الثلاثاء 19 مايو 2026
يمثل مسار التحوّل السياسي في السودان منذ منتصف عام 2018 حالةً سياسية مركّبة وفريدة في التاريخ السياسي المعاصر لمنطقة القرن الأفريقي، بل وربما في تجارب الانتقال الهش عالميًا؛ حيث تداخلت لحظات الأمل الثوري مع انتكاسات حادّة، واصطدمت الإرادة الشعبية ببُنى عسكرية وأمنية راسخة، ما أفضى في نهاية المطاف إلى حالة من الانهيار المتعدد الأبعاد للدولة باندلاع حرب أبريل/نيسان 2023.
في الأسبوع الأول من ديسمبر/كانون الأول 2018، خرج مئات طلاب مدارس مرحلة الأساس في مدينة مايرنو منددين بالوضع المعيشي والغلاء بهتافاتٍ شقت عنان السماء، ثم تدريجياً حتى 19 من الشهر ذاته، انتفض السودانيون في موجة احتجاجات واسعة النطاق، مدفوعة بأزمات اقتصادية خانقة وذاكرة ملؤها تراكمات طويلة من القمع والاستبداد، ليؤسسوا لحظةً تاريخية فارقة بدت، في حينها، كمدخلٍ واعد نحو إعادة بناء الدولة على أسس مدنية وديمقراطية.
غير أن هذا المسار لم يكن خطيًا ولا مستقرًا؛ إذ سرعان ما أعادت مراكز القوة التقليدية تموضعها داخل المشهد، مستفيدة من هشاشة الترتيبات الانتقالية وتناقضات النخبة السياسية والعسكرية والاقتصادية. مما أدى إلى تحوّل لحظة الانتقال من مشروع تفكيك للنظام القديم إلى ساحة صراع مفتوح بين قوى مدنية تسعى لترسيخ الحكم الديمقراطي ولو عنوةً من جانب، ومؤسسات عسكرية وأمنية تحاول الحفاظ على امتيازاتها ونفوذها التاريخي من جانبٍ آخر.
تأسيساً على هذا المشهد المعقّد، تبرز ثلاثة منعرجات حاسمة شكّلت الإطار العام لما آلت إليه الأوضاع في السودان منذ عام 2018 حتى اليوم. أولها، المنعطف الذي لم يكن مجرد فعل احتجاجي، إنما لحظةً تأسيسية أعادت تعريف العلاقة بين الشارع والسُلطة، فارضةً واقعًا سياسيًا جديدًا لا يمكن تجاهله. وثانيها، اللحظة التي تم الإطاحة بنظام عمر البشير، لكنه في الوقت ذاته أعاد إنتاج السلطة العسكرية في ثوب انتقالي. أما المنعرج الثالث هو ذلك الذي مثّل قطيعة حاسمة مع مسار الشراكة الهشة بين الجناحين المدني والعسكري، وأعاد البلاد إلى نقطة الصفر، بل ومهّد لانفجار صراع مسلح واسع النطاق، كشف عن عمق الانقسامات داخل المؤسسة العسكرية نفسها، وأدخل السودان في واحدة من أكثر مراحله دموية وتعقيدًا. إذاً، كيف إنتقل السودان من أكثر لحظاته ثورية إلى حرب مفتوحة تهدد وجود الدولة الوطنية الموحدة نفسها؟
في السادس من نيسان/أبريل 2019، وبعد أكثر من أربعة أشهر من الاحتجاجات المتصاعدة التي اندلعت في التاسع عشر من ديسمبر/كانون الأول 2018، بلغ الحراك الشعبي السوداني ذروته النوعية، لا من حيث العدد فحسب، إنما من حيث قدرته على إعادة تشكيل الفضاء السياسي نفسه. فقد تدفقت عشرات الآلاف من المتظاهرين إلى محيط القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم، بالتوازي مع تحركات مماثلة نحو مقار الفرق العسكرية في عدد من المدن الكبرى مثل: نيالا وعطبرة والقضارف وكسلا، معلنين اعتصامًا مفتوحًا ضد نظام الرئيس السابق عمر البشير. في الواقع، لم يكن هذا التجمّع مجرد تصعيد احتجاجي تقليدي فحسب، إنما تحوّل إلى فعل سيادي ميداني أعاد تعريف موقع الشارع في معادلة السلطة.
