تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 11 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
راهن

من الجفاف القاحل إلى السيول المدمرة.. كينيا في عين العاصفة المناخية

10 مارس, 2026
الصورة
من الجفاف القاحل إلى السيول المدمرة.. كينيا في عين العاصفة المناخية
Share

أعلنت الحكومة الكينية عن قفزة في أعداد ضحايا السيول والفيضانات التي اجتاحت العاصمة نيروبي وعدة أقاليم أخرى، حيث ارتفع عدد القتلى إلى 42 شخصاً وفقاً لآخر الإحصائيات الرسمية الصادرة عن وزارة الخدمة العامة. تأتي هذه الحصيلة لتضاعف الأرقام المعلنة سابقاً، وسط تحذيرات من أن العدد مرشح للزيادة مع استمرار عمليات البحث والإنقاذ في المناطق التي غمرتها المياه بالكامل، لا سيما في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية بوسط نيروبي ومنطقة "جروجان" التي تحولت شوارعها إلى أنهار جارفة حطمت السيارات وجرفت الممتلكات.

وصف مسؤولون حكوميون الوضع بأنه "أزمةوطنية" استدعت تدخل الجيش الكيني لمساندة فرق الإغاثة المدنية في عمليات الإجلاء والبحث عن المفقودين تحت الركام وفي مجاري السيول. ولم تقتصر الأضرار على الخسائر البشرية فحسب، بل امتدت لتشل عصب الحياة في البلاد، حيث أدت الفيضانات إلى تعطل الرحلات الجوية في مطار جومو كينياتا الدولي بعد أن غمرت المياه أجزاء من المدارج، مما تسبب في ارتباك حركة المسافرين وتوقف الشحن الجوي في أهم مركز ملاحي في شرق أفريقيا.

وأشار وزير الخدمة العامة، جيفري كيرينجا روكو، إلى أن الدولة سخرت كافة الإمكانيات اللوجستية للتعامل مع تداعيات هذه الكارثة الطبيعية، مؤكداً أن فرق الإنقاذ المشتركة تواصل العمل في ظروف جوية وميدانية معقدة للوصول إلى العالقين. تثير هذه السيول تساؤلات ملحة حول صمود البنية التحتية في المدن الكينية الكبرى أمام التغيرات المناخية الحادة، خاصة مع تكرار هذه الفيضانات في مناطق حضرية تعاني من تحديات في أنظمة تصريف المياه وتخطيط المساحات العمرانية.

تعد كينيا من أكثر الدول الأفريقية تأثراً بالتقلبات المناخية الحادة، حيث تعيش البلاد حالة من التذبذب المستمر بين موجات الجفاف القاحلة والفيضانات المدمرة، وهو نمط بات يتكرر بوتيرة أسرع وكثافة أعلى نتيجة التغيرات المناخية العالمية. وترتبط هذه الظواهر بشكل وثيق بظاهرتي "النينيو" و"ثنائية قطب المحيط الهندي"، اللتين تتحكمان في معدلات هطول الأمطار؛ فبينما عانت البلاد بين عامي 2020 و2022 من أسوأ جفاف منذ أربعين عاماً أدى إلى نفوق الملايين من رؤوس الماشية، تسببت الأمطار الغزيرة الأخيرة في عامي 2024 و2026 في سيول جارفة أعادت للأذهان هشاشة البنية التحتية أمام الطبيعة الثائرة.

يشكل التوسع العمراني السريع وغير المخطط في المدن الكبرى مثل نيروبي عاملا مضاعفا لهذه المخاطر المناخية، حيث أدى الزحف الإسمنتي والبناء في مجاري الأنهار والسهول الفيضية إلى فقدان الأرض لقدرتها الطبيعية على امتصاص المياه. ومع غياب شبكات تصريف كافية وتراكم النفايات في القنوات المائية، تتحول الأمطار الموسمية سريعاً إلى فيضانات حضرية تجتاح الأحياء المنخفضة والعشوائيات، مما يترتب عليه خسائر بشرية ومادية فادحة، وتعطل تام للمرافق الحيوية مثل المطارات وشبكات الكهرباء والمواصلات.

وعلى الصعيد الاقتصادي، تفرض هذه الكوارث المناخية ضغوطاً هائلة على ميزانية الدولة، حيث تُقدر الخسائر السنوية المرتبطة بالمناخ بنحو 3٪ إلى 5٪ من الناتج المحلي الإجمالي لكينيا. وتتجاوز الآثار مجرد الدمار المادي لتشمل تهديد الأمن الغذائي وتفشي الأمراض المنقولة بالمياه، مما دفع الحكومة لتبني استراتيجيات وطنية للتكيف المناخي، تركز على "تخضير" المدن وترميم ضفاف الأنهار، في محاولة لخلق توازن بين النمو العمراني السريع وضرورات الصمود البيئي في ظل واقع مناخي متقلب.