العالم"، بالقول: "إن هذه الشبكات التجارية خلقت جعلت أي اعتداء على القدس أو عدن يُستقبل في زنجبار كأنه اعتداء محلي"، لا سيما وأن النسيج البشري الناتج عن هذه الهجرات رفض دائمًا الحدود الاستعمارية، ومثّل وعاءً ثقافيًا نبتت فيه قيم "المظلومية المشتركة" ضد الغريب.
خلال حرب الإبادة الحالية في قطاع غزة، تم السعي لتفسير أسباب التضامن الإفريقي الفلسطينيي، وفهم مقومات قوته، في بعض الأحيان اعتُبرت المواقف الإفريقية رد فعلٍ سياسي، في مواقف أخرى اعتُبرت امتدادًا لإرث وذاكرة تحررية في مواجهة الاستعمار، لكن ذلك ليس كل شيء، بل إن إرث الموانئ والسفن التي ربطت غزة بمصوع وجيبوتي أنتج ذاكرة عابرة للأجيال من التضامن، لتتجاوز الموانئ أدوارها من مرافئ للسفن، إلى شرايين للذاكرة.
إن أكبر دليل على أن التضامن الإفريقي الفلسطيني، هو امتداد طبيعي جيني، وليس تحالف طارئ، يكمن في قلب البلدة القديمة بالقدس، وفي المؤسسات الإفريقية في فلسطين، والتي تقوم على خدمة الجالية الإفريقية في البلاد، هذا النمط المؤسساتي من العلاقة بين أفراد الجالية ليس جديدًا، بل يعود للجذور التاريخية الأولى لهجرة هؤلاء الأفارقة.
أما في قلب البلدة القديمة بالقدس، فهناك تتموضع عائلات إفريقية تعود جذورها لأربع دولٍ إفريقيا بشكلٍ أساسي، هي تشاد ونيجيريا والسنغال والسودان، ومعظمهم قدموا ضمن تنقلات الجيش العثماني، وأٌقطعت لهم منطقة بجانب أحد أبواب المسجد الأقصى، ليسكنوا في منطقتي "رباط المنصوري" ورباط علاء الدين البصير" مع عائلاتهم.
لاحقًا عُرفت هذه المجموعة من الجنود والمرابطين باسم "المقدسيين الأفارقة"، واكتسبت قيمة مختلفة عن التجمعات الإفريقية الأخرى، لاسيما وأنها استطاعت الصمود خلال حربي 1948 و1967 وحافظت على وجودها نفسه، بجانب السور المقدسي، (باب الناظر) ليبقى منها اليوم قرابة 750 فردًا في تلك المنطقة.
باندلاع حرب عام 1967 اضطر العديد من أبناء الجالية الإفريقية المقدسية للنزوح إلى خارج القدس، لتمثل هذه الموجة النزوح الإفريقي الفلسطيني الثاني بعد نزوح عام 1948، رغم ذلك فتعد الجالية الإفريقية فتية في تركيبتها، حيث يقل معدل أعمار غالبية أبنائها عن العشرين عامًا، وتزيد فيها نسبة الذكور عن الإناث ب 4%، وفقًَا لإحصاء جمعية المجتمع الإفريقي.
ورغم قلة أعدادهم، إلى أن مساهمتهم في الحياة الفلسطينية لفتت نظر المؤرخين الفلسطينيين لهم في وقتٍ مبكر، ففي كتابه "الشامل عن تاريخ القدس" الذي صدر عام 1961، يُعرفهم المؤرخ عارف العارف بأنهم "التكارنة"، ويقول بأنهم " إحدى العائلات الرئيسية في القدس. قدموا إليها من دارفور وضواحيها، ويُقال إن أصولهم من تكريت، وينتمون إلى فرع الزوبة من قبيلة شمر. وكانوا مكلفين بحراسة المدارس التي كانت تُعقد في المنازل والأديرة المحيطة بالحرم الشريف، لطول قامتهم وبنيتهم القوية".
ثم في موضع آخر، يتفق عارف العارف وعلي قليبو، على مصطلح "تكروري" أو الأفارقة التكروريين" وهم الأفارقة المسلمون، الذين عملوا حُراسًا للأماكن المقدسة في القدس ومكة المكرمة، وأصبحت هذه المهنة امتيازًا لهم خلال العصرين المملوكي والعثماني.