قلبت هذه اللحظة موازين القوى، ليس فقط عبر الحشد الجماهيري، إنما من خلال إعادة تعريف من يملك الشرعية، ومن يتحكم في المجال العام، وهو ما جعلها نقطة تحوّل ثورية حقيقية في مسار السودان المعاصر
لقد مثّل هذا الاعتصام لحظة انتقال حاسم من الاحتجاج المتنقل إلى التمركز الاستراتيجي في قلب المنظومة العسكرية، حيث أُعيد إنتاج مفهوم "الميدان" بوصفه فضاءً سياسيًا متكاملاً، يجمع بين الرمز والوظيفة. فمن جهة، شكّل الاعتصام مركزًا رمزيًا للحراك الثوري الجماهيري ليعكس وحدة الإرادة الشعبية، ومن جهة أخرى، تحوّل إلى مركز فعلي لإدارة الحراك ووعيه الجمعي نحو تطلعات الشعب الغاضب، تُتخذ فيه القرارات، وتُنسّق عبره الفعاليات، وتُبنى داخله شبكات التضامن والتنظيم.
بالطبع، منذ بداية شرارة الحراك الثوري، برزت "لجان المقاومة" كأحد أهم ملامح هذا التحوّل؛ إذ لم تعدّ مجرد مجموعات شبابية تنشط في الأحياء، وتحتج عبر أزقتها الملتوية، إنما تطورت إلى بنية جماهيرية تنظيمية أفقية واسعة، امتدت عبر المدن والقرى، وباتت تعمل خارج الأطر الحزبية التقليدية. وقد اضطلعت هذه اللجان بأدوار متعددة حاسمة شملت تنظيم المواكب، وتأمين خطوط الإمداد، وإدارة الحياة اليومية داخل ساحة الاعتصام وخارجها، من توفير الغذاء والماء والخدمات الطبية إلى تنظيم الحراسة وتأمين المداخل. وقد عكس هذا النمط من التنظيم الأفقي، تحوّلًا عميقًا في الوعي السياسي، ولاسيما لفئة الشباب، حيث انتقلت حساسية المبادرة من النخب إلى القواعد الاجتماعية الشابة، التي استطاعت فرض نموذج بديل للقيادة قائم على المشاركة والعمل الجماعي والتنسيق اللامركزي.
كما تميّز هذا الاعتصام بقدرته على إنتاج فضاء اجتماعي-سياسي جديد، اتسم بدرجة عالية من التضامن والتنوع؛ إذ التقت فيه فئات مختلفة من المجتمع السوداني، من طلاب وعمال ومهنيين ونساء وأطفال وعجزة وغيرهم، في تجربة جماعية أعادت صياغة مفهوم الفعل العام، وقد أخذت عين العالم في ذهول بذلك. وقد منح هذا التداخل بين السياسي والاجتماعي للاعتصام طابعًا تحويليًا، جعله يتجاوز كونه وسيلة ضغط إلى كونه نموذجًا مصغرًا لما يمكن أن تكون عليه الدولة المدنية المنشودة.
ورغم القمع العنيف والمحاولات المتكررة باستمرار لفض هذه الاعتصامات رفقة جداول التظاهرات المليونية التي خرجت تباعاً، التي أسفرت عن سقوط عشرات القتلى والجرحى منذ اليوم الأول وما تبعه، لم تتراجع الجماهير، بل أظهرت مستوى لافتًا من الصمود والتماسك. وقد تزامن ذلك مع مؤشرات أولية على تصدعات داخل الأجهزة العسكرية والأمنية، حيث ظهرت بوادر رفض لبعض الأوامر، وتنامت حالة التردد داخل مراكز القوة، لدرجة أن انحازت العديد من العناصر العسكرية الرافضة لحالة القمع والعنف بحق المواطنين الى صوت الشارع. هذا التلاقي بين الضغط الشعبي والانقسام داخل هياكل السلطة شكّل نقطة انعطاف حاسمة، مهدت الطريق للأحداث التي تلت في 11 أبريل/نيسان.