كما أعاد الباحث الفلسطيني حسني شاهين، الحديث عنهم في كتابه "المسلمون الأفارقة في القدس" المنشور عام 1984، مشيرًا إلى أنهم "ينحدرون من قبائل عربية أفريقية متنوعة، منها الهوسا، والسلامات، والبرقاوي، والزغاوة، والبورنو، والكانمبو، والبولالا."، ولاحقًا أصبحت كلمة "تكروري" تُنسب.
وفقًا للصحفي الصهيوني إيلان بن تسيون، فإن الرجال الأفارقة الذين انضموا إلى جيش التحرير العربي خلال حرب عام 1948، وبقوا في موقعهم بالقدس الشرقية تحت الحكم الأردني، قدموا ضمن مساعي الانتداب البريطاني، خلال فترة الجنرال إدموند اللبني إبان الحرب العالمية الأولى، حين أحضر عمالًا أفارقة لتعمير البنى التحتية في المدينة.
تفند الجالية المقدسية ادعاءات الصحفي بالتأكيد على تأريخ عارف العارف، والقول إن معظم رجالها جاءوا للقدس للعمل كخدمٍ أو حراسٍ ومرابطين في الحرم المقدسي الشريف، وأن سماحة المفتي الحاج أمين الحسيني حينها قد وثق بهم وعيّن عددًا من رجالهم حراسًا له، حتى أن الحارس جبريل تاهروري (أو تكروري) قضى شهيدًا بعد أن حمى سماحة المفتي خلال عملية اغتيال صهيوني له.
بالمحصلة، يظهر أن العبور الدائم من الموانئ إلى القدس لم يكن مجرد حركة تجار، بل خلق ما يمكن تسميته بـجغرافيا الرباط، حين تحول المهاجر الإفريقي من حاج وتاجر وجندي إلى مرابط على أبواب الأقصى والمرافق الدينية، هذا التطور لوظيفته اجتماعيًا وسياسيًا، واستقرارهم إلى جانب المسجد الأقصى، بالنظر لأمانتهم وصلابتهم، أكد "التحام الذاكرة التجارية" بالواجب المكاني، فأصبح الدفاع عن القدس بالنسبة لهم هو دفاع عن بيتهم الذي استقروا فيه لقرون، وتحول الجسد الإفريقي من أداة للعمل والتجارة في الموانئ إلى درع بشري في أزقة القدس.
تكثُر الادعاءات الاسرائيلية التي تمس الوجود الإفريقي في فلسطين، فهناك الحديث عن عنصرية فلسطينية بحقهم، وهو ما تدور معظم الكتابات الصحفية الاسرائيلية في فلكه، حيث اعتبرت الصحفية شارمين سيتز في مقالها عن المجتمع المقدسي الإفريقي أنه "يوسم بنعوت عنصرية كثيرة بشكل غريب، وأن التمييز يمارس ضده عربيًا وإسلاميًا".
في الواقع، فإن الرد الأكيد على هذه الادعاءات، تتمثل في الزيادة السكانية للجالية الإفريقية الفلسطينية، والتي تقوم على الزواج من فلسطينيات، وهو ما صرح به الفلسطيني ذو الأصول الإفريقية، ياسر قُص، بالقول: " وُلدتُ في منتصف سبعينيات القرن الماضي في القدس لعائلةٍ مؤلفة من سبعة أفراد، وكنتُ الثامن بينهم. كان والدي أفريقياً، من مدينة ماسينا في تشاد، أما والدتي فكانت فلسطينية بيضاء من أريحا في وادي الأردن. نشأتُ كطفلٍ مولاتو ("مولاد") في الحي الأفريقي، وهو الاسم الذي كان يُطلق على الجيل الأول من المهاجرين الأفارقة إلى القدس. نحن أبناء زيجاتٍ مختلطة بين الأفارقة والفلسطينيين."
وفقًا لمحمود جدة، فإن المجتمع الإفريقي في فلسطين، يواجه معضلات مختلفة عن العنصرية، أهمها حاجته للدعم الاقتصادي والتعليمي والاجتماعي، واستمرار علاقته بموطنه ولغته وتقاليده الأصلية، ولذلك فإن أفراده سارعوا في وقتٍ مبكر بإنشاء النادي السوداني في القدس من عام 1935 وحتى 1967.
لاحقًا تغيرت احتياجات المجتمع، وأصبح دور أبنائه النضالي في حركات المقاومة يستدعي وجود تمثيلٍ لهم، وهكذا أنشئ نادي الشباب الإفريقي عام 1978، وتلاه جمعية المجتمع الإفريقية عام 1983. التي تقدم الدعم النفسي في التعليم والخدمات النفسية والاجتماعية، دون أن يخفت التضامن الإفريقي مع القضية الفلسطينية شيئًا.
يتعاظم ذلك، بالنظر للأدوار النضالية التي لعبتها الجالية، وحيث تشير شبكة الجذور الشعبية المقدسية، إلى أن الاعتقالات المتكررة للاحتلال بحق أبنائها، ومصادرة لممتلكاتها، والمراقبة الأمنية المستمرة، وإلغاء الإقامات، والقيود الصارمة على سكنهم بجانب المسجد الأقصى، والتضييق المتواصل عليهم، يتسبب في انحسار المساحة المتاحة لهم للعيش والازدهار والبقاء، ويغدو وجودهم مهددًا كبقية الوجود الفلسطيني.
يؤكد ذلك ما يشير له الصحفي "الإسرائيلي" -الذي يزعم وجود عنصرية فلسطينية ضدهم- بالقول إن "العديد من أعضاء المجتمع إرهابيون" واصفًا عملهم النضالي بأنه هجوم بحق الوجود "الأسرائيلي"، بينما تُفاخر على الجانب الآخر، عائلة جدة، وغيرها من عوائل إفريقية، بانغماس أفرادها في المقاومة، فمنهم من زرع أربع قنابل يدوية وسط مدينة القدس لتصيب انفجاراتها تسعة محتلين، ويقضي على إثرها 17 عامًا في الأسر، ومنهم من ساهم في انتفاضة السكاكين، وآخر انتظم في صفوف المقاومة.
تفخر الجالية أيضًا، بفاطمة برناوي، أول أسيرة فلسطينية في الثورة، وهي فلسطينية من أصول نيجيرية، انتسبت إلى حركة فتح، وزرعت قنبلة في مسرح تسيون في أكتوبر 1967، لكن عدم انفجار القنبلة تسبب في سجنها والحكم عليها لثلاثين عامًا، أمضت منها 10 أعوامٍ قبل أن تُنفى، ثم تعود إلى قطاع غزة، مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وتُعين كمسؤولة للشرطة النسائية الفلسطينية.
تفخر كذلك بأسامة جدة، أول شهيد فلسطيني في انتفاضة الأقصى، نضال فاطمة برناوي، أو جبريل تكروري، أو أسامة جدة، لم يكن عابرًا، بل شكل أساسًا للتضامن الإفريقي الأوسع مع فلسطين، حيث تُشير وكالة وفا الرسمية الفلسطينية، إلى أن العلاقات السياسية التي جمعت منظمة التحرير الفلسطينية بالمنظمات والقادة الأفارقة في منتصف الستينيات، كانت مبنية أصلًا على هذا الإرث، وأن زعماء مثل جوليوس نيريري في تنزانيا وأحمد سيكو توري في غينيا، استندوا في تضامنهم مع فلسطين على قاعدة شعبية وجدت في حكايا الحُجاج وأنساب المهاجرين أرضية لهذا التضامن.
هُنا يصبح ممكنًا القول، إن التحالفات الإفريقية الفلسطينية، ليست طارئة أوجدتها الحرب، بل هي علاقات عضوية إنسانية، يمتد عمرها لقرون، صمدت أمام الاستعمار والتقسيمات الجغرافية الحديثة.
على موقع جمعية المجتمع الإفريقي في فلسطين، تُعرف الجمعية نفسها بأنها منظمة فلسطينية غير حكومية غير ربحية أسسها المجتمع الأفرو-فلسطيني في القدس، وبأنها فرع من نادي الرعاية السودانية الذي كان نشطا بين عامي 1951 و1967، تُشير الجمعية للعام 1967 بوصفه "العام الذي احتلت فيه إسرائيل القدس"، بينما تؤكد أن سبب انتقال أجدادها إلى فلسطين هو الحج إلى المسجد الأقصى ولاحقا للدفاع عن القدس من المشروع الاستعماري الصهيوني.
أما شعارها، فهو قول نيسلون مانديلا:
"نحن نعلم جيدا أن حريتنا غير مكتملة بدون حرية الفلسطينيين"