وعليه، لا يمكن النظر إلى مليونية اعتصام 6 أبريل/نيسان 2019 إلا بوصفها لحظة تأسيسية فارقة في سيرورة الحراك الثوري؛ حيث شهدت بروز الإرادة المدنية كفاعل سيادي قادر على فرض نفسه في مواجهة المؤسسة العسكرية الحاكمة بعنف السلاح. لقد قلبت هذه اللحظة موازين القوى، ليس فقط عبر الحشد الجماهيري، إنما من خلال إعادة تعريف من يملك الشرعية، ومن يتحكم في المجال العام، وهو ما جعلها نقطة تحوّل ثورية حقيقية في مسار السودان المعاصر.
استيقظ السودانيون، في صبيحة 11 أبريل/نيسان 2019، على لحظة بدت، للوهلة الأولى، وكأنها نهاية حقبة وبداية أخرى، إذ بدأت المؤشرات الأولى عبر همس متداول بأن "الجيش انحاز للثورة"، قبل أن يتحول ذلك إلى إعلان ترقب بثته الإذاعة والتلفزيون، مصحوبًا بالموسيقى العسكرية، في مشهد يعكس الطابع التقليدي لانقلابات السلطة في السودان، إلى أن وصل الأمر في منتصف النهار، فأعلن الجيش السوداني رسمياً، بقيادة الجنرال عوض بن عوف الذي كان يشغل موقع وزير الدفاع حينها، اعتقال الرئيس عمر البشير، وحل مؤسسات الحكم القائمة، وفرض حالة الطوارئ، على أن تعقبها فترة انتقالية.
لم يكن هذا الحدث، على أهميته، انتقالًا سلسًا للسلطة بقدر ما كان إعادة تموضع داخل بنية النظام نفسه. فسقوط البشير في هذه اللحظة جاء تتويجًا مباشرًا لحراك ثوري جماهيري للشعب السوداني امتد لأكثر من أربعة أشهر، وهو نتيجة تلقائية لتراكم أزمات اقتصادية حادّة، وتفشي الفساد، وانهيار مستويات المعيشة، فضلًا عن انسداد الأفق السياسي والاجتماعي. إلا أن الطريقة التي تم بها إزاحته - عبر تدخل عسكري مباشر - حملت في طياتها مفارقة جوهرية: إذ تم تفكيك رأس النظام دون تفكيك أدواته الأساسية.
لقد مثّل تشكيل "المجلس العسكري الانتقالي" استمرارًا لهيمنة المؤسسة العسكرية، ولو بصيغة انتقالية، وهو ما قوبل برفض واسع من قوى الحراك الثوري الغاضبة والتي رأت في ذلك التفافًا على مطالبها. ولم يكن استقالة بن عوف بعد يوم واحد فقط سوى نتيجة مباشرة لهذا الضغط الشعبي المكثّف، حيث عكست سرعة إزاحته عمق الفجوة بين الشارع والقيادة العسكرية. غير أن صعود الجنرال عبد الفتاح البرهان إلى رئاسة المجلس لم يغيّر جوهر المعادلة، إنما أعاد إنتاجها بوجه أقل استفزازًا، مع الحفاظ على مركزية القرار داخل المؤسسة العسكرية.
لم تكن هذه الخطوة مفاجئة تمامًا، إنما جاءت تتويجًا لمسار طويل من التوترات المتراكمة داخل بنية السلطة الانتقالية، حيث ظل التعايش بين المكونين المدني والعسكري محكومًا بانعدام الثقة، وتضارب المصالح، واختلاف الرؤى حول طبيعة الدولة ومسار الإصلاح
ثم في هذا المنحى، دخل السودان مرحلة شدّ وجذب معقدة بين قوى مدنية تسعى لفرض انتقال ديمقراطي كامل، ومؤسسة عسكرية تحاول إدارة مرحلة ما بعد البشير رئيساً، بما يحفظ مصالحها ونفوذها. وقد تجسدّ هذا الصراع في الاعتصامات المستمرة، والمواكب الجماهيرية، وسلسلة من المفاوضات المتقطعة، التي اتسمت بانعدام الثقة وتضارب الأجندات والمصالح. ولم تكن هذه الفترة خالية من العنف، إذ شهدت البلاد أحداثًا دامية، أبرزها مجزرة فض اعتصام القيادة العامة بالخرطوم، في يونيو/حزيران 2019، الذي شكّل صدمة كبرى وأعاد طرح سؤال طبيعة السلطة الانتقالية وحدود الشراكة مع العسكريين.
تحت ضغط الشارع، وتعقيدات المشهد الداخلي، وتدخلات إقليمية ودولية سعت إلى احتواء الانفجار، تم التوصل الى التوقيع النهائي على "الوثيقة الدستورية" للفترة الانتقالية في 17 أغسطس/آب 2019، وذلك بعد التوقيع عليها بالأحرف الأولى في 4 أغسطس/آب 2019، بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير، لتنظيم الفترة الانتقالية بعد الإطاحة بنظام عمر البشير وتم تعديلها لاحقاً في أكتوبر/تشرين الأول 2020 لتشمل اتفاق جوبا لسلام السودان، تم إجراء التعديل عليها عام 2025، والتي أرست صيغة شراكة مدنية-عسكرية غير مسبوقة في تاريخ السودان الحديث. وقد أسفرت هذه التسوية عن تشكيل مجلس سيادة مشترك، وحكومة تنفيذية بقيادة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، في محاولة لتحقيق توازن دقيق بين مطالب الثورة وواقع القوة على الأرض.
إلا أن هذه الصيغة، منذ لحظتها الأولى، حملت بذور هشاشتها؛ فهي لم تقم على توافق استراتيجي حقيقي، إنما على تسوية اضطرارية بين أطراف متناقضة في الرؤية والمصالح. فبينما رأت القوى المدنية في المرحلة الانتقالية مسارًا لتفكيك إرث النظام السابق وبناء دولة مدنية، نظرت المؤسسة العسكرية إليها كإطار مؤقت لإعادة ترتيب أوراقها والحفاظ على نفوذها داخل الدولة. مما جعل هذا التناقض البنيوي من مسار الانتقال عملية معلّقة، قابلة للانهيار عند أول اختبار جاد، وهو ما ستكشفه لاحقًا تطورات المشهد، وصولًا إلى انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021.
في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021، دخل السودان طورًا جديدًا من أزمته السياسية، حين نفّذ الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، وبمشاركة مباشرة من قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو "حميدتي"، انقلابًا عسكريًا شاملًا أطاح بالترتيبات الانتقالية الهشة. وفي الواقع، لم يكن هذا الانقلاب مجرد إجراء تكتيكي لإعادة ضبط ميزان القوى، إنما مثّل قطيعة حاسمة مع مسار الشراكة المدنية-العسكرية الذي تأسس بعد 2019. فقد أعلن البرهان حالة الطوارئ، وحلّ مجلسي السيادة والوزراء، وعلّق العمل بعدد من بنود الوثيقة الدستورية، في خطوة أعادت تركيز السلطة بشكل كامل في يد المؤسسة العسكرية.
مثّل هذا الاعتصام لحظة انتقال حاسم من الاحتجاج المتنقل إلى التمركز الاستراتيجي في قلب المنظومة العسكرية، حيث أُعيد إنتاج مفهوم "الميدان" بوصفه فضاءً سياسيًا متكاملاً، يجمع بين الرمز والوظيفة
ترافقت هذه إجراءات هذا الانقلاب مع حملة اعتقالات واسعة طالت رئيس الوزراء عبد الله حمدوك وعددًا من الوزراء والقيادات المدنية، في مشهد أعاد إلى الأذهان أنماط الحكم السلطوي التي ثار ضدها السودانيون. لم تكن هذه الخطوة مفاجئة تمامًا، إنما جاءت تتويجًا لمسار طويل من التوترات المتراكمة داخل بنية السلطة الانتقالية، حيث ظل التعايش بين المكونين المدني والعسكري محكومًا بانعدام الثقة، وتضارب المصالح، واختلاف الرؤى حول طبيعة الدولة ومسار الإصلاح.
وقد برزت في هذا السياق قوات الدعم السريع كفاعل مركزي في معادلة الانقلاب، وهو ما يعكس تحولًا نوعيًا في موقع هذه القوة داخل الدولة. فبعد أن نشأت في سياق النزاعات الطرفية، خصوصًا في دارفور، بوصفها أداة شبه عسكرية، أصبحت بحلول 2021 قوة سياسية-عسكرية مستقلة تمتلك مواردها وشبكاتها الخاصة، وقادرة على التأثير المباشر في مركز القرار. هذا التحوّل لم يعمّق فقط من تعقيد المشهد الأمني، إنما أضاف بعدًا جديدًا للصراع داخل المؤسسة العسكرية نفسها، بين جيش رسمي تقليدي وقوة عسكرية موازية ذات طابع شبه نظامي؛ ميليشيا.
ولا يمكن قراءة هذا الانقلاب إلا بوصفه نتيجة شبه حتمية لاختلالات المرحلة الانتقالية؛ إذ فشل الطرفان في بناء شراكة حقيقية قائمة على الثقة وتقاسم واضح للسلطة. تعثرت إصلاحات القطاع الأمني والعسكري، وتعثرت عملية تفكيك نظام البشير، كما ظلت ملفات العدالة الانتقالية، بما في ذلك تسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية، مصدر توتر دائم. وفي المقابل، واجهت القوى المدنية انقسامات داخلية أضعفت قدرتها على تشكيل جبهة موحدة قادرة على فرض أجندة الانتقال.
ورغم المحاولات اللاحقة لإنقاذ المسار، وعلى رأسها الاتفاق الإطاري في ديسمبر/كانون الأول 2022، إلا أن هذه المبادرات جاءت متأخرة وفي سياق فقد فيه التوازن السياسي معناه. إذ لم تعد الأزمة مجرد خلاف حول تقاسم السلطة، بل تحولت إلى صراع مفتوح على طبيعة الدولة نفسها، وعلى من يحتكر أدوات العنف والسيطرة.
وقد أشعل هذا الانقلاب موجة جديدة من المقاومة الجماهيرية للشعب السوداني؛ حيث خرج مئات الآلاف في مواكب متكررة رافضة للحكم العسكري، رافعين شعارات العودة إلى المسار المدني الكامل. غير أن هذه الاحتجاجات قوبلت بقمع عنيف، ما عمّق الفجوة بين الشارع والسلطة، وأدى إلى مزيد من التآكل في شرعية الحكم. وعلى الصعيد الدولي، قوبل الانقلاب بإدانات واسعة وتعليق للمساعدات، الأمر الذي فاقم من الأزمة الاقتصادية وأدخل البلاد في حالة عزلة نسبية مضاعفة.
وفي الواقع، لم يكن انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول مجرد نهاية لمرحلة انتقالية، إنما نقطة انكسار استراتيجية فتحت الباب أمام تفكّك أعمق داخل بنية الدولة والحكم. فقد أدى إلى إعادة عسكرة السياسة بشكل كامل، وإلى تفجير التناقضات الكامنة داخل المنظومة العسكرية نفسها، وهو ما سيتجلى لاحقًا في اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023. وبهذا المعنى، يمكن اعتبار هذا الانقلاب لحظة الانهيار الفعلي لمسار التحول الديمقراطي، وبداية الانزلاق نحو صراع مفتوح يهدد كيان الدولة السودانية برمته مذ حينها حتى هذه اللحظة، وبطريقةٍ ما جعل شعارات حراك ديسمبر الثوري معلقةً في الذاكرة، بعيدة المنال على أرض الواقع